قدّمت النمسا نفسها أمام مجلس حقوق الإنسان كدولة ملتزمة بالديمقراطية وسيادة القانون والعمل متعدد الأطراف، لكنها واجهت في المقابل انتقادات وملاحظات حقوقية ركزت على العنصرية، والهجرة، واللجوء، ولمّ شمل الأسر، وفجوات الحماية من التمييز.
وفي كلمتها خلال جلسة اعتماد نتائج الاستعراض الدوري الشامل، أكدت النمسا أن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون ليست شأناً وطنياً داخلياً فقط، بل عناصر مرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية، كما شددت على أن الاستعراض الدوري الشامل يمثل أداة للمساءلة والتقييم الذاتي والتحسين، وليس مجرد إجراء دولي شكلي.
وأشارت النمسا إلى جملة من الإصلاحات، من بينها تعزيز دور مكتب أمين المظالم، ودعم القضاء والادعاء، واعتماد خطة وطنية للمرأة والفتيات 2025–2029، ومواصلة مكافحة معاداة السامية وخطاب الكراهية والتطرف اليميني، كما أكدت أهمية المجتمع المدني كشريك أساسي في تنفيذ الالتزامات الحقوقية.
لكن هذه الصورة الإيجابية رافقتها مداخلات ناقدة، فقد أثارت الصين ملف العنصرية وكراهية الأجانب وتأثيرهما على حقوق المسلمين والروما، داعية إلى تعزيز المساواة والاندماج، كما أشار مجلس أمين المظالم النمساوي إلى أن الإطار القانوني لمكافحة التمييز لا يوفر حماية متساوية في جميع المجالات، بسبب تعقيد القوانين وتفاوت الحماية بين المستويات الفيدرالية والإقليمية.
قانون الوصاية الخاص بالقصر
وفي ملف اللجوء، رحّبت مفوضية اللاجئين بقانون الوصاية الخاص بالقصر غير المرافقين، لكنها أعربت عن قلقها من القيود المفروضة على لمّ شمل الأسر، ولا سيما للمستفيدين من الحماية الدولية، واعتبرت أن الحق في الحياة الأسرية يجب أن يبقى جزءاً أساسياً من منظومة حماية اللاجئين.
ودعت فنزويلا النمسا إلى إعادة النظر في التوصيات غير المقبولة المتعلقة بالهجرة واللجوء، إضافة إلى منع التعذيب وعدم الاستخدام المفرط أو غير المتناسب للقوة، خصوصاً تجاه الفئات الضعيفة.
وتكشف هذه المداخلات عن مفارقة مهمة: النمسا تمتلك مؤسسات ديمقراطية قوية وخطاباً حقوقياً واضحاً، لكنها لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بتنفيذ المساواة عملياً، وضمان عدم تمييز الفئات الأكثر هشاشة، والتوفيق بين سياسات الهجرة والحماية الحقوقية.
النمسا وقبول التوصيات
من جانبها، أوضحت النمسا أن بعض التوصيات لم تُقبل لأسباب دستورية أو قانونية أو مرتبطة بتوزيع الصلاحيات داخل الدولة الاتحادية، كما أكدت أن المصداقية في الاستعراض الدوري لا تقاس فقط بعدد التوصيات المقبولة، بل بجدية التعامل معها وتنفيذ ما يمكن تنفيذه ضمن الإطار الوطني.
غير أن الانتقادات المطروحة تشير إلى أن الدول الديمقراطية لا تُقاس فقط بصلابة مؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على حماية من هم في مواقع أضعف.. اللاجئون، المهاجرون، الأقليات الدينية والعرقية، النساء، الأطفال، والأشخاص ذوو الإعاقة.
وبذلك، فإن استعراض النمسا لم يكن مساءلة لدولة فاشلة حقوقياً، بل اختباراً لديمقراطية راسخة: هل تستطيع هذه الديمقراطية معالجة الفجوات المعقدة داخل منظومتها القانونية والاجتماعية، أم ستبقى بعض الفئات خارج الحماية المتساوية؟
الصين تفتح ملف العنصرية
فتحت الصين خلال جلسة اعتماد نتائج الاستعراض الدوري الشامل الخاصة بالنمسا ملفاً حساساً يتعلق بالعنصرية وكراهية الأجانب، مشيرة إلى أن بعض الأقليات، ومن بينها المسلمون والروما، لا تزال تواجه تحديات تمس تمتعها الكامل بحقوقها داخل البلاد.
وجاءت المداخلة الصينية في سياق نقاش أوسع حول سجل النمسا الحقوقي، حيث أقرت عدة وفود بالتقدم الذي أحرزته في مجالات الديمقراطية، وسيادة القانون، ومكافحة خطاب الكراهية، وحماية النساء والفتيات، لكنها في المقابل دعت إلى معالجة الثغرات المستمرة في ملفات التمييز والهجرة واللجوء.
وقالت الصين إن النمسا حققت تقدماً في عدد من المجالات، لكنها أشارت إلى استمرار تحديات مرتبطة بمكافحة العنصرية وكراهية الأجانب، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على حقوق الأقليات، بمن في ذلك المسلمون والروما، كما دعت إلى تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وزيادة الاستثمار في التعليم والتوعية من أجل تعزيز المساواة والاندماج.
