منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تقرير أممي يرصد تراجع أوضاع حقوق الإنسان في جورجيا ومخاوف من تضييق الحريات

02 يوليو 2026
مخاوف من تراجع الحريات في جورجيا
مخاوف من تراجع الحريات في جورجيا

ناقش المجلس خلال جلسته السابعة والعشرين تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن التعاون مع جورجيا، والذي استعرض أبرز تطورات أوضاع حقوق الإنسان في البلاد خلال عام 2025، إلى جانب المساعدة التقنية التي قدمتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والانتهاكات المستمرة في إقليمي أبخازيا ومنطقة تسخينفالي (أوسيتيا الجنوبية)، وسط تحذيرات من تدهور الوضع الحقوقي واستمرار القيود المفروضة على وصول آليات الأمم المتحدة إلى تلك المناطق.

جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، حيث استعرضت ممثلة المفوضية، هايدي جراو، التقرير المعد تنفيذاً لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 60/29، موضحة أنه يغطي الفترة الممتدة من الأول من يناير وحتى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2025، ويتناول التعاون القائم بين المفوضية والحكومة الجورجية، إلى جانب رصد أبرز التحديات الحقوقية في البلاد.

وأشادت باستمرار تعاون الحكومة الجورجية مع المفوضية، ومنه استمرار وجود مكتب للمفوضية داخل البلاد طوال الفترة المشمولة بالتقرير، مشيرة إلى أن فريق المفوضية نفذ خلال عام 2025 نحو 31 نشاطاً لبناء القدرات شارك فيها 920 شخصاً، بينهم 593 امرأة، وشملت البرامج أعضاء نقابة المحامين، ومجموعات شبابية، وممثلين عن الأقليات الدينية والقومية، والأشخاص ذوي الإعاقة، ومنظمات المجتمع المدني.

ورغم هذا التعاون، أكد التقرير أن عام 2025 شهد تطورات تشريعية ومؤسساتية وسياسية أثارت مخاوف جدية بشأن احترام حقوق الإنسان في جورجيا، لافتاً إلى استمرار الاتجاه نحو اعتماد قوانين تحد من الحيز المدني وتقوض الحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والحق في التجمع السلمي.

قانون العملاء الأجانب

أوضح التقرير أن هذه الإجراءات شملت إقرار قانون تسجيل ما يعرف بـ”العملاء الأجانب”، إلى جانب تعديلات على قوانين المنح، والتجمعات والمظاهرات، والمخالفات الإدارية، والقانون الجنائي، وهي تشريعات اعتبرت المفوضية أنها قد تؤثر بصورة مباشرة في عمل المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجهات المستقلة.

وأعربت المفوضية عن قلقها من استمرار الادعاءات المتعلقة بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء الاحتجاجات العامة، ومنها الاعتقال التعسفي، وسوء المعاملة، والاستخدام غير الضروري أو غير المتناسب للقوة ضد المتظاهرين والصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام.

ورحبت في الوقت ذاته بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجورجية، ومنها توقيف خمسة من مسؤولي أجهزة إنفاذ القانون خلال شهر مايو الماضي، على خلفية اتهامات باستخدام العنف ضد متظاهرين خلال احتجاجات عام 2024، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تطوراً إيجابياً، لكنها شددت على ضرورة استكمال التحقيقات بصورة مستقلة وسريعة وشاملة.

ودعت المفوضية السلطات الجورجية إلى ضمان المساءلة الكاملة عن جميع الانتهاكات المزعومة، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة، ما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة وسيادة القانون.

أوضاع حقوق الإنسان في جورجيا

وانتقل التقرير بعد ذلك إلى استعراض أوضاع حقوق الإنسان في أبخازيا ومنطقة تسخينفالي في جنوب أوسيتيا، معرباً عن أسفه لاستمرار رفض السلطات المسيطرة على المنطقتين السماح بدخول مفوضية الأمم المتحدة وآليات حقوق الإنسان الأخرى، رغم النداءات المتكررة الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان منذ عام 2017.

وجددت المفوضية دعوتها إلى توفير وصول فوري وغير مشروط لجميع آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، مؤكدة أن استمرار منع الزيارات الدولية يحول دون التحقق المستقل من أوضاع السكان ورصد الانتهاكات بصورة مباشرة.

ودعت جميع الأطراف إلى رفع القيود المفروضة على خطوط الحدود الإدارية وإعادة فتح جميع نقاط العبور بشكل كامل، ما يضمن احترام الحق في حرية التنقل ويخفف من الآثار الإنسانية والاقتصادية التي يتحملها السكان.

وأشار التقرير إلى استمرار ورود ادعاءات تتعلق بانتهاكات تستهدف الجورجيين المنحدرين من أصول إثنية في منطقتي غالي وأخالغوري، مطالباً بضمان الحماية الكاملة لحقوقهم والتحقيق في جميع الانتهاكات التي يتعرضون لها.

انتهاكات الحق في الحياة

أكدت المفوضية ضرورة فتح تحقيقات مستقلة في جميع الادعاءات المتعلقة بانتهاكات الحق في الحياة، وأعمال التعذيب وسوء المعاملة داخل أبخازيا، وضمان محاسبة المسؤولين عنها وتوفير سبل انتصاف فعالة للضحايا.

وطالبت بإنهاء جميع حالات الحرمان التعسفي من الحرية في أبخازيا وجنوب أوسيتيا، ومواءمة الممارسات القائمة مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن استمرار الاحتجازات التعسفية والقيود المفروضة على حرية الحركة يفاقم الأوضاع الإنسانية ويؤثر سلباً في التمتع بالحقوق الأساسية.

وفي الجانب الاجتماعي، شدد التقرير على ضرورة مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي والتمييز، وضمان حصول النساء والفتيات على الخدمات الأساسية، ومنها خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، مع توفير فرص حقيقية لمشاركتهن في الحياة العامة.

وأكد أهمية ضمان المساواة في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى رأسها الحق في التعليم الجيد الخالي من التمييز، والحق في تلقي التعليم باللغة الأم، باعتبارهما من الحقوق الأساسية التي ينبغي كفالتها لجميع السكان دون استثناء.

وأعربت المفوضية في ختام تقريرها عن أسفها لأن معظم التوصيات التي قدمتها في تقاريرها السابقة إلى مجلس حقوق الإنسان لم تنفذ، مشيرة إلى أن أوضاع حقوق الإنسان خلال الفترة المشمولة بالتقرير لم تتحسن، بل شهدت مزيداً من التدهور، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى تجديد الالتزام السياسي واتخاذ خطوات عملية من جانب جميع الأطراف لضمان احترام حقوق السكان المتضررين.

وأكدت أن مكتب المفوضية سيواصل تقديم الدعم الفني والمشورة اللازمة لجميع الجهات المعنية من أجل تعزيز حماية حقوق الإنسان وتحسين آليات المساءلة.

التعاون مع المفوضية

من جانبها، رحبت جورجيا بعرض التقرير، مؤكدة استمرار تعاونها مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لكنها شددت على أن التقرير يبرز أيضاً استمرار الوضع الأمني والإنساني الخطير في إقليمي أبخازيا ومنطقة تسخينفالي اللذين وصفتهما بأنهما “محتلان من قبل روسيا”.

وقالت إن القيود التي تفرضها السلطات الروسية على وصول المفوضية وآليات الأمم المتحدة الأخرى إلى الإقليمين المحتلين حالت دون إجراء تقييم مستقل وشامل للأوضاع هناك، مشيرة إلى أن السكان لا يزالون يواجهون انتهاكات تشمل التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي، وانتهاك حقوق الملكية والسكن، والتمييز العرقي، وحرمان الأطفال من التعليم باللغة الجورجية، إضافة إلى القيود المفروضة على الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.

وأضاف الوفد الجورجي أن إقامة الأسلاك الشائكة والحواجز على طول خطوط الاحتلال تواصل تقييد حرية تنقل السكان، في حين لا تزال قضية مقتل المواطن الجورجي دافيد باشارولي دون مساءلة، معتبراً أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على ارتكاب مزيد من الانتهاكات.

وأشار إلى أن مئات الآلاف من النازحين داخلياً واللاجئين ما زالوا محرومين من حقهم في العودة إلى ديارهم، وهو ما وصفه بأنه أحد أبرز الملفات الإنسانية العالقة، متهماً روسيا بعرقلة التقدم في محادثات جنيف الدولية الخاصة بالنزاع، ورفضها الانخراط الجاد في مناقشة ملف عودة النازحين.

واتهمت جورجيا موسكو بمواصلة عسكرة الإقليمين، معتبرة أن إنشاء قاعدة بحرية روسية في أوتشامتشيري، وتشغيل مطار سوخومي بصورة غير قانونية، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة من روسيا، إضافة إلى مشروعات السكك الحديدية، تمثل خطوات تهدد الأمن الإقليمي وتقوض الاستقرار.

قلق من انتهاك القانون

أعربت جورجيا عن قلقها من اتفاق التعاون الموقع في التاسع من مايو 2026 بين روسيا والسلطات القائمة في أبخازيا، معتبرة أنه يمثل محاولة جديدة لضم الإقليم في انتهاك للقانون الدولي وقرارات المحكمة الجنائية الدولية، ويؤكد استمرار السيطرة الروسية الفعلية على الأراضي الجورجية المحتلة.

وأكد الوفد الجورجي في ختام مداخلته أن مجلس حقوق الإنسان ينبغي أن يظل منصة لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بعيداً عن أي روايات سياسية.

ودعا المجتمع الدولي إلى مواصلة الضغط لضمان امتثال روسيا لالتزاماتها الدولية وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بوساطة الاتحاد الأوروبي، ومجدداً التزام بلاده بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وتعزيز انخراطها البناء في أعمال المجلس.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print