كارول ماركوفيتش
يبدو أن الحزب الديمقراطي يعيش لحظة شيوعية مرة أخرى.
فمن نيويورك إلى كولورادو، يتجه أكثر المرشحين تطرفاً في عدد من السباقات الانتخابية إلى تحقيق انتصارات خلال انتخابات نوفمبر، دافعين بالحزب أكثر فأكثر نحو اليسار.
وكما حدث في كل ثورة شيوعية تقريباً، فإن الخطوة الأولى تتمثل في تحويل أكثر أفراد المجتمع إنتاجاً وثراءً إلى أعداء للجماهير.
واليوم، أصبح أغنى هؤلاء جميعاً، إيلون ماسك، العدو العام الأول.
ما يتعرض له ماسك يبدو وكأنه تطبيق حرفي لما جاء في كتاب «قواعد للراديكاليين» لسول ألينسكي، وتحديداً القاعدة الثالثة عشرة التي تنص على: “اختر هدفاً، ثبّته، شخصنه، ثم استقطب الناس ضده”.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تصاعدت حملة الهجوم على ماسك بصورة غير مسبوقة، منذ أن دفعت استثماراته بثروته الورقية إلى مستوى التريليون دولار.
عندها بدأ ديمقراطيون مثل النائب عن كاليفورنيا رو خانا، والسيناتورة عن ماساتشوستس إليزابيث وارن، يطالبون بالاستيلاء على أصول ماسك، وكأن نجاحه الاستثنائي أصبح جريمة تستوجب العقاب.
كتب خانا في الخامس من يونيو: “ضريبة بنسبة 5% على ثروة إيلون التي تبلغ تريليون دولار كفيلة بتمويل الدراسة الجامعية والتعليم المهني المجاني لكل الأمريكيين”.
لكن الملاحظة التي أرفقها مستخدمو منصة “إكس” بمنشوره كشفت زيف هذا الادعاء؛ فاقتراحه لن يوفر سوى نحو 60 مليار دولار، في حين تتجاوز تكلفة الرسوم الدراسية لبرامج البكالوريوس وحدها في الولايات المتحدة 160 مليار دولار سنوياً.
وسارت إليزابيث وارن على النهج نفسه، مدعية أن جزءاً من ثروة ماسك يمكن أن يمول خدمات رعاية الأطفال لجميع الأطفال الأمريكيين في سن الثالثة والرابعة.
غير أن الواقع مختلف تماماً؛ فحتى لو صادرت الحكومة كامل ثروة ماسك، فلن يكون ذلك كافياً لتمويل الحكومة الفيدرالية سوى لنحو ثلاثة أشهر فقط.
لكن حملة الهجوم لم تتوقف عند هذا الحد.
ففي الثاني والعشرين من يونيو، اتهم رو خانا ماسك بأنه “ربما حكم بالإعدام على 4.5 مليون طفل”؛ بسبب توصيات وزارة كفاءة الحكومة (DOGE) بخفض بعض مخصصات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
لاحظوا كلمة “ربما” التي استخدمها بعناية، حتى يتجنب الملاحقة القانونية بتهمة التشهير.
ثم جاء الصحفي نيكولاس كريستوف الذي سبق أن نشر مقالاً مثيراً للجدل اتهم فيه حراساً إسرائيليين باستخدام الكلاب لاغتصاب سجناء، ليبدأ في تعداد أسماء أشخاص زعم أن ماسك تسبب في وفاتهم.
وادعى أن امرأة ليبيرية تبلغ من العمر 23 عاماً تُدعى ياماه فريمان توفيت أثناء الولادة لأن ماسك قطع تمويل وقود سيارات الإسعاف في منطقتها.
ثم تحدث عن طفل في جنوب السودان يبلغ من العمر عشر سنوات يُدعى بيتر دوندي، زاعماً أنه حُرم من دوائه الخاص بفيروس نقص المناعة البشرية بسبب قرارات ماسك.
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
فوزارة كفاءة الحكومة لم تُجرِ أي تخفيضات في برنامج الرئيس الأمريكي الطارئ للإغاثة من الإيدز (PEPFAR)، وهو البرنامج الذي أنفقت الولايات المتحدة من خلاله منذ عام 2003 أكثر من 130 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب على مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية حول العالم.
بل إن ماسك أوضح أن جانباً كبيراً من عمل الوزارة اقتصر على مطالبة الجهات المستفيدة بإثبات أن الأموال الأمريكية تصل بالفعل إلى الأشخاص المستحقين لها.
وأكد أن أي تمويل يثبت أنه ينقذ الأرواح استمر دون انقطاع، وأصبح يُدار لاحقاً عبر وزارة الخارجية الأمريكية.
لكن الحقيقة لم تكن هي القضية.
فمنتقدو ماسك لم يكونوا يناقشونه بحسن نية، بل كانوا منشغلين بتجسيد الهدف وتحويله إلى رمز للكراهية، تماماً كما أوصى ألينسكي.
لم يكن مطلوباً أن تكون الاتهامات صحيحة، أو حتى منطقية؛ كان يكفي أن يُذكر اسم إيلون ماسك حتى تشتعل موجة جديدة من الغضب ضده.
والمفارقة أن كثيراً من أكثر مهاجمي ماسك شراسة ينتمون هم أنفسهم إلى طبقة الأثرياء.
فقد كشف تحقيق نشره موقع Free Beacon هذا الأسبوع أن طفلي رو خانا يمتلكان حصصاً كبيرة في ثلاثة نوادٍ خاصة للجولف، في حين تقود زوجته سيارة يبلغ سعرها نحو 190 ألف دولار.
طالما تمتعت النخب الشيوعية بامتيازات خاصة، لكن ما يحدث اليوم يبدو تجاوزاً صارخاً.
فإذا كان من المقبول أن يعيش خانا في هذا الرفاه، فلماذا يُحمَّل ماسك مسؤولية نقص الوقود في سيارة إسعاف في ليبيريا؟
ولماذا يسمح لأطفاله بالاحتفاظ بثرواتهم بدلاً من إنفاقها لإنقاذ أطفال مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية؟
إن الحملة المستمرة ضد ماسك تمزج بين الحسد الصريح والدفع السياسي نحو نظام اشتراكي يقوم على مصادرة كل ما حققه من ثروة.
وهي حملة بالغة الخطورة في زمن أصبحت فيه ثقافة الاغتيال، السياسي والشخصي، تحظى بتشجيع قطاعات واسعة من اليسار.
فالأكاذيب التي تُنسج حوله تهدف إلى تعبئة القاعدة السياسية وإثارة غضبها، لكن، وعلى الرغم من أن إيلون ماسك يبدو الهدف المباشر، فإن المستهدف الحقيقي هو الولايات المتحدة نفسها.
فالولايات المتحدة تقود حالياً جهوداً إنسانية لإنقاذ الأرواح بعد الزلزال الذي ضرب فنزويلا.
لقد كانت أمريكا، على الدوام، حاضرة عندما احتاجها العالم.
لكن هذا السخاء ينبغي ألا يجعلها ضحية لبرامج تستنزف مواردها لعقود طويلة، بحيث تصبح مسؤولة عن كل مأساة تقع في أي مكان على وجه الأرض.
إنها دولة تمنح الأفراد فرصة الوصول إلى أقصى إمكاناتهم وتحقيق الثروة التي يحلمون بها.
وفي الوقت نفسه، تبقى دولة تقدم للعالم خيراً يصعب حصره.
ولهذا السبب تحديداً، يسعى الاشتراكيون إلى تدمير هذه الحقيقة إذا أرادوا إنجاح مشروعهم.
وينبغي لنا ألا نسمح لهم بذلك.
نقلاً عن نيويورك بوست
