منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إشادة أممية بتقدم كولومبيا في مسار السلام وتحذير من العنف ضد المدافعين عن حقوق الإنسان

02 يوليو 2026
إشادة أممية بتقدم كولومبيا في مسار السلام
إشادة أممية بتقدم كولومبيا في مسار السلام

أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن كولومبيا حققت خلال الفترة الماضية تقدماً في عدد من الملفات المرتبطة بتنفيذ اتفاق السلام والعدالة الانتقالية، إلا أن هذا التقدم لا يزال يواجه تحديات هيكلية معقدة، في مقدمتها استمرار العنف الذي تمارسه الجماعات المسلحة ضد المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى الحاجة لتعزيز بناء مؤسسات الدولة في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع.

جاء ذلك خلال فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، ضمن أعمال الاجتماع السابع والعشرين، الذي شهد تحديثاً شفهياً للمفوضية السامية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في كولومبيا في إطار تنفيذ قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 59/24 الخاص بتعزيز المساعدة التقنية وبناء القدرات في البلاد.

واستهلت الجلسة بأجواء إنسانية مؤثرة، بعدما وقف أعضاء المجلس دقيقة صمت حداداً على وفاة السفير الكولومبي لدى الأمم المتحدة في جنيف، غوستافو غايتان، الذي وصفه المشاركون بأنه أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان والسلام في كولومبيا، وصاحب إسهامات كبيرة في تطوير منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فضلاً عن دوره في إنشاء مكتب المفوضية السامية داخل كولومبيا عام 1997، ومشاركته في تنفيذ اتفاق السلام لعام 2016.

وأكدت المفوضية أن الراحل لعب على مدى أكثر من 50 عاماً دوراً محورياً في الدفاع عن حقوق الإنسان، كما أسهم في أعمال لجنة الحقيقة، وكان من أبرز الشخصيات التي دفعت باتجاه ترسيخ العدالة الانتقالية داخل بلاده، مشيرة إلى أن رحيله يمثل خسارة كبيرة ليس لكولومبيا وحدها، وإنما لمنظومة حقوق الإنسان الدولية بأكملها.

توصيات لجنة الحقيقة والتعايش

في استعراضها لتطورات الأوضاع، أوضحت المفوضية أن الدولة الكولومبية أحرزت تقدماً في تنفيذ عدد من توصيات لجنة الحقيقة والتعايش وعدم التكرار، لا سيما في ملفات العدالة الانتقالية، ومكافحة الإفلات من العقاب، والإصلاح الريفي الشامل، وإصلاح القطاع الأمني، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل مؤشرات إيجابية على استمرار تنفيذ اتفاق السلام الموقع عام 2016.

ورغم ذلك، شددت المفوضية على أن هذه الإنجازات لا تزال محدودة بسبب استمرار مجموعة من العقبات الهيكلية، من بينها ضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية، واستمرار العوامل التي تغذي العنف في العديد من المناطق، وهو ما يحد من القدرة الفعلية لاتفاق السلام على إحداث تحول شامل في الواقع الأمني والإنساني.

وسلّطت المفوضية الضوء على الأحكام الصادرة عن الولاية القضائية الخاصة للسلام خلال عام 2025، والتي تناولت جرائم الاختطاف التي ارتكبتها القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، وكذلك قضايا القتل والإخفاء القسري التي جرى تقديمها في السابق باعتبارها خسائر قتالية.

ورأت أن هذه الأحكام تمثل محطة مفصلية في مسار مكافحة الإفلات من العقاب، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن المرحلة الأكثر أهمية تبدأ الآن مع تنفيذ تلك الأحكام، مؤكدة ضرورة الحفاظ على استقلال القضاء وضمان تنفيذ القرارات بصورة كاملة بما يحقق العدالة للضحايا.

التنفيذ الشامل لاتفاق السلام

وأكدت المفوضية أن التنفيذ الشامل لاتفاق السلام يجب أن يبقى في صدارة أولويات الحكومة الجديدة، باعتباره الأداة الرئيسية للحد من العنف وترسيخ السلام المستدام، مشيرة إلى ضرورة إشراك المجتمعات المحلية بصورة فعلية في جميع مراحل التنفيذ، مع احترام حق الشعوب الأصلية في التشاور، والعمل على حماية الأطفال من التجنيد القسري داخل الجماعات المسلحة.

ورغم الإشادة بعدد من الإصلاحات، أبدت المفوضية قلقاً بالغاً إزاء استمرار استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، موضحة أن البلاد لا تزال تسجل مستويات مرتفعة من أعمال القتل والاعتداء بحقهم، نتيجة النزاعات على الأراضي وسيطرة الجماعات المسلحة غير الحكومية على بعض المناطق، إضافة إلى ارتباط تلك الجرائم بالاقتصادات غير المشروعة.

وأعلنت المفوضية أنها تحققت خلال عام 2025 من وقوع 99 حالة قتل استهدفت مدافعين عن حقوق الإنسان، فيما تلقت خلال النصف الأول من عام 2026 68 بلاغاً جديداً حول جرائم قتل مشابهة، الأمر الذي يعكس استمرار خطورة الأوضاع الأمنية بالنسبة للعاملين في مجال حقوق الإنسان.

وأوضحت أن مكتبها قدم دعماً فنياً للحكومة الكولومبية لإعداد سياسة وطنية جديدة لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، مؤكدة أن اعتماد هذه السياسة وتوفير التمويل اللازم لتنفيذها أصبح أمراً عاجلاً، إلى جانب إصلاح منظومة الحماية الحالية بحيث تعتمد على الحماية الجماعية، وتأخذ في الاعتبار الاعتبارات الجندرية والعرقية والاختلافات الإقليمية.

أكدت المفوضية أن الحكومة الجديدة مطالبة بالبناء على ما تحقق خلال العقدين الماضيين من تعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمفوضية السامية، بما يضمن تطوير نموذج أكثر فاعلية لحماية الناشطين الحقوقيين.

تجربة الانتخابات في كولومبيا

في الجانب السياسي، اعتبرت المفوضية أن الانتخابات الرئاسية التي شهدتها كولومبيا عام 2026 مثلت تجربة إيجابية نسبياً، إذ مرت بصورة سلمية ولم تشهد سوى حوادث عنف محدودة ومعزولة لم تؤثر في النتائج النهائية، رغم حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي سبقت الاقتراع.

وأشارت إلى أن مكتب المفوضية، بالتعاون مع أمين المظالم، نجح في دفع عدد من المرشحين الرئاسيين إلى توقيع تعهدات تضمنت رفض العنف السياسي، والامتناع عن استخدام الخطاب التمييزي، والتصدي للمعلومات المضللة، واحترام قواعد العملية الديمقراطية، وهو ما اعتبرته خطوة مهمة لتعزيز نزاهة الانتخابات.

وفي المقابل، أوضحت المفوضية أن البلاد ما زالت تواجه تحديات كبيرة في حماية السكان من اعتداءات الجماعات المسلحة والمنظمات الإجرامية، مشيرة إلى أن السياسة الوطنية الخاصة بتفكيك تلك التنظيمات، والتي أُعدت بدعم تقني من المفوضية، تمثل فرصة مهمة لمعالجة الجريمة المنظمة وفق مقاربة قائمة على احترام حقوق الإنسان.

ودعت الحكومة إلى الإسراع في تنفيذ هذه السياسة بصورة متزامنة داخل المناطق التي تشهد أعلى معدلات للعنف، مؤكدة أن نجاحها سيكون عاملاً أساسياً في تقليص نفوذ الجماعات المسلحة وتحسين أوضاع حقوق الإنسان.

وجددت المفوضية التزامها بمواصلة التعاون الفني مع الحكومة الكولومبية، مؤكدة أن استمرار وجود مكتبها داخل البلاد يمثل أداة رئيسية لمنع تكرار الانتهاكات، ومعالجة الأسباب الهيكلية للنزاع، ودعم العدالة الانتقالية، وضمان حقوق الضحايا.

وشددت على ضرورة توفير الموارد المالية والبشرية الكافية للمكتب حتى يتمكن من مواصلة تنفيذ ولايته التي كلفه بها مجلس حقوق الإنسان.

التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة

من جانبها، أكدت كولومبيا أن التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان يشكل أحد الركائز الأساسية لمسيرة السلام الوطني، مشيرة إلى أن السفير الراحل كان يؤمن بأن المساعدة التقنية والتعاون الدولي يمثلان أدوات ضرورية لمعالجة المشكلات البنيوية التي عطلت السلام لعقود طويلة.

وأوضح الوفد الكولومبي أن الحكومة لا تزال ملتزمة بتنفيذ توصيات لجنة الحقيقة، والعمل على تحويلها إلى سياسات عملية تسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وشمولاً، وتعزز احترام كرامة الإنسان، وتواجه التمييز وعدم المساواة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وأضاف أن اتفاق السلام النهائي، إلى جانب منظومة الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، لم يقتصر على توثيق معاناة ملايين الضحايا، بل قدم أيضاً خريطة طريق لمعالجة الأسباب الجذرية للعنف وبناء دولة أكثر ديمقراطية.

وأكدت كولومبيا أن أفضل تكريم لإرث السفير الراحل يتمثل في مواصلة العمل من أجل ترسيخ ثقافة السلام، مشيرة إلى أنه كان يحلم بجيل جديد من الكولومبيين يعرف الحرب من كتب التاريخ فقط، لا من واقع حياته اليومية.

واختتم الوفد كلمته باستحضار كلمات الأديب الكولومبي الحائز جائزة نوبل غابرييل غارسيا ماركيز، التي كان السفير الراحل يرددها دائماً أمام مجلس حقوق الإنسان، ومفادها أن المأساة التي عاشتها كولومبيا لا يمكن علاجها بالرصاص أو المال، وإنما بالتعليم من أجل السلام، وببناء مجتمع يكتشف فيه كل إنسان موهبته ويكرس حياته لخدمة الآخرين، معتبراً أن هذه الرؤية تمثل الطريق الحقيقي لبناء سلام دائم يقوم على العدالة واحترام حقوق الإنسان.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print