منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الاتجار بالبشر والعنف ضد النساء يتصدران نقاشات مجلس حقوق الإنسان في جنيف

22 يونيو 2026
دعوات أممية لمكافحة العنف ضد النساء
دعوات أممية لمكافحة العنف ضد النساء

تصدرت قضايا الاتجار بالبشر والعنف ضد النساء والفتيات أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وسط تحذيرات من تفاقم المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما النساء والأطفال، في ظل النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية والفقر والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.

وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، حيث شهد المجلس حوارين تفاعليين منفصلين تناول أولهما مكافحة الاتجار بالبشر، بينما ركز الثاني على العنف ضد المرأة والفتيات وأسبابه ونتائجه، بمشاركة دول ومنظمات دولية وخبراء أمميين ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان.

وخلال الحوار التفاعلي حول الاتجار بالبشر، استعرضت وفود دولية ومؤسسات حقوقية جهودها الوطنية والتحديات التي تواجهها في التصدي لهذه الجريمة العابرة للحدود، والتي تعد من أخطر الانتهاكات المرتبطة بالكرامة الإنسانية.

وأكدت نائبة رئيس اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في بوروندي أن بلادها صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولين الملحقين بها، مشيرة إلى أن هذه الاتفاقيات أصبحت جزءاً من الدستور الوطني وفق المادة 19.

وأوضحت أن مكافحة الاتجار بالبشر أُدمجت في التشريعات الوطنية بما فيها القانون الجنائي، فيما استفاد القضاة منذ عام 2023 من برامج تدريبية متخصصة في هذا المجال، إلى جانب تعيين منسقين مجتمعيين للمساعدة في التعرف على الضحايا وتقديم الدعم اللازم لهم.

وأضافت أن الحكومة اعتمدت خطة عمل وطنية تمتد بين عامي 2023 و2027 لمواجهة الظاهرة، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن الفقر والكوارث الطبيعية ما زالا يشكلان عاملين رئيسيين في زيادة تعرض النساء والفتيات لخطر الاتجار بالبشر، داعية إلى تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات المعنية.

التجربة القطرية

من جانبها، أكدت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر أهمية مواصلة الجهود الدولية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، معتبرة أن هذه الجريمة من أخطر الجرائم التي تستهدف النساء والأطفال والفئات الأكثر عرضة للاستغلال.

وأشارت إلى أن دولة قطر عملت خلال السنوات الماضية على تطوير إطار تشريعي ومؤسسي متوافق مع المعايير الدولية، موضحة أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر الصادر عام 2011 شكل نقطة انطلاق لسلسلة من الإصلاحات اللاحقة التي شملت قوانين الإقامة والعمل، وتعزيز حماية العمال، وتطوير آليات الوقاية والحماية والملاحقة القضائية.

ولفتت إلى الجهود المبذولة لتعزيز التنسيق بين الجهات الوطنية المختصة وتطوير برامج التوعية وبناء القدرات، مؤكدة استمرار اللجنة في أداء دورها الرقابي والتوعوي والتعاوني مع المؤسسات الوطنية والدولية.

الاتجار بالنساء والأطفال

شهدت الجلسة مداخلات ركزت على تأثير النزاعات المسلحة في زيادة مخاطر الاتجار بالبشر، حيث اعتبرت مؤسسة “أبشر آتف تشاريتي إنستيتيوت” أن النزاعات العسكرية تؤدي إلى تفاقم هشاشة النساء والفتيات والأطفال، وتزيد من احتمالات تعرضهم للاستغلال والاتجار.

وأشارت المؤسسة إلى أن الحروب وما تخلّفه من ضحايا ونزوح واضطرابات اجتماعية ونفسية تخلق بيئة خصبة لشبكات الاتجار بالبشر، متسائلة عن دور ولاية المقررة الخاصة في معالجة الآثار الإنسانية الناجمة عن استخدام القوة العسكرية على النساء والفتيات.

وسلطت منظمات حقوقية الضوء على العلاقة بين النزاعات المسلحة والاتجار بالبشر في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأكدت منظمة “ريزون أونسامبل كونتر لا تورتور” ومنظمة “ديفيلوبمنت أسيستانس إنترناشيونال” أن الجماعات المسلحة تستغل الموارد الطبيعية والمعادن لتمويل أنشطتها العسكرية، عبر أنماط متعددة من العمل القسري والاستغلال والاتجار بالبشر.

ودعت المنظمتان مجلس حقوق الإنسان إلى دراسة إمكانية إنشاء قاعدة بيانات لتتبع سلاسل توريد المعادن القادمة من مناطق النزاع، خاصة المناطق الخاضعة لسيطرة حركة 23 مارس، واتخاذ إجراءات عملية لوقف شبكات التوريد المرتبطة بهذه الجماعات والتي تسهم في الاتجار بالأطفال.

 أوضاع النساء في بنغلاديش

وفي مداخلة أخرى، أعرب مشروع “إنكلوسيفيتي بروجكت” عن قلقه إزاء أوضاع النساء والفتيات في بنغلاديش، مشيراً إلى تسجيل نحو 7000 حالة عنف ضد النساء والفتيات خلال عام 2025، بينها 790 حالة اغتصاب، بزيادة بلغت 52 بالمئة مقارنة بالعام السابق.

وأشار إلى استمرار معدلات زواج الأطفال عند مستويات مرتفعة، إضافة إلى محدودية مشاركة النساء في مواقع صنع القرار واستمرار مظاهر الإفلات من العقاب، داعياً الأمم المتحدة إلى الضغط من أجل تنفيذ إصلاحات تعزز حقوق المرأة والالتزام بالتوصيات الدولية ذات الصلة.

وفي ختام الحوار، شددت المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالأشخاص على أهمية توفير مسارات هجرة آمنة ومنظمة للحد من مخاطر الاتجار بالبشر وانعدام الجنسية، مؤكدة وجود أدلة متزايدة على الترابط بين هذه القضايا.

وأوضحت أن العمل المشترك مع الهيئات الإنسانية يركز على تعزيز القدرة على تحديد مخاطر الاتجار بالأطفال في سياقات النزاع والنزوح القسري، ورفع قدرات العاملين في المجال الإنساني للكشف المبكر عن الضحايا وتوفير الحماية اللازمة لهم.

ودعت إلى تعزيز التعاون القضائي الدولي وتبادل المعلومات لمكافحة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، مؤكدة أن التأشيرات الإنسانية ولمّ شمل الأسر والنظر المنظم في طلبات اللجوء تمثل أدوات مهمة للحد من تعرض الأشخاص، وخاصة الأطفال، للاتجار والاستغلال.

العنف ضد النساء والفتيات

وناقش المجلس قضية العنف ضد النساء والفتيات في جلسة حوارية واسعة شهدت طرح رؤى متباينة حول مفهوم الأمومة وسبل حماية النساء من العنف والتمييز.

وأكدت المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات أن الأمومة تمثل ركناً أساسياً في المجتمعات الإنسانية، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي في النقاشات والسياسات الدولية، مشيرة إلى الحاجة لإيلاء مزيد من الاهتمام لحقوق الأمهات والنساء الحوامل.

ورأت أن العديد من السياسات الوطنية الناجحة تستحق مزيداً من الدراسة والتعميم، بما في ذلك الإجازات المدفوعة للأمهات والحماية القانونية للأمومة وتوفير بيئات داعمة للنساء الراغبات في الإنجاب.

وحذرت من بعض الممارسات المرتبطة بالأمومة البديلة، معتبرة أنها قد تفتح الباب أمام أشكال من الاستغلال تمس النساء والأطفال على حد سواء.

وعرضت المقررة الخاصة نتائج زيارتها الرسمية إلى الكويت في سبتمبر 2025، مشيدة بالتعاون الذي أبدته السلطات الكويتية خلال الزيارة.

وأشارت إلى ما وصفته بالجهود الجادة لتعزيز أوضاع المرأة والفتاة، بما في ذلك اعتماد تشريعات لمكافحة العنف وتوفير مراكز إيواء وخدمات دعم للناجيات.

ورغم ذلك، اعتبرت أن العنف ضد النساء والفتيات ما زال يمثل تحدياً قائماً، داعية إلى تعزيز تنفيذ القوانين القائمة وتحسين فرص الوصول إلى العدالة، خاصة بالنسبة للنساء المهاجرات وعديمات الجنسية والمتأثرات بقضايا سحب الجنسية.

وأعربت عن قلقها إزاء حالات سحب الجنسية التي طالت عدداً من النساء وأفراد أسرهن، داعية إلى مراجعة هذه الحالات وضمان خضوعها لإجراءات قضائية فعالة.

وفي ردها، أكدت الكويت أن زيارة المقررة الخاصة جاءت في إطار نهجها القائم على الانفتاح والتعاون مع آليات مجلس حقوق الإنسان.

واستعرض الوفد الكويتي مجموعة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، من بينها إنشاء اللجنة الوطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، وإلغاء مواد قانونية كانت تتيح الإفلات من العقاب في بعض الجرائم المرتبطة بالعنف ضد النساء.

وأشار إلى رفع سن الزواج إلى 18 عاماً، وتمكين المرأة من الالتحاق بالخدمة العسكرية وقوة الإطفاء وتولي وظائف جديدة في السلطة القضائية.

وأكد الوفد الكويتي أن قانون الحماية من العنف الأسري الصادر عام 2022 أسهم في خفض القضايا المسجلة بنسبة 33 بالمئة خلال الأشهر الأولى من تطبيقه، مشدداً على التزام الكويت بمواصلة تطوير منظومتها الوطنية لحقوق الإنسان.

تباين المواقف الدولية

وشهدت الجلسة مداخلات من دول ومجموعات إقليمية عكست تبايناً في الرؤى بشأن مفهوم الأمومة وسبل تعزيز حقوق النساء، ففي حين شددت وزيرة الأسرة والمواليد وتكافؤ الفرص الإيطالية على أهمية دعم الأمومة باعتبارها مصلحة اجتماعية عامة، أكدت النرويج ضرورة ضمان الحقوق الصحية والإنجابية للنساء والفتيات وحمايتهن من جميع أشكال العنف والتمييز.

أما الاتحاد الأوروبي، عبر بيان ألقته إيرلندا باسم 26 دولة، فأكد أن نظام حقوق الإنسان الدولي لا يفرض نموذجاً واحداً للأمومة، مشدداً على ضرورة حماية الحقوق الجنسية والإنجابية والصحية للنساء وتمكينهن من اتخاذ قراراتهن بحرية.

بدورها، حذرت كولومبيا باسم مجموعة من الدول من أن فرض تعريف موحد للأمومة قد يؤدي إلى تعزيز القوالب النمطية التقليدية، مؤكدة ضرورة اعتماد مقاربة قائمة على المساواة وعدم التمييز والاستقلالية الجسدية للمرأة.

وفي المقابل، أكدت المجموعة الإفريقية، عبر كينيا، أن الأمومة والطفولة تستحقان رعاية وحماية خاصتين، مشيرة إلى أهمية تعزيز الرعاية الصحية للأمهات والأطفال وتوفير الدعم الدولي للدول التي تواجه تحديات النزاعات والنزوح والفقر.

وأظهرت المناقشات التي شهدتها الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان أن قضايا الاتجار بالبشر والعنف ضد النساء والفتيات لا يمكن فصلها عن السياقات الأوسع المرتبطة بالنزاعات المسلحة والنزوح القسري والفقر والتمييز وانعدام الحماية القانونية.

وبرز توافق واسع بين المشاركين على ضرورة تعزيز التعاون الدولي وتطوير الأطر التشريعية والمؤسسية وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية والإنسانية، باعتبارها أدوات أساسية للحد من الاتجار بالبشر والعنف ضد النساء والفتيات، وضمان احترام الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للفئات الأكثر عرضة للانتهاكات حول العالم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print