منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

بعد خمس سنوات من الانقلاب.. المدنيون تحت القصف والجوع والنزوح

30 يونيو 2026
العنف يتواصل في ميانمار والملايين يواجهون الجوع
العنف يتواصل في ميانمار والملايين يواجهون الجوع

بعد خمس سنوات على الانقلاب العسكري في ميانمار، لا تزال البلاد عالقة في واحدة من أكثر الأزمات الحقوقية والإنسانية تعقيداً في العالم، فبحسب ما عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان، لم تؤدِ السنوات الماضية إلى تهدئة النزاع أو حماية المدنيين، بل شهدت تدهوراً متواصلاً في أوضاع حقوق الإنسان، وتوسعاً في الهجمات العسكرية، وارتفاعاً في أعداد الضحايا والنازحين والمهددين بالجوع.

قدّم ممثل المفوضة السامية لحقوق الإنسان تقريراً شديد القلق بشأن ميانمار، مؤكداً أن الجيش يواصل تكثيف ضرباته الجوية وهجماته المدفعية ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية، ولا تبدو هذه الهجمات، وفق مضمون التقرير، حوادث معزولة أو هامشية في سياق النزاع، بل جزءاً من نمط متكرر يضع السكان المدنيين في دائرة الخطر المباشر.

الأرقام التي وردت في الإحاطة تعكس حجم الكارثة، فقد أكدت جمعية تمثل أسر الضحايا، في 25 يونيو، أن ما لا يقل عن 8,122 مدنياً قُتلوا منذ الانقلاب، من بينهم 1,790 امرأة وعدد كبير من الأطفال، وهذه الأرقام لا تمثل مجرد حصيلة بشرية، بل تكشف عن فشل خطير في حماية المدنيين وعن استخدام القوة في سياقات لا تراعي مبادئ القانون الدولي الإنساني، خصوصاً مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة.

إلى جانب القتل، تواجه ميانمار أزمة نزوح واسعة، فقد اضطر أكثر من 3.7 مليون شخص إلى مغادرة مناطقهم بسبب العنف، فيما يواجه 12.4 مليون شخص خطر الجوع، وهذه المعادلة، بين القصف والنزوح والجوع، تجعل المدنيين محاصرين بين خطر مباشر على الحياة وانهيار تدريجي في شروط البقاء.

منع وصول المساعدات الإنسانية

ولا تقف الأزمة عند حدود العمليات العسكرية، إذ أشار التقرير إلى أن الجيش يواصل منع وصول المساعدات الإنسانية وتقييدها، بما في ذلك المساعدات المنقذة للحياة للفئات الأكثر احتياجاً، وهذا الجانب بالغ الخطورة، لأن منع أو تقييد المساعدات في سياق نزاع واسع لا يؤدي فقط إلى تعميق المعاناة، بل قد يحوّل الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والدواء والمأوى، إلى أدوات ضغط على السكان.

في هذا المشهد، يصبح المدنيون هم الحلقة الأضعف، فهم لا يملكون القدرة على وقف الغارات، ولا ضمان وصول المساعدات، ولا حماية منازلهم ومدارسهم ومرافقهم الصحية، ومع ذلك، يتحملون الكلفة الأكبر للنزاع، فالنازحون يفقدون الاستقرار، والأطفال يفقدون التعليم والأمان، والنساء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة يواجهون مخاطر مضاعفة في الوصول إلى الخدمات والحماية.

وقد أظهرت الإحاطة أن المجتمع المحلي في ميانمار لم يبقَ متلقياً سلبياً للانتهاكات، بل حاول بناء آليات حماية ذاتية في ظل ضعف الدعم الدولي والقيود المفروضة على العمل الإنساني، فقد أنشأت مجتمعات محلية أنظمة إنذار مبكر باستخدام أجهزة لاسلكية وأبواق للتحذير من الهجمات الوشيكة، وهو ما أسهم في إنقاذ أرواح عديدة، لا سيما بين الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

هذه المبادرات تعكس شجاعة كبيرة، لكنها تكشف أيضاً فراغاً خطيراً في الحماية الدولية، فلا ينبغي أن يجد المدنيون أنفسهم مضطرين إلى ابتكار وسائل بدائية للنجاة من الهجمات الجوية، بينما تتراجع قدرة النظام الدولي على وقف الانتهاكات أو منع تدفق السلاح أو ضمان وصول المساعدات، فالإنذار المبكر قد ينقذ حياة، لكنه لا يعالج السبب الأصلي للخطر.

الطوارئ والرعاية في ميانمار

كما أشار التقرير إلى أن خدمات الطوارئ والرعاية الصحية التي يديرها الفاعلون المحليون أنقذت آلاف الأرواح، من خلال مستشفيات ميدانية وفرق طبية متنقلة، ومع أن هذه الجهود ضرورية، فإنها لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن استجابة إنسانية دولية منسقة وكافية، فالفاعلون المحليون يعملون غالباً تحت الخطر، وبموارد محدودة، وفي بيئة يسيطر عليها الخوف والقيود العسكرية.

ومن بين الجوانب المهمة التي عُرضت أيضاً استمرار الصحفيين المستقلين والمدافعين عن حقوق الإنسان في توثيق الانتهاكات رغم المخاطر، فالتوثيق هنا لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يشكل أساساً لأي مساءلة مستقبلية، في النزاعات الممتدة، قد تضيع الحقيقة وسط الدعاية والخوف وانقطاع الاتصالات، ولذلك تصبح الشهادات والصور والتقارير المحلية جزءاً من معركة أوسع ضد الإفلات من العقاب.

وقد شددت المفوضية على أن جهود التوثيق تمثل أداة حماية وأساساً للمساءلة، وهذا الربط مهم، لأن معرفة العالم بما يحدث في ميانمار ليست مسألة إعلامية فقط، بل خطوة ضرورية لمنع تكرار الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها مستقبلاً، فكل انتهاك لا يوثق قد يتحول إلى جريمة بلا ذاكرة، وكل ضحية لا يُسمع صوتها قد تُترك خارج مسار العدالة.

ومع ذلك، فإن الدعم الدولي لهذه الجهود يتراجع، بحسب الإحاطة، في وقت تتزايد فيه احتياجات المدنيين وتتوسع قدرات الجيش العسكرية، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية والطيران، وهذا التناقض يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتحدث عن حماية المدنيين، بينما تتراجع الموارد المخصصة لمن يحمونهم ويوثقون معاناتهم على الأرض؟

أزمة سياسية وحقوقية

الأزمة في ميانمار ليست إنسانية فقط، بل سياسية وحقوقية أيضاً، فاستمرار الهجمات ضد المدنيين، وعرقلة المساعدات، وغياب المساءلة، كلها عناصر تعكس أزمة حكم وشرعية، ولذلك شددت المفوضية على ضرورة عدم منح أي شرعية دولية للمجلس العسكري، وعلى أهمية وقف نقل الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج إلى الجيش.

هذه الدعوة تمثل جوهر الموقف الحقوقي: لا يمكن حماية المدنيين إذا استمرت الأدوات التي تُستخدم ضدهم في التدفق، ولا يمكن دعم الديمقراطية إذا جرى التعامل مع المجلس العسكري كسلطة طبيعية رغم الانتهاكات الواسعة، ولا يمكن الحديث عن استجابة إنسانية فعالة إذا بقيت المساعدات مقيدة وخاضعة لحسابات عسكرية.

في النهاية، تكشف ميانمار بعد خمس سنوات من الانقلاب عن مأساة متعددة الأبعاد: مدنيون يُقتلون، ملايين ينزحون، ملايين آخرون يواجهون الجوع، مساعدات تُمنع، وصحفيون ومدافعون يوثقون الانتهاكات تحت الخطر، ومع ذلك، لا يزال الشعب الميانماري، كما أكدت الإحاطة، يظهر شجاعة وقدرة كبيرة على الصمود.

لكن الصمود وحده لا يكفي، فالشعوب لا ينبغي أن تُترك وحدها أمام القصف والجوع والنزوح، المطلوب اليوم دعم دولي أكثر جدية للحماية المحلية، وتمويل مستدام للمبادرات الإنسانية، ووقف نقل السلاح، ودعم مسار ديمقراطي حقيقي، وضمان ألّا تتحول مأساة ميانمار إلى أزمة منسية، فحماية المدنيين ليست شعاراً أممياً، بل اختبار فعلي لإرادة المجتمع الدولي في الدفاع عن الحياة والكرامة والعدالة.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print