ريتش لوري*
على مدار العقدين الماضيين، شهدنا توسعاً مستمراً في استخدام مصطلح «تفوق العرق الأبيض»، حتى بات يُطلق على أمور لا تمت إليه بصلة تُذكر.
وأحدث الأمثلة على ذلك، الاتهامات التي وُجهت إلى المحكمة العليا الأمريكية بأنها انضمت إلى الرئيس دونالد ترامب في «دفع أجندة استبدادية قائمة على تفوق العرق الأبيض»، بحسب تعبير النائبة الديمقراطية عن ولاية إلينوي ديليا راميريز، بعدما قضت بأن من حق الرئيس إنهاء العمل ببرنامج «الحماية المؤقتة» للمهاجرين (TPS).
بل إن مجلة The Nation اليسارية ذهبت إلى حد نشر عنوان يقول: «المحكمة العليا تؤيد عنصرية ترامب مرة أخرى».
في رأيي، قرار المحكمة صحيح من الناحية القانونية؛ فالقانون ينص بوضوح على أن قرارات السلطة التنفيذية المتعلقة بمنح أو إلغاء صفة «الحماية المؤقتة» لا تخضع لمراجعة القضاء.
وبذلك، تنتهي القضية قانونياً.
أما الاعتراضات على الحكم، فهي في جوهرها اعتراضات سياسية، لا قانونية.
فمنتقدو ترامب وأنصار سياسات الحدود المفتوحة لا يعجبهم أن القرار يمنح الرئيس صلاحية إنهاء برنامج الحماية المؤقتة، الذي يوفر إعفاءً مؤقتاً من الترحيل لمهاجرين من هايتي وسوريا والسلفادور ودول أخرى.
لكن ذلك لا يصلح بوصفه حجة ضد المحكمة العليا التي تتمثل مهمتها في تفسير القانون وتطبيقه، لا إصدار أحكام تستند إلى التفضيلات السياسية.
والأهم أن قرار المحكمة لا يُلزم ترامب بإنهاء أي من تصنيفات الحماية المؤقتة، وإنما يقر فقط بأنه يملك الصلاحية القانونية للقيام بذلك إذا قرر.
وهذه أيضاً نقطة تجعل الحكم منطقياً؛ فإذا كانت السلطة التنفيذية تملك صلاحية تمديد الحماية المؤقتة وفق تقديرها، فمن الطبيعي أن تمتلك كذلك صلاحية إنهائها وفق التقدير نفسه.
هذا يبدو أقرب إلى البديهيات.
لكن الواقع أن برنامج الحماية المؤقتة تحول منذ سنوات إلى طريق باتجاه واحد؛ فهو يُمدد باستمرار، لكنه لا يُلغى أبداً.
وهكذا أصبح وصف «المؤقت» فاقداً لأي معنى.
خذ الصومال مثالاً..
فقد مُنحت الصفة لأول مرة عام 1991، أي قبل خمسة وثلاثين عاماً، وما تزال سارية حتى اليوم.
ويعني ذلك أن نحو 130 مليون أمريكي، أي ما يقارب 40% من سكان الولايات المتحدة، وُلدوا وعاشوا حياتهم كلها في حين ظل هذا «الوضع المؤقت» قائماً.
وخلال تلك الفترة، جرى تمديده عشرات المرات.
بل إنه استمر عبر سبع إدارات رئاسية مختلفة، إذا احتسبنا ولاية ترامب الثانية، وبات قائماً طول ما يقارب سُبع عمر الجمهورية الأمريكية.
صحيح أن الصومال لا يزال يعاني ضعفاً في الإدارة والأمن، لكن الحرب الأهلية التي كانت السبب الأصلي لمنح الحماية المؤقتة لم تعد بالحدة التي كانت عليها عند صدور القرار الأول.
والأمر نفسه ينطبق على نيكاراغوا وهندوراس والسلفادور التي تتمتع جميعها بالحماية المؤقتة منذ نحو ربع قرن.
فالسلفادور حصلت على هذا التصنيف عام 2001 عقب زلزالين مدمرين.
لكن بعد أكثر من عشرين عاماً، أصبحت إدارة الرئيس جو بايدن تبحث عن مبررات جديدة للتمديد لا علاقة لها أصلاً بتلك الكارثة الطبيعية.
ومن بين هذه المبررات «العواصف الشديدة والأمطار الغزيرة خلال عامي 2023 و2024»، إلى جانب «فترات الجفاف الطويلة والخطِرة».
بمعنى آخر، أصبح هطول الأمطار سبباً للتمديد، كما أصبح غيابها سبباً آخر للتمديد أيضاً.
وهكذا لا ينتهي البرنامج أبداً.
بل إن إدارة بايدن أقرت بنفسها بأن أعمال إصلاح الأضرار الناجمة عن زلزال 2001 أحرزت تقدماً كبيراً، لكنها اعتبرت أن «الكوارث البيئية اللاحقة، وضعف البنية التحتية، واستمرار المخاطر المناخية، وهشاشة الاقتصاد الكلي، وانعدام الأمن الغذائي» كلها أسباب تحول دون عودة السلفادوريين إلى بلادهم.
وبذلك لم تعد المشكلة مرتبطة بحدث استثنائي محدد، بل أصبحت مرتبطة بالأوضاع العامة للدولة.
مع أن الفلسفة الأساسية لبرنامج الحماية المؤقتة تقوم على منح الدول التي تمر بأزمات استثنائية مهلة مؤقتة قبل أن تتمكن من استقبال مواطنيها العائدين.
لكن، كما يشير جورج فيشمان من مركز دراسات الهجرة، استقبلت السلفادور أكثر من ثلاثة ملايين سائح خلال عام 2024.
فإذا كانت الدولة قادرة على استقبال ملايين الزوار الأجانب، فكيف يُقال إنها عاجزة عن استقبال مواطنيها؟
الحقيقة الواضحة هي أن برنامج الحماية المؤقتة تحول إلى ثغرة ضخمة في قانون الهجرة الأمريكي.
ولم يكن قصد الكونغرس، بأي حال من الأحوال، إنشاء عفو فعلي دائم يمكن تجديده إلى ما لا نهاية.
فالقانون ينص على أن وزير الأمن الداخلي «يجوز له» تمديد الحماية المؤقتة استجابةً لظرف استثنائي محدد، لكنه «يجب عليه» إنهاء هذا التصنيف بمجرد زوال الأسباب التي استدعت منحه.
وهذا يعني أن التمديد مسألة تقديرية، أما الإلغاء فهو واجب قانوني.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان العكس تماماً.
لقد قامت المحكمة العليا بما ينبغي عليها القيام به حين فسرت القانون تفسيراً صحيحاً.
والآن، حان دور الكونغرس ليؤدي مسؤوليته، ويضع حداً نهائياً لهذا البرنامج الذي أُسيء استخدامه على نطاق واسع، حتى فقد طبيعته المؤقتة وتحول إلى وضع دائم لم يكن المشرعون يقصدونه أصلاً.
*نقلاً عن نيويورك بوست
