منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تقرير أممي يدق ناقوس الخطر.. 58 دولة وإقليماً ما زالت ملوثة بالألغام الأرضية

17 يونيو 2026
تكنولوجيا الروبوتات لاكتشاف وإزالة الألغام
تكنولوجيا الروبوتات لاكتشاف وإزالة الألغام

لا تزال الألغام الأرضية ومخلفات الحروب المتفجرة تمثل أحد أخطر التهديدات التي تواجه المدنيين في مناطق النزاعات وما بعدها، إذ تواصل حصد الأرواح وإصابة الآلاف سنوياً، حتى بعد مرور عقود على انتهاء بعض الحروب. وفي وقت تتزايد فيه الجهود الدولية للحد من هذه الأسلحة، حذر مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من استمرار انتشار الألغام في عشرات الدول والأقاليم، وما يترتب على ذلك من آثار إنسانية واقتصادية واجتماعية طويلة الأمد تطول المجتمعات المحلية والأجيال القادمة.

ووفقاً لتقرير نشره مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن الألغام المضادة للأفراد لا تزال تلوث ما لا يقل عن 58 دولة وإقليماً حول العالم خلال عام 2025، وسط استمرار سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، خصوصاً في بورما وسوريا وأفغانستان وأوكرانيا.

واستند التقرير إلى بيانات ومعلومات قدمتها حكومات ومنظمات إنسانية ومنظمات غير حكومية ومؤسسات مجتمع مدني متخصصة في رصد آثار الألغام ومخلفات الحروب.

ضحايا مستمرون

وأظهرت أحدث البيانات الواردة في التقرير أن الألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة تسببت خلال عام 2024 في مقتل ما لا يقل عن 1945 شخصاً وإصابة 4325 آخرين.

كما أشار التقرير إلى أن ملايين الألغام المضادة للأفراد لا تزال مخزنة لدى عدد من الدول، رغم الجهود الدولية الرامية إلى التخلص منها بشكل نهائي.

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن استمرار سقوط الضحايا بعد نحو ثلاثة عقود من اعتماد معاهدة حظر الألغام المضادة للأفراد يمثل مصدر قلق بالغاً، مؤكداً أن هذه الأسلحة تواصل قتل المدنيين وإصابتهم حتى بعد سنوات طويلة من زرعها.

مدنيون في دائرة الخطر

ولفت التقرير إلى أن المدنيين يشكلون النسبة الكبرى من ضحايا الألغام ومخلفات الحرب. فبحسب البيانات التي توفرت بشأن هوية الضحايا خلال عام 2024، بلغت نسبة المدنيين نحو 90 بالمئة من إجمالي الأشخاص الذين قتلوا أو أصيبوا نتيجة الألغام ومخلفات الحروب المتفجرة.

كما أشار مكتب المفوض السامي إلى أن الأطفال يمثلون أكثر من 40 بالمئة من مجمل الضحايا المدنيين المسجلين منذ عام 1999، ما يعكس حجم المخاطر التي تفرضها هذه الأسلحة على الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمعات المتضررة.

الدول الأكثر تضرراً

وسجلت بورما أعلى عدد من الضحايا المرتبطين بالألغام ومخلفات الحرب خلال عام 2024، مع 2029 ضحية بين قتيل وجريح. وجاءت سوريا في المرتبة الثانية بعدد بلغ 1015 ضحية، تلتها أفغانستان بـ624 ضحية.

كما سجلت أوكرانيا ونيجيريا ومالي واليمن وبوركينا فاسو أكثر من 200 ضحية في كل دولة خلال الفترة نفسها، ما يعكس استمرار المخاطر المرتبطة بالنزاعات المسلحة الحالية والممتدة في عدد من مناطق العالم.

وفي بيان منفصل أكدت الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية أن الألغام ومخلفات الحروب المتفجرة، ومنها الذخائر العنقودية، تسببت في مقتل أو إصابة أكثر من خمسة آلاف شخص خلال عام 2025، مشيرة إلى أن الغالبية الساحقة من الضحايا كانوا من المدنيين.

أزمة تتجاوز الخسائر البشرية

وأكد تقرير الأمم المتحدة أن آثار الألغام لا تقتصر على القتل والإصابة والتشويه الجسدي، بل تمتد إلى جوانب إنسانية وتنموية واسعة. فالأراضي الملوثة بالألغام تتحول إلى مناطق غير آمنة، ما يحد من حرية الحركة ويقيد استخدام الأراضي الزراعية ويؤخر عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

كما تؤدي هذه الألغام إلى إبطاء جهود إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وتفرض أعباءً إضافية على الأنظمة الصحية والاجتماعية في الدول المتضررة، فضلاً عن تأثيرها النفسي العميق في المجتمعات التي تعيش تحت تهديد دائم.

دعوات لتعزيز الالتزام الدولي

وجدد المفوض السامي لحقوق الإنسان دعوته إلى جميع الدول لتعزيز التزامها بالقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحظر الألغام المضادة للأفراد. وشدد على ضرورة وقف إنتاج هذه الأسلحة ونقلها واستخدامها، إلى جانب تكثيف الجهود الدولية الرامية إلى إزالة الألغام من المناطق الملوثة وتقديم الدعم للضحايا والناجين.

ورغم انضمام 162 دولة إلى اتفاقية أوتاوا الخاصة بحظر الألغام المضادة للأفراد، أشار التقرير إلى أن عددا من الدول لا يزال يحتفظ بمخزونات كبيرة من هذه الأسلحة ولم ينضم بعد إلى الاتفاقية. كما شهدت الفترة الأخيرة انسحاب أو تعليق التزام بعض الدول بالمعاهدة، منها إستونيا وفنلندا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، في حين علقت أوكرانيا تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاقية.

في المقابل، أشاد فولكر تورك بقرار لبنان الانضمام إلى اتفاقية أوتاوا، معتبراً الخطوة مؤشراً إيجابياً على استمرار الدعم الدولي للجهود الرامية إلى القضاء على الألغام المضادة للأفراد.

تراجع التمويل يهدد الجهود

وحذر التقرير من أن جهود إزالة الألغام ومساعدة الضحايا تواجه تحديات متزايدة بسبب تراجع التمويل الدولي. وأشار إلى انخفاض الإسهامات المقدمة إلى صندوق الأمم المتحدة الاستئماني الطوعي للمساعدة في مكافحة الألغام بصورة حادة خلال السنوات السبع الماضية، إذ تراجعت من 125 مليون دولار إلى 46 مليون دولار بحلول عام 2025.

ويرى مكتب المفوض السامي أن هذا التراجع في التمويل قد ينعكس سلباً على عمليات إزالة الألغام وبرامج التوعية والمساعدة المقدمة للناجين، في وقت ما تزال فيه ملايين الألغام تشكل خطراً يومياً على حياة المدنيين في مناطق واسعة من العالم.

وفي وقت سابق، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات الإنسانية الخطيرة للألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحروب، مؤكداً أنها لا تزال تحصد أرواح المدنيين على نطاق واسع، خاصة بين الأطفال، في ظل تزايد النزاعات وارتفاع الإنفاق العسكري عالمياً.

وأوضح أن هذه الأخطار لا تنتهي بانتهاء العمليات القتالية، بل تستمر بوصفها تهديداً صامتاً يلاحق المجتمعات لسنوات طويلة.

وأوضح الأمين العام للأمم المتحدة أن هذه الأسلحة تبقى مدفونة في الأراضي الزراعية وبين أنقاض المدن في عدة دول، منها إثيوبيا وكولومبيا ولبنان وميانمار، إضافة إلى قطاع غزة ومناطق واسعة من سوريا، ما يؤدي إلى مقتل آلاف الأشخاص سنويا وإصابة أعداد كبرى، غالباً بعد فترات طويلة من انتهاء النزاع.

أكد غوتيريش أن عمليات إزالة الألغام تمثل ركيزة أساسية في جهود التعافي وإعادة الإعمار، خاصة في المناطق التي لا يزال السلام فيها هشاً، وأوضح أن هذه العمليات تتيح للمنظمات الإنسانية العمل بأمان أكبر، كما تمكن المجتمعات المحلية من استعادة أراضيها وإعادة بناء سبل العيش، ما يدعم الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.

يذكر أن المجتمع الدولي اعتمد اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد عام 1997 بهدف إنهاء استخدام هذه الأسلحة وتدمير مخزوناتها وتطهير المناطق الملوثة بها. وتعد الاتفاقية واحدة من أبرز معاهدات نزع السلاح الإنساني، إذ أسهمت في خفض استخدام الألغام عالمياً وتعزيز برامج إزالة الألغام ورعاية الضحايا.

ومع ذلك، ما تزال تحديات كبيرة قائمة نتيجة استمرار النزاعات المسلحة الجديدة، ووجود مخزونات ضخمة من الألغام لدى بعض الدول، فضلاً عن انتشار مخلفات الحروب والذخائر غير المنفجرة التي تواصل تهديد حياة المدنيين لعقود طويلة بعد انتهاء المعارك.