بدأت إسبانيا خطوة لافتة في ملف الهجرة، مخالفة بذلك الاتجاه السائد في أوروبا، حيث فتحت باب تسوية الأوضاع القانونية للمهاجرين غير النظاميين، ما أدى إلى تدفق عشرات الآلاف إلى مراكز التسجيل منذ اليوم الأول، في مشهد يعكس حجم الطلب الكبير على تقنين الإقامة.
انطلقت عملية تقديم الطلبات يوم الاثنين الماضي، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتدبرس، حيث سمحت السلطات للمهاجرين بالتقدم حضورياً أو إلكترونياً، للاستفادة من برنامج حكومي جديد قد يشمل مئات الآلاف من الأجانب المقيمين في البلاد دون تصاريح رسمية.
تشير بيانات حكومية إلى أن نحو 42790 شخصًا تقدموا بالفعل بطلبات إلكترونية منذ فتح باب التسجيل، في حين شهدت مكاتب البريد ومراكز الخدمات ازدحاماً ملحوظاً مع بدء استقبال الطلبات الحضورية.
شروط وإجراءات التسوية
أُعلن عن البرنامج في يناير، وتم الانتهاء من تفاصيله أخيراً، ويتيح للمهاجرين الحصول على تصريح إقامة لمدة عام قابل للتجديد، بشرط الإقامة داخل إسبانيا لمدة لا تقل عن خمسة أشهر، إلى جانب سجل جنائي نظيف، وحددت الحكومة نهاية يونيو موعداً نهائياً لتقديم الطلبات.
تحديات زمنية وانتقادات
رغم الإقبال الكبير، أثيرت تساؤلات بشأن قدرة الجهات المعنية على معالجة هذا الكم من الطلبات خلال فترة قصيرة، خاصة مع تقديرات حكومية تشير إلى إمكانية استفادة نحو 500 ألف مهاجر، في حين يرفع مركز أبحاث إسباني العدد إلى قرابة 840 ألف شخص.
وقد وفرت الحكومة أكثر من 370 مكتب بريد لاستقبال الطلبات، إضافة إلى 60 مكتبا للضمان الاجتماعي وعدد محدود من مكاتب الهجرة، إلى جانب خيار التقديم الإلكتروني. ورغم سلاسة الإجراءات بحسب بعض المتقدمين، اشتكى آخرون من طول فترات الانتظار.
واعتبر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز البرنامج خطوة ضرورية لتحقيق العدالة، مؤكداً أن من يعيشون ويعملون في البلاد يجب أن يتمتعوا بظروف متساوية وأن يسهموا في الاقتصاد بشكل رسمي، وتؤكد الحكومة أن شيخوخة السكان تفرض الحاجة إلى مزيد من العمال لدعم النمو ونظام الضمان الاجتماعي.
ووصفت مهاجرات من فنزويلا الإجراءات بأنها بسيطة نسبيًا، رغم البطء، معبرات عن تطلعهن إلى الاستقرار والعمل بشكل قانوني والمساهمة في المجتمع، وأكدت إحدى المتقدمات أن الهدف هو العيش بكرامة ودفع الضرائب مقابل الحصول على الحقوق.
موقف مختلف داخل أوروبا
يبرز هذا التوجه الإسباني في وقت تتجه فيه دول أوروبية أخرى إلى تشديد سياسات الهجرة وتسريع الترحيل، في المقابل، تدافع مدريد عن خطوتها باعتبارها خياراً اقتصادياً يحظى بدعم من أرباب العمل والنقابات.
شهدت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في عدد السكان المولودين خارج البلاد، ليصل عددهم إلى نحو عشرة ملايين شخص، أي ما يقارب خُمس السكان، وينحدر كثير من هؤلاء من دول أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا، خاصة كولومبيا وفنزويلا والمغرب، حيث دفعتهم الظروف الاقتصادية أو السياسية إلى الهجرة، وتعتمد قطاعات حيوية مثل الزراعة والسياحة والخدمات بشكل كبير على العمالة المهاجرة، كما أن هذه الخطوة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لإسبانيا تنفيذ برامج مشابهة لتسوية أوضاع المهاجرين ست مرات بين عامي 1986 و2005، في ظل حكومات مختلفة، ما يعكس نهجاً متكرراً في التعامل مع هذا الملف.
