منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضحايا القمع الفرنكوي.. آلاف العائلات الإسبانية تبحث عن الحقيقة والعدالة

15 أبريل 2026
آلاف العائلات الإسبانية تبحث عن رفات ضحايا القمع والحرب الأهلية
آلاف العائلات الإسبانية تبحث عن رفات ضحايا القمع والحرب الأهلية

في إسبانيا، لا يزال إرث الجنرال فرانسيسكو فرانكو الذي حكم البلاد بقبضة حديدية خلال الفترة من 1939 حتى 1975، حاضرًا في النقاش العام، لا فقط في كتب التاريخ، بل في أسماء الشوارع، والتماثيل، والنُّصُب، والمقابر الجماعية، وملفات المفقودين، الأمر يثير التساؤلات حول كيفية تعامل ديمقراطية حديثة مع ماضٍ استبدادي طويل من دون إنكار للضحايا ولا تحويل الذاكرة إلى أداة صراع سياسي؟

هذا السؤال عاد بقوة مع قانون الذاكرة الديمقراطية لعام 2022، الذي نقل التعامل مع إرث الحرب الأهلية والديكتاتورية من منطق التذكر الرمزي المحدود إلى منطق حقوقي أوضح يقوم على الحقيقة والعدالة والجبر والبحث عن المفقودين وإزالة الرموز التي تمجّد الانقلاب العسكري والديكتاتورية.

وبموجب القانون، باتت الدولة الإسبانية مسؤولة عن قيادة خطط البحث عن الضحايا واستخراج الرفات، وعن إعداد كتالوج للرموز والعناصر المخالفة للذاكرة الديمقراطية تمهيدًا لإزالتها أو إعادة تأطيرها.

سنوات القمع الفرنكوي

ويستند هذا التحول إلى حقيقة ثقيلة ما زالت مفتوحة؛ آلاف العائلات في إسبانيا لا تزال تبحث عن مصير أقارب فُقدوا خلال الحرب الأهلية أو في سنوات القمع الفرنكوي، فالحكومة الإسبانية نفسها عرضت أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في يوليو 2025 أن قانون 2022 كرّس حق الضحايا وأسرهم والمجتمع في الحقيقة والعدالة، وأنشأ خريطة وطنية للمقابر وخطة دولة للاستخراجات، مع العمل على قاعدة بيانات للحمض النووي ووحدة متخصصة في النيابة العامة للمساعدة في تحديد أماكن المختفين وهوياتهم.

كما أعلنت الحكومة في سبتمبر 2025 أن 8,941 عملية استخراج رفات نُفذت منذ 2019، وهو رقم قالت إنه يوازي قرابة نصف الرفات المحتمل استعادتها من المقابر الجماعية، بينما أُطلقت في 2025 أول خريطة سمعية بصرية رسمية تسمح بتحديد نحو 6,000 مقبرة مرتبطة بالحرب والديكتاتورية.

وتكشف هذه الأرقام أن القضية ليست رمزية فقط، بل إنسانية مستمرة تمس الحق في معرفة مصير الأقارب والدفن الكريم وإنهاء الانتظار الطويل للعائلات، ومن هنا تأتي حساسية الجدل حول النُّصُب والرموز الفرنكوية، فبالنسبة إلى الضحايا وذويهم وكثير من المنظمات الحقوقية، لا يتعلق الأمر بمحو التاريخ، بل بإنهاء تمجيد رسمي أو شبه رسمي لنظام ارتبط بالقمع والانتهاكات الجسيمة.

وتعتبر المادة 35 من قانون الذاكرة الديمقراطية منافية للذاكرة الديمقراطية كل المباني والتماثيل واللوحات والشعارات التي تتضمن تمجيدًا للانقلاب العسكري أو الديكتاتورية أو قادتها أو جهازها القمعي أو المتعاونين معها.

وفي نوفمبر 2025، استكملت الحكومة الإطار التنظيمي لهذا المسار عبر مرسوم أنشأ آلية إعداد الكتالوج الوطني للرموز والعناصر المخالفة للذاكرة الديمقراطية، وفتح الباب أمام البلديات والمجتمعات المحلية والضحايا والباحثين وحتى الأفراد للإبلاغ عن تلك الرموز والمطالبة بإدراجها رسميًا لإزالتها أو إعادة توصيفها.

حق استعادة الرفات

أحد أكثر المواقع دلالة في هذا الجدل هو وادي كويلغاموروس، المعروف سابقًا باسم وادي الساقطين، فالقانون لم يكتفِ بتغيير الاسم، بل أكد إعادة “تأويله” أو “إعادة دلالته” كمكان للذاكرة الديمقراطية ذي غاية تربوية، مع الإقرار بحق الأسر في استعادة رفات أقاربها منه.

وكانت إسبانيا قد أخرجت رفات فرانكو من الضريح عام 2019، ثم واصلت العمل في المكان ضمن مقاربة جديدة، ووفق الحكومة، عُثر حتى نوفمبر 2025 على 36 صندوقًا تضم 458 رفاتًا، وتم التعرف عبر الحمض النووي إلى 21 ضحية داخل الوادي في إطار طلبات تقدمت بها عائلاتهم.

كما تذكر الحكومة في تقرير المساءلة لعام 2025 أن الوادي خضع فعلًا لعملية “إعادة دلالة”، وأن لجنة للحقيقة أُنشئت أيضًا لإلقاء الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب والديكتاتورية.

غياب الإجماع الشعبي

لكن هذا المسار ليس محل إجماع داخل إسبانيا، فهناك من يرى، سياسيًا وثقافيًا، أن إزالة أسماء أو نصب مرتبطة بفرانكو أو إعادة تعريف مواقع الذاكرة قد تتحول إلى قراءة رسمية أحادية للتاريخ، أو إلى ما يصفه بعض المحافظين بـ”إعادة فتح الجراح” أو “تسييس الذاكرة”.

هذا الاعتراض لم يبقِ في مستوى الخطاب فقط، بل تُرجم إلى تشريعات محلية عُرفت باسم “قوانين الوفاق” في بعض الأقاليم، هدفت إلى إلغاء أو إضعاف قوانين الذاكرة الديمقراطية الإقليمية السابقة.

والحكومة المركزية ردّت في 2024 بالطعن أمام المحكمة الدستورية في قانون أراغون الذي ألغى قانون الذاكرة الديمقراطية في الإقليم، معتبرة أن هذه القوانين قد تنتهك الدستور والمعايير الدولية المتعلقة بوضع الضحايا.

كما شدد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في مايو 2024 على أن الدفاع عن الذاكرة التعددية وكرامة ضحايا الفرنكوية “التزام نابع من التعهدات الدولية التي أخذتها الديمقراطية الإسبانية على نفسها”.

حماية حقوق الضحايا

ومن منظور حقوق الإنسان، تميل الكفة بوضوح لمصلحة حماية حقوق الضحايا ورفض إنكار الانتهاكات أو تمييعها. ففي تفاعلها مع إسبانيا، أثارت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في يوليو 2025 مسألة الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية وديكتاتورية فرانكو، وسألت صراحة عمّا إذا كان قانون 2022 قد تجاوز أو ألغى قانون العفو لعام 1977، وكم من المسؤولين الكبار حوكموا أو أُدينوا على الجرائم المرتكبة في تلك الحقبة.

ورغم إشادة الخبراء ببعض التقدم التشريعي، شددوا في الحوار نفسه على أن حقوق أسر الضحايا في الحقيقة والعدالة والجبر لم تُضمن بالكامل بعد، وهذا جوهر الإشكال في إسبانيا: تقدم مؤسسي واضح في الذاكرة، لكن المساءلة الجنائية الكاملة عن جرائم الحقبة لا تزال محدودة للغاية أو شبه غائبة عمليًا.

وتعكس وثائق الأمم المتحدة هذا التوجه بوضوح أكبر، ففي رسائل وإحالات أممية تتناول الذاكرة التاريخية، شدد خبراء أمميون على أن احترام كرامة الضحايا والتشاور الفعال معهم شرط أساسي في أي سياسة ذاكرة، وأن التدابير الرسمية يجب أن تهدف إلى حفظ الذاكرة الجماعية من النسيان ومنع بروز الأطروحات المراجِعة أو الإنكارية.

كما تربط الأمم المتحدة بين التذكير العام والحق في الجبر، استنادًا إلى المبادئ الأساسية والتوجيهات بشأن الحق في الانتصاف والجبر، التي تعتبر عمليات التذكير والتخليد جزءًا من “الإرضاء” المستحق لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وهذا يعني أن إزالة الرموز الممجِّدة للديكتاتورية أو إعادة تأطيرها ليست، حقوقيًا، مجرد اختيار ثقافي، بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من واجب الدولة في الجبر الرمزي وعدم الإهانة المتجددة للضحايا.

انتهاكات نظام فرانكو

وعلى المستوى الأوروبي، يتقاطع هذا النهج مع مواقف مجلس أوروبا، الذي دان منذ 2006 الانتهاكات الواسعة لنظام فرانكو، ثم عاد في وثائق أحدث ليؤكد أن المقابر الجماعية للحرب والديكتاتورية تظل من أكثر عناصر الذاكرة ظهورًا في إسبانيا، وأن أكثر من 600 إجراء نُفذ ضمن الخطة الرباعية الأولى للاستخراجات بين 2020 و2024.

كما يؤكد المجلس أن الذاكرة الديمقراطية لا تتعلق فقط بالماضي، بل أيضًا بالتعليم على حقوق الإنسان والديمقراطية ومنع الإنكار وفقدان الذاكرة الجماعية.

غير أن المسار الإسباني يظل معقدًا لأن العدالة الانتقالية فيه جاءت متأخرة ومجزأة. ففي تقريرها الدوري إلى لجنة حقوق الإنسان، عرضت إسبانيا أنها دفعت، حتى 2021، ما يقرب من 22 مليار يورو في شكل تعويضات مالية لنحو 608 آلاف ضحية معترف بهم ضمن أطر قانونية متعاقبة منذ 1977.

كما ذكرت أنها أنشأت بنكًا للملفات الجينية وخدمات خاصة بضحايا اختفاء الأطفال خلال الحقبة، لكن في المقابل، لا تزال الانتقادات مستمرة لأن قانون 1977 للعفو لم يُلغَ، ولأن قضايا الجرائم المرتكبة أثناء الحرب والديكتاتورية كثيرًا ما تتعطل بفعل التقادم أو العوائق القضائية، وهو ما يجعل حق العدالة أضعف تحققًا من حق الذاكرة والاعتراف الرمزي.

جدل تمجيد الديكتاتور

ومن الناحية الإنسانية، لا يمكن اختزال هذا الجدل في سؤال “هل يُزال التمثال أم لا؟”.. خلف كل اسم شارع أو ضريح أو صليب أو لوحة تذكارية، توجد في إسبانيا عائلات لا تزال تبحث عن رفات، وأحفاد يحاولون استعادة أسماء أجدادهم، وناجون يرون أن بقاء تمجيد الديكتاتور أو رموزه في الفضاء العام إهانة مستمرة لذكراهم.

ولهذا تكرر الحكومة الإسبانية أن سياسات الذاكرة تهدف إلى الكرامة والحقيقة وجبر الضرر، لا إلى الانتقام أو محو التاريخ، ففي تقرير المساءلة لعام 2025، عدّت الحكومة إنشاء الكتالوج الوطني للرموز، والخريطة السمعية البصرية للمقابر، وخطتي الاستخراجات، وإعادة دلالة كويلغاموروس، ولجنة الحقيقة، من أبرز ما أنجزته في تنفيذ القانون.

وعليه، فإن الانقسام في إسبانيا بشأن إرث فرانكو ليس مجرد خلاف على الماضي، بل صراعاً على معنى الديمقراطية نفسها.. هل يكفي أن تتعايش الدولة مع آثار الديكتاتورية باعتبارها جزءًا من التراث، أم أن عليها قانونًا وأخلاقًا أن تعترف بأن الحياد بين الضحية والجلاد ليس مصالحة، وأن حماية التعددية لا تعني مساواة الذاكرة الديمقراطية بتمجيد الاستبداد؟