منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

تقرير أممي: الحق في الاستنكاف الضميري من الخدمة العسكرية يواجه قيوداً وعقوبات

11 يونيو 2026
حق الاستنكاف الضميري ومن الخدمة العسكرية يثير الجدل في بعض الدول
حق الاستنكاف الضميري ومن الخدمة العسكرية يثير الجدل في بعض الدول

أكد تقرير أممي جديد أن الحق في الاستنكاف الضميري من الخدمة العسكرية يشكل جزءًا أصيلًا من حرية الفكر والوجدان والدين، وأن احترام هذا الحق يمثل أحد المؤشرات الأساسية على التزام الدول بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ورغم التقدم الذي أحرزته بعض الدول خلال السنوات الأخيرة في الاعتراف بهذا الحق وتطوير أنظمة للخدمة البديلة، فإن التقرير يرصد استمرار تحديات قانونية ومؤسسية واسعة النطاق تؤثر على آلاف الأشخاص الذين يرفضون أداء الخدمة العسكرية لأسباب دينية أو أخلاقية أو فلسفية أو إنسانية.

وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن الحق في الاستنكاف الضميري من الخدمة العسكرية شهد تطورات إيجابية على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية خلال السنوات الأخيرة.

إلا أن العديد من الدول ما زالت تفرض قيودًا تتعارض مع التزاماتها الدولية، سواء من خلال عدم الاعتراف بهذا الحق أصلًا أو من خلال فرض خدمات بديلة ذات طبيعة عقابية أو التمييز ضد المستنكفين ضميريًا ومعاقبتهم بصورة متكررة.

حق الاستنكاف الضميري

يستعرض التقرير التطورات التي شهدها هذا الحق خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن القانون الدولي لحقوق الإنسان بات يعتبر الاستنكاف الضميري امتدادًا مباشرًا للحق في حرية الفكر والضمير والدين المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويؤكد أن إجبار أي شخص على أداء خدمة عسكرية تتعارض مع معتقداته الراسخة يمثل انتهاكًا لهذا الحق الأساسي.

ويشير التقرير إلى أن عدداً متزايداً من الدول بدأ يوسع نطاق الاعتراف بحق الاستنكاف الضميري ليشمل فئات لم تكن مشمولة سابقًا، مثل جنود الاحتياط والعسكريين المتطوعين، بما يتماشى مع التفسيرات الحديثة للمعايير الدولية.

وشهدت بعض الدول إصلاحات قانونية وإدارية هدفت إلى تعزيز الشفافية في إجراءات تقديم طلبات الاستنكاف الضميري وإنشاء أنظمة أكثر وضوحًا للخدمة البديلة.

الاعتراف بحق الاستنكاف الضميري

رغم هذه التطورات، يحذر التقرير من استمرار وجود فجوة كبيرة بين الاعتراف القانوني بالحق وبين التطبيق العملي له، ففي عدد من الدول لا يزال المستنكفون ضميريًا يواجهون صعوبات معقدة لإثبات قناعاتهم أمام لجان إدارية أو عسكرية قد تفتقر إلى الاستقلالية أو الخبرة اللازمة لتقييم هذه الطلبات بصورة عادلة وموضوعية.

وتفرض بعض الأنظمة إجراءات مطولة أو معقدة تؤدي عمليًا إلى حرمان الأفراد من ممارسة هذا الحق بصورة فعالة.

ويؤكد التقرير أن الخدمة البديلة تمثل أحد العناصر الأساسية لضمان احترام الحق في الاستنكاف الضميري، إلا أن العديد من الدول لا تزال تعتمد نماذج لا تتوافق مع المعايير الدولية.

بعض أنظمة الخدمة البديلة تخضع لإدارة أو إشراف عسكري مباشر، بينما تفرض دول أخرى مدد خدمة أطول بكثير من مدة الخدمة العسكرية، الأمر الذي يعتبره خبراء الأمم المتحدة شكلاً من أشكال العقاب غير المباشر للمستنكفين ضميريًا.

فرض خدمات بديلة

يورد التقرير أمثلة متعددة على هذا النوع من الممارسات، مشيرًا إلى أن بعض الدول تفرض خدمات بديلة تمتد لأشهر أو سنوات إضافية مقارنة بالخدمة العسكرية النظامية، دون وجود مبررات موضوعية أو معقولة لذلك.

وأبدت هيئات حقوق الإنسان الدولية قلقها من استمرار وجود أنظمة تعتبر الخدمة البديلة أداة للردع بدلًا من كونها بديلاً مشروعًا يحترم قناعات الأفراد وحقوقهم الأساسية.

ويتناول التقرير أوضاع الدول التي لا تعترف أصلًا بحق الاستنكاف الضميري أو التي تضع قيودًا كبيرة على ممارسته.

ويشير إلى أن بعض الدول لا تزال تجرّم رفض الخدمة العسكرية، وتفرض عقوبات جنائية أو إدارية على المستنكفين ضميريًا، بما في ذلك السجن والغرامات والحرمان من بعض الحقوق المدنية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، يسلط التقرير الضوء على حالات أبدت فيها لجان الأمم المتحدة المختصة قلقها من استمرار عدم الاعتراف القانوني بالاستنكاف الضميري أو من غياب آليات فعالة لتطبيقه. كما أشار إلى استمرار ورود تقارير بشأن تعرض أفراد للملاحقة أو العقاب بسبب رفضهم أداء الخدمة العسكرية استنادًا إلى معتقداتهم الشخصية أو الدينية.

مسألة العقوبات المتكررة

ومن بين القضايا التي يركز عليها التقرير أيضًا مسألة العقوبات المتكررة، حيث لا يزال بعض المستنكفين ضميريًا يتعرضون للمحاكمة أو السجن أكثر من مرة بسبب رفضهم المتواصل للخدمة العسكرية. ويرى التقرير أن هذا النوع من العقوبات يمثل انتهاكًا واضحًا للمعايير الدولية، خصوصًا عندما يتحول رفض الخدمة العسكرية إلى أساس لسلسلة متكررة من الملاحقات والعقوبات الجنائية.

ويلفت التقرير الانتباه إلى أوضاع المدافعين عن الحق في الاستنكاف الضميري ومنظمات المجتمع المدني العاملة في هذا المجال، ففي بعض البلدان يواجه هؤلاء المدافعون قيودًا على حرية التعبير والتنظيم والتجمع، كما يتعرضون للمضايقات أو الملاحقة القانونية بسبب نشاطهم في الدفاع عن المستنكفين ضميريًا أو دعمهم القانوني والحقوقي لهم.

ويؤكد التقرير أن هذه القيود لا تؤثر فقط على المدافعين عن حقوق الإنسان، بل تقوض كذلك قدرة الأفراد على الحصول على المعلومات والمشورة القانونية المتعلقة بحقوقهم، ما يؤدي إلى إضعاف الضمانات المرتبطة بممارسة الحق في الاستنكاف الضميري بصورة حرة وآمنة.

وفي جانب آخر، يتناول التقرير مسألة التمييز الذي قد يتعرض له بعض المستنكفين ضميريًا نتيجة اقتصار الإعفاءات أو الامتيازات على جماعات دينية بعينها دون غيرها.

حماية حق الاستنكاف الضميري

ويشدد على أن الحماية الدولية للحق في الاستنكاف الضميري تشمل جميع الأشخاص بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، بما في ذلك الملحدون وأصحاب المعتقدات غير الدينية، وأن أي تمييز في هذا المجال يتعارض مع مبادئ المساواة وعدم التمييز.

ويوضح التقرير أن بعض الدول شهدت خلال السنوات الأخيرة نقاشات قضائية وتشريعية مهمة بشأن مدى توافق نظم الإعفاءات العسكرية مع مبادئ المساواة أمام القانون، خاصة عندما تقتصر تلك الإعفاءات على فئات محددة دون غيرها.

ويشير إلى أن هذه التطورات تعكس اتجاهاً متزايداً نحو توسيع نطاق الحماية القانونية لجميع المستنكفين ضميريًا دون تمييز.

وفي ختام التقرير، تؤكد الأمم المتحدة أن احترام الحق في الاستنكاف الضميري لا يقتصر على الاعتراف النظري به، بل يتطلب اتخاذ إجراءات عملية تضمن تنفيذه بصورة فعالة.

وتشمل هذه الإجراءات توفير خدمة بديلة حقيقية ذات طابع مدني، وعدم فرض أعباء أو عقوبات إضافية على المستنكفين، وضمان تمتعهم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نفسها التي يتمتع بها الأشخاص المؤدون للخدمة العسكرية.

دعوة لرفع العقوبات

يدعو التقرير الدول إلى الإفراج عن جميع الأشخاص المحتجزين بسبب ممارستهم حقهم في الاستنكاف الضميري، ومحو السجلات الجنائية المرتبطة بهذه القضايا، ووقف العقوبات المتكررة، وتوفير التعويضات المناسبة للمتضررين، إلى جانب حماية المدافعين عن هذا الحق وضمان حرية عملهم دون مضايقات أو قيود.

ويخلص التقرير إلى أن التقدم المحرز في الاعتراف بالاستنكاف الضميري خلال العقود الماضية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الحريات الأساسية، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا أمام تحقيق حماية كاملة ومتساوية لهذا الحق في مختلف أنحاء العالم، فاستمرار العقوبات والتمييز والقيود الإدارية والقانونية ضد المستنكفين ضميريًا يكشف عن الحاجة إلى إصلاحات أعمق تضمن احترام حرية الضمير باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لمنظومة حقوق الإنسان الدولية.