منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

موسيقى بلا حدود.. مهرجان هاندي ميوزك يفتح فضاء الإبداع للمكفوفين وذوي الإعاقة في تونس

30 مايو 2026
من فعاليات مهرجان هاندي ميوزك الدولي في تونس
من فعاليات مهرجان هاندي ميوزك الدولي في تونس

في قاعة مضاءة بإيقاع الموسيقى وأصوات الجمهور، يصعد فنانون مكفوفون إلى الركح (خشبة المسرح) في تونس لا بوصفهم حالات استثنائية، بل بوصفهم فاعلين ثقافيين يملكون أدواتهم الإبداعية الكاملة.. ففي مهرجان هاندي ميوزك الدولي، لا يُقدَّم الفنانون من ذوي الإعاقة البصرية بوصفهم موضوعاً للرعاية الاجتماعية، بل باعتبارهم جزءاً من المشهد الثقافي العالمي الذي يعيد تعريف معنى الإبداع خارج حدود البصر والحواس التقليدية.

تحتضن تونس في الفترة الممتدة من 21 إلى 23 مايو 2026 الدورة الثامنة من مهرجان هاندي ميوزك الدولي الذي تنظمه الجمعية التونسية “إبصار” لترفيه وثقافة ذوي الإعاقة البصرية، بمشاركة نحو 45 موسيقياً من ثماني دول هي تونس والجزائر والمغرب والعراق وإيطاليا وإسبانيا وتركيا وفرنسا، وفق ما أكدته الجمعية في بياناتها الرسمية وتصريحات رئيسها محمد المنصوري لوكالة تونس إفريقيا للأنباء.

الحدث لا يقف عند حدود العروض الموسيقية

لا يقتصر المهرجان على العروض الفنية، بل يمتد إلى سلسلة من الفعاليات الثقافية والورشات والندوات التي تتوزع بين العاصمة تونس ومدينة الحمامات وعدد من المؤسسات الاجتماعية في ولايات أريانة وجندوبة وسوسة، في محاولة لربط الفن بسياق اجتماعي أوسع، وفق ما نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء في تغطيتها الرسمية للحدث.

الأرقام الرسمية تكشف حجم التحدي في تونس

تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس إلى أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في البلاد يقدر بنحو 1.749 مليون شخص، أي ما يعادل 15.5 في المئة من السكان، وهو رقم يعكس اتساع الظاهرة اجتماعياً مقارنة بالمتوسطات العالمية، وفق تقرير نشره موقع الاقتصاد المغاربي نقلاً عن بيانات رسمية تونسية، كما يوضح التقرير ذاته أن نحو 375 ألف شخص يعانون من إعاقات شديدة، ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بالدمج الاجتماعي والاقتصادي لهذه الفئة.

وتشير تقارير بحثية منشورة في مجلة طبية دولية إلى أن نسب الإعاقة في تونس تتراوح بين 3 إلى 14 في المئة بحسب تعريف الإعاقة وطريقة القياس، وهو تفاوت يعكس اختلاف المعايير الإحصائية بين الجهات الرسمية والبحثية، وفق دراسة منشورة في المجلة الرسمية للجمعية الطبية العالمية.

التحديات الاجتماعية

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 1.3 مليار شخص حول العالم يعيشون مع شكل من أشكال الإعاقة، في حين تشير الأمم المتحدة إلى أن ذوي الإعاقة يواجهون معدلات أعلى من الفقر والبطالة والحرمان من الخدمات الثقافية والتعليمية مقارنة بغيرهم. هذه الأرقام تضع التجربة التونسية في سياق عالمي يعاني من فجوات واضحة في الإدماج الثقافي.

وفي تونس تشير تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن نسبة إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل ما تزال محدودة، رغم وجود تشريعات تدعم الحق في العمل والاندماج، وهو ما ينعكس أيضاً على فرصهم في الوصول إلى الفضاءات الثقافية والفنية.

هاندي ميوزك.. من فكرة ثقافية إلى منصة حقوقية

تأسست جمعية إبصار عام 2011 بهدف تعزيز إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة الثقافية والاجتماعية، وبدأت منذ 2015 بتنظيم مهرجان موسيقي دولي أصبح اليوم منصة سنوية تجمع فنانين من مختلف القارات، وفق الموقع الرسمي للجمعية، وتؤكد الجمعية أن الهدف الأساسي للمهرجان يتمثل في تحويل الفن إلى أداة لكسر الصور النمطية وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والأشخاص ذوي الإعاقة.

وفي نسخة 2026 يخصص المهرجان يوماً كاملاً للاحتفاء بإبداعات النساء من ذوات الإعاقة، إلى جانب تنظيم ندوة دولية حول الثقافة الشاملة بوصفها أداة لتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وفق ما نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء.

الإطار الحقوقي الدولي

تؤكد الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الأمم المتحدة أن المشاركة في الحياة الثقافية ليست امتيازاً اجتماعياً بل حق أساسي. وتنص المادة 30 من الاتفاقية على ضرورة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إلى الفنون والمشاركة فيها على قدم المساواة مع الآخرين.

كما يشير تقرير صادر عن منظمة اليونسكو إلى أن الثقافة تمثل أحد أهم أدوات الإدماج الاجتماعي، وأن الاستثمار في الفنون الموجهة للأشخاص ذوي الإعاقة يسهم في تقليص الفجوات الاجتماعية وتعزيز التنوع الثقافي داخل المجتمعات.

مساحة لإعادة تعريف الإعاقة

في مهرجان هاندي ميوزك، تتحول الموسيقى إلى لغة بديلة تتجاوز فكرة الإعاقة بوصفها حدّاً وظيفياً، لتصبح وسيلة تعبير كاملة تعيد إنتاج العلاقة بين الفنان والجمهور، ويؤكد منظمو المهرجان أن التجربة لا تهدف إلى إثارة التعاطف، بل إلى تثبيت فكرة أن الإبداع لا يرتبط بالحواس بقدر ما يرتبط بالقدرة على التعبير والتكوين الفني.

ويعكس هذا التوجه تحولاً تدريجياً في الخطاب الثقافي التونسي نحو مقاربة أكثر شمولاً، حيث لم تعد الإعاقة تُطرح بوصفها قضية رعاية فقط، بل قضية حقوق ومشاركة واعتراف داخل الفضاء العام.

 فجوة الإدماج الثقافي

رغم التقدم في تنظيم فعاليات ثقافية مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، تشير تقارير أممية إلى أن الوصول الفعلي إلى الفضاءات الثقافية ما يزال محدوداً في العديد من الدول النامية، ومنها دول شمال إفريقيا، وتربط الأمم المتحدة هذا التحدي بغياب البنية التحتية الملائمة وضعف التمويل المخصص للبرامج الثقافية الشاملة.

وفي تونس يعكس مهرجان هاندي ميوزك محاولة عملية لسد هذه الفجوة عبر خلق فضاء فني مفتوح يدمج الفنانين من ذوي الإعاقة في الإنتاج الثقافي وليس فقط في العروض الرمزية.

تأسست جمعية إبصار عام 2011 بوصفها منظمة تونسية غير ربحية تعمل على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وتوسيع مشاركتهم في الحياة الثقافية والاجتماعية، ومنذ 2015، أطلقت الجمعية مهرجان هاندي ميوزك بوصفه منصة دولية للفنانين من ذوي الإعاقة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى حدث متعدد التخصصات يشمل الموسيقى والفنون البصرية والحوارات الثقافية، ويأتي هذا النشاط في سياق عالمي متزايد يدعم مفهوم الثقافة الشاملة الذي تروج له الأمم المتحدة واليونسكو باعتباره أحد ركائز التنمية المستدامة وتقليص عدم المساواة الاجتماعية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية