أعاد مشروع تعديل قانون حماية الطفل وبعض القوانين الأخرى في تركيا فتح نقاش واسع حول مستقبل العدالة الجنائية الموجهة للأطفال، بعدما حذّرت منظمات حقوقية ومدنية من أن بعض التعديلات المقترحة قد تنقل النظام من مقاربة تقوم على الحماية وإعادة التأهيل إلى مقاربة تعتمد بشكل أكبر على العقوبات.
ويأتي الجدل في وقت تؤكد فيه المؤسسات الحقوقية أن الطفل داخل منظومة العدالة الجنائية يجب التعامل معه باعتباره فئة تحتاج إلى حماية خاصة، وليس باعتباره مجرما بالمعنى التقليدي، نظرا لأن سلوك الأطفال غالبا ما يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية معقدة، مثل الفقر والعنف الأسري والتسرب من التعليم وغياب الدعم المجتمعي.
وتشير المنظمات الحقوقية إلى أن مستقبل العدالة الخاصة بالأطفال لا يقاس فقط بقدرة الدولة على معاقبة المخالفين، وإنما بقدرتها على منع الجريمة، وحماية القاصر، وإعادة دمجه داخل المجتمع.
حماية الطفل في تركيا
أقرّت تركيا قانون حماية الطفل رقم 5395 عام 2005 بهدف إنشاء نظام عدالة خاص بالقصر، يقوم على حماية الطفل وضمان حقوقه أثناء الإجراءات القضائية، مع إعطاء الأولوية للتدابير الإصلاحية والتأهيلية بدلا من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.
وينسجم القانون التركي مع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي صادقت عليها تركيا عام 1995، والتي تؤكد أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون إجراء أخيرا، وأن تكون مدته محدودة، مع ضمان توفير بيئة تساعد على إعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي.
وتقوم فلسفة عدالة الأطفال على أن القاصر يختلف عن الشخص البالغ من حيث النضج النفسي والاجتماعي، ولذلك يحتاج إلى نظام قضائي يركز على الحماية والتعليم والدعم، وليس فقط على العقوبة.
مخاوف المنظمات الحقوقية
أثار مشروع تعديل قانون حماية الطفل انتقادات واسعة من جانب منظمات المجتمع المدني، التي اعتبرت أن بعض بنوده قد تؤدي إلى توسيع النهج العقابي في التعامل مع الأطفال، وربما تفتح الباب أمام محاكمة القصر وفق منطق أقرب إلى البالغين.
وطالبت 160 منظمة حقوقية ومدنية، ضمن مظلة “مجموعة النداء المشترك للعدالة من أجل الأطفال”، بسحب المشروع، محذرة من أن التعديلات المقترحة تتجاهل الدراسات العلمية والتجارب الدولية المتعلقة بعدالة الأطفال.
وترى هذه المنظمات أن تحويل الطفل من شخص يحتاج إلى الحماية إلى شخص يعاقب فقط يمثل تراجعا في مفهوم العدالة الخاصة بالقصر، لأن السجن وحده لا يعالج الأسباب التي تدفع بعض الأطفال إلى الجريمة.
وأكدت المنظمات أن حماية الأطفال تتطلب معالجة الظروف التي تحيط بهم، مثل الفقر والعنف الأسري وضعف التعليم وغياب الرعاية الاجتماعية، بدلا من التركيز على العقوبة وحدها.
أوضاع المؤسسات الإصلاحية
استندت الانتقادات الحقوقية إلى تقارير حول أوضاع المؤسسات المخصصة للأطفال والشباب في تركيا، ومن بينها تقرير صادر عن مؤسسة حقوق الإنسان والمساواة التركية بشأن سجن قرة تبه المغلق للأطفال والشباب في مدينة تيكيرداغ.
وأشار التقرير إلى وجود اكتظاظ داخل المؤسسة، حيث تجاوز عدد النزلاء القدرة الاستيعابية الرسمية، ما أثار تساؤلات حول قدرة هذه المراكز على توفير بيئة إصلاحية مناسبة للأطفال.
وترى المنظمات الحقوقية أن زيادة أعداد الأطفال المحتجزين لا تعكس نجاح النظام، بل تكشف الحاجة إلى سياسات وقائية تقلل وصول الأطفال إلى دائرة الجريمة من الأساس.
أزمة الأطفال والجريمة
تؤكد شهادات نقلتها جهات حقوقية وبرلمانية أن الأطفال الموجودين داخل النظام القضائي غالبا ما ينتمون إلى بيئات تعاني من أزمات متعددة.
ومن أبرز العوامل التي تم رصدها، الفقر والعوز الاقتصادي، والعنف داخل الأسرة، والانقطاع عن التعليم، وضعف شبكات الدعم والرعاية الاجتماعية.
وترى المنظمات أن تجاهل هذه الأسباب وتحويل التركيز فقط إلى العقوبات يؤدي إلى تحميل الأطفال مسؤولية أزمات اجتماعية تتجاوز قدرتهم على مواجهتها.
الموقف من مشروع القانون
تدافع السلطات التركية عن التعديلات المقترحة باعتبارها جزءا من جهود تطوير النظام القضائي وتعزيز التعامل مع الجرائم الخطيرة، وترى أن حماية المجتمع تتطلب وجود أدوات قانونية أكثر فاعلية.
ويؤكد المؤيدون للتعديل أن النظام القضائي يجب أن يوازن بين حماية الأطفال وحماية المجتمع، وأن بعض الحالات الجنائية الخطيرة تحتاج إلى مراجعة القواعد الحالية.
وفي المقابل، ترى المنظمات الحقوقية أن أي إصلاح قانوني يجب ألا يؤدي إلى إضعاف الضمانات الخاصة بالأطفال أو تقليص الحماية التي يمنحها لهم القانون الدولي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن عدالة الأطفال يجب أن تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها أن يكون الاحتجاز آخر الحلول، وأن يحصل الطفل على محاكمة عادلة، وأن يكون الهدف الأساسي هو إعادة التأهيل وليس العقاب.
مساعدة الطفل على العودة
تؤكد لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن الأنظمة القضائية الخاصة بالقاصرين يجب أن تساعد الطفل على العودة إلى المجتمع، لا أن تزيد من عزله أو تعرضه لمزيد من المخاطر.
ويكشف الجدل حول مشروع تعديل قانون حماية الطفل في تركيا عن مواجهة بين اتجاهين؛ الأول يدعو إلى تشديد العقوبات لمواجهة الجرائم، والثاني يرى أن حماية المجتمع تبدأ من حماية الأطفال ومعالجة الأسباب التي تقود إلى الانحراف.
ويبقى التحدي الأساسي أمام تركيا هو تحقيق التوازن بين حماية الأمن العام وضمان عدم فقدان الطفل لحقه في نظام عدالة يعترف بخصوصيته، ويمنحه فرصة للإصلاح وإعادة بناء مستقبله.

