منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“واحد مقابل واحد”.. هل تعالج اتفاقية بريطانيا وفرنسا أزمة الهجرة أم تعيد مخاطر قوارب الموت؟

29 يوليو 2026
الهجرة غير الشرعية
الهجرة غير الشرعية

في محاولة جديدة للحد من الهجرة غير النظامية عبر بحر المانش، أعلنت بريطانيا وفرنسا التوصل إلى تعديل في اتفاقية التعاون بين البلدين يقوم على آلية “واحد مقابل واحد”، بحيث تُعاد إلى فرنسا أعداد من المهاجرين الذين يصلون إلى بريطانيا عبر القوارب الصغيرة، مقابل استقبال المملكة المتحدة طالبي لجوء موجودين في فرنسا عبر مسارات قانونية.

وتقدم الحكومتان الاتفاق باعتباره خطوة تهدف إلى مواجهة شبكات تهريب البشر وتقليص عمليات العبور غير النظامي، من خلال تقليل الحوافز التي تعتمد عليها هذه الشبكات في جذب المهاجرين، إلا أن الخطوة أثارت نقاشاً واسعاً حول مدى قدرتها على معالجة جذور الأزمة، وما إذا كانت ستنجح في الحد من المخاطر الإنسانية المرتبطة برحلات بحر المانش.

ويرى مؤيدو الاتفاق أن إعادة تنظيم حركة العبور بين البلدين قد تساعد في تفكيك نموذج عمل المهربين، عبر الجمع بين تشديد الرقابة الحدودية وتوفير بدائل قانونية محدودة لطالبي الحماية.

في المقابل، تحذر منظمات حقوقية من أن أي سياسة تركز على الردع وإعادة الأشخاص دون توسيع مسارات اللجوء الآمنة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال دفع بعض المهاجرين إلى الاعتماد على طرق أكثر خطورة أو الوقوع في قبضة شبكات تهريب أكثر تنظيماً.

بين أمن الحدود وحق اللجوء

تستند المناقشات القانونية حول الاتفاق إلى مبدأ أساسي في القانون الدولي للاجئين، وهو حق أي شخص في طلب الحماية الدولية، وعدم إعادة أي فرد إلى مكان قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر، وفق مبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.

وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مواقف سابقة أن سياسات إدارة الحدود يجب أن تتوافق مع الالتزامات الدولية، وأن إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية ينبغي ألا تمنع الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية من الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة.

ومن هذا المنطلق، يتركز الجدل الحقوقي حول كيفية تطبيق الاتفاق عملياً، ومدى ضمان حصول كل شخص تتم إعادته على تقييم فردي لطلبه وظروفه، ما يمنع تعرض المستحقين للحماية لأي خطر قانوني أو إنساني.

قوارب المانش.. أزمة مستمرة

ورغم الإجراءات الأمنية المتزايدة على جانبي القنال الإنجليزي، استمرت محاولات العبور عبر القوارب الصغيرة خلال السنوات الأخيرة، في ظل عوامل متعددة تدفع بعض الأشخاص إلى المخاطرة بهذه الرحلات، منها النزاعات المسلحة والاضطهاد والأزمات الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى طرق هجرة قانونية.

وتشير بيانات السلطات البريطانية إلى استمرار وصول مهاجرين عبر بحر المانش، في حين تؤكد منظمات دولية أن التعامل مع الظاهرة يتطلب معالجة الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى مغادرة بلدانهم، إلى جانب مواجهة شبكات الاتجار بالبشر.

وتحذر منظمات مكافحة الاتجار بالبشر من أن عصابات التهريب غالباً ما تغير أساليبها للتكيف مع الإجراءات الجديدة، ما يجعل الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها غير كافٍ لإنهاء نشاطها.

تقليل عمليات الهجرة

يؤكد المدافعون عن تشديد الرقابة الحدودية أن نجاح الاتفاق يجب أن يقاس بقدرته على تقليل عمليات العبور الخطرة وإضعاف شبكات التهريب، في حين ترى منظمات حقوق الإنسان أن المعيار الأهم هو مدى إسهامه في حماية الأرواح وضمان حقوق طالبي اللجوء.

وبينما تراهن لندن وباريس على أن آلية “واحد يدخل.. واحد يخرج” قد تكون أداة جديدة للسيطرة على الهجرة غير النظامية، يبقى نجاحها مرتبطاً بقدرتها على تحقيق توازن بين حماية الحدود والوفاء بالالتزامات القانونية والإنسانية.

ولا ترتبط أزمة بحر المانش فقط بطريقة العبور، بل بالأسباب التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم في البحر، ما يجعل أي حل طويل الأمد بحاجة إلى الجمع بين مكافحة شبكات التهريب، وتوسيع مسارات الحماية القانونية، ومعالجة العوامل التي تغذي الهجرة غير النظامية.

محدودية تأثير التعديل

يرى الخبير الفرنسي في الشأن الأوروبي، بيير لويس ريموند، في حديثه لـ”صفر”، أن الاتفاق جاء في إطار تجربة عملية، إلا أنه كشف عن محدودية تأثيره في ظل استمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى بريطانيا عبر القوارب الصغيرة، ما يشير إلى أن المقاربة الحالية لم تنجح في معالجة جذور الظاهرة.

وأضاف ريموند: “لا أرى حلاً مستداماً لأزمة قوارب الموت إلا من خلال إرساء مسارات قانونية ومنظمة لهجرة العمل، ترتكز على سياسة تنموية مشتركة بين الدول الأوروبية ودول المنشأ، ما يتيح بدائل آمنة للهجرة ويحد من اعتماد المهاجرين على شبكات التهريب”.

وأكد أن هذه المقاربة ينبغي ألا تقتصر على تحديد القطاعات الاقتصادية التي تعاني نقصاً في العمالة لاستقبال المهاجرين، بل يجب أن ترتبط بصورة عضوية، بالاستثمار في تنمية دول المنشأ، من خلال تأهيل الشباب، وتعزيز التعليم والتدريب المهني، وخلق فرص عمل محلية، ما يسهم في الحد من دوافع الهجرة غير النظامية من جذورها، بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها عند الحدود.

اختبار سياسي وقانوني

من جانبه، اعتبر الخبير في الهجرة والتخطيط الدولي وشؤون المغتربين في بريطانيا، محمد أبو شنب، أن أزمة الهجرة غير النظامية عبر القناة الإنجليزية لم تعد مجرد خلاف حدودي بين بريطانيا وفرنسا، بل تحولت إلى اختبار سياسي وقانوني وإنساني لقدرة الدول الأوروبية على إدارة واحدة من أكثر قضايا العصر تعقيداً.

وأوضح أبو شنب في تصريح لـ”صفر” أن اتفاقية “واحد يدخل.. واحد يخرج” قُدمت باعتبارها أداة عملية لردع العبور غير النظامي بالقوارب الصغيرة، من خلال تقويض نموذج عمل شبكات تهريب البشر، بالتوازي مع فتح مسار قانوني ومنظم أمام عدد من طالبي اللجوء الموجودين في فرنسا.

وبحسب قوله، فإن التطورات الأخيرة كشفت عن حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن شبكات التهريب تمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع الإجراءات الحكومية، وأن أي سياسة تركز على وسيلة العبور دون معالجة منظومة الهجرة غير النظامية بأكملها ستظل معرضة لظهور ثغرات جديدة.

وأوضح أنه بعد بدء بريطانيا إعادة بعض المهاجرين الذين وصلوا عبر القوارب الصغيرة إلى فرنسا، تمكن عدد من المرحلين من العودة سراً إلى المملكة المتحدة، ولكن هذه المرة عبر الشاحنات، الأمر الذي كشف عن ثغرة قانونية وعملية، إذ صُممت الاتفاقية للتعامل مع الوافدين بالقوارب فقط، في حين غيّر المهربون وسيلة العبور واستغلوا محدودية نطاقها.

وأضاف أن هذه التطورات دفعت وزيرة الداخلية البريطانية ونظيرها الفرنسي إلى تعديل الاتفاقية واستحداث تصنيف جديد يُعرف بـ”حالة العائد”، ما يسمح بإعادة أي شخص سبق ترحيله إلى فرنسا ثم عاد إلى بريطانيا بصورة غير نظامية، سواء عبر القوارب أو الشاحنات أو أي وسيلة أخرى.

وأضاف: “من الناحية الأمنية، يبدو هذا التعديل منطقياً، إذ لا يمكن لسياسة الردع أن تحقق أهدافها إذا كان المرحل يستطيع ببساطة تغيير وسيلة دخوله والعودة مجدداً، لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التعديل سيغلق هذه الثغرة، بل ما إذا كان سيغير اقتصاديات التهريب ويحد من أعداد الراغبين في المجازفة بعبور القناة الإنجليزية”.

سد ثغرة وترك ثغرات

ورغم أهمية التعديل، يرى أبو شنب أنه يغلق ثغرة قانونية محددة، لكنه لا يقضي على جميع الثغرات العملية، موضحاً أن المهربين لا يعملون وفق نموذج ثابت، بل يغيرون باستمرار وسائل النقل، ومسارات العبور، وأساليبهم استجابة للإجراءات الأمنية.

وتابع: “إغلاق ثغرة واحدة قد يدفع النشاط إلى ثغرة أخرى، ما لم تُعتمد استراتيجية شاملة تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وتتبع الأموال وتفكيك شبكات التهريب وتسريع إجراءات البت في طلبات اللجوء وزيادة إعادة من لا يملكون حق البقاء، بالتوازي مع توفير مسارات قانونية واضحة لمن يستحقون الحماية الدولية”.

ويرى أبو شنب أن الخلاف الجوهري لا يزال قائماً، فبينما تعد فرنسا الهجرة قضية أوروبية تتطلب معالجة جماعية، تنظر بريطانيا إليها باعتبارها مشكلة تبدأ من السواحل الفرنسية، وهو ما يكشف عن أحد أوجه الضعف البنيوية في أي اتفاق ثنائي؛ لأن شبكات الهجرة والتهريب عابرة للحدود، في حين تحاول الاتفاقية إدارة الظاهرة في إطار علاقة بين دولتين فقط.

ولفت إلى وجود تحد قانوني مهم، بعدما قضت المحكمة العليا في لندن في يوليو 2026، بعدم قانونية جانب من سياسة وزارة الداخلية المتعلقة بتقليص حق بعض طالبي اللجوء في طلب إعادة النظر في قرارات رفض اعتبارهم ضحايا للاتجار بالبشر قبل إعادتهم إلى فرنسا، ولا سيما أن الحكم يعكس تحدياً للحكومة البريطانية في تحقيق التوازن بين حماية الحدود واحترام سيادة القانون، وضمان عدم ترحيل أشخاص قد يكونون ضحايا للاتجار بالبشر أو ممن يملكون مطالبات قانونية مشروعة بالحماية.

وأشار إلى أن الاتفاقية التي بدأت بوصفها تجربة مؤقتة، مُدد العمل بها حتى الأول من أكتوبر 2026، إلا أن مستقبلها لا يزال غير محسوم، في ظل مؤشرات على إمكانية استبدالها بإطار تعاون أوروبي أوسع لمعالجة الهجرة عبر القناة الإنجليزية؛ لأن المهاجر الذي يصل إلى شمال فرنسا يكون قد عبر غالباً عدة دول أوروبية قبل ذلك، وربما بدأ رحلته من الشرق الأوسط أو إفريقيا أو آسيا، لذلك فإن إدارة هذه الحركة عبر اتفاق بريطاني-فرنسي فقط لن تعالج السلسلة الكاملة للهجرة.

واختتم حديثه بتأكيد أنه “لا توجد اتفاقية واحدة قادرة على إنهاء ظاهرة قوارب الموت، لكن يمكن الحد منها إذا انتقلت السياسات من إدارة النتائج إلى معالجة النموذج الاقتصادي الذي تعتمد عليه شبكات التهريب، ولا سيما أن الاختبار الحقيقي ليس عدد الاتفاقيات أو التعديلات القانونية، وإنما قدرتها على تقليل الوفيات، وتفكيك شبكات التهريب، وحماية المستحقين للحماية الدولية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print