منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلال فعاليات الدورة 62 بجنيف

جلسة ساخنة بمجلس حقوق الإنسان.. قبرص وبابوا والألغام تشعل معارك “حق الرد”

26 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان في جنيف
مجلس حقوق الإنسان في جنيف

قبل انطلاق أعمال الجلسة العشرين للدورة الثانية والستين في مجلس حقوق الإنسان، خيّم الطابع الإنساني على الأجواء بعدما طلبت فنزويلا من الوفود الوقوف دقيقة صمت حدادًا على ضحايا زلزالين مدمرين ضربا البلاد، في لفتة لقيت استجابة من الحاضرين، قبل أن تتحول الجلسة إلى ساحة سجال سياسي وقانوني حاد، تصدرت فيه قضية قبرص، والأوضاع في بابوا الإندونيسية، والجدل بشأن اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد.

حق الرد يشعل الخلاف

شهدت الجلسة سلسلة من مداخلات “حق الرد” عكست استمرار الخلافات السياسية بين عدد من الدول، وفي مقدمتها تركيا وقبرص، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بشأن الوضع في الجزيرة، بينما دافعت دول أوروبية عن قراراتها المتعلقة باتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، وردت إندونيسيا وفانواتو على الانتقادات المتبادلة بشأن إقليم بابوا.

وافتتحت الجلسة بطلب تقدمت به فنزويلا للوقوف دقيقة صمت حدادًا على أرواح ضحايا زلزالين ضربا البلاد، داعية الوفود إلى إظهار التضامن مع المتضررين.

تركيا:  قواتنا منعت تكرار المذابح

وفي أولى مداخلات حق الرد، رفضت تركيا وصف وجودها العسكري في شمال قبرص بأنه “احتلال”، مؤكدة أن التدخل التركي عام 1974 جاء استنادًا إلى حقوقها كدولة ضامنة وبهدف منع وقوع مزيد من الانتهاكات بحق القبارصة الأتراك.

وقالت أنقرة إن “الاحتلال الحقيقي” يتمثل في استيلاء الجانب القبرصي اليوناني بالقوة على دولة الشراكة التي تأسست عام 1960، مشيرة إلى أن قرارات مجلس الأمن لم تصف التدخل التركي بالغزو أو الاحتلال.

وأكد الوفد التركي أن قوات السلام التركية لا تزال تؤدي دورًا في منع تكرار أعمال العنف، مشيرًا إلى أن ما بين 30 و40 ألف قبرصي تركي اضطروا بين عامي 1963 و1974 للعيش في مناطق معزولة، قبل انتقال عشرات الآلاف إلى شمال الجزيرة عام 1974 لأسباب أمنية.

كما دعت تركيا المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالمساواة في السيادة والمكانة الدولية للقبارصة الأتراك، منتقدة ما وصفته بحرمانهم من المشاركة الكاملة في المحافل الدولية، بما فيها مجلس حقوق الإنسان.

 قبرص: الاحتلال التركي مستمر منذ 1974

وردت قبرص بقوة على الموقف التركي، مؤكدة أن ثلث أراضيها لا يزال يخضع للاحتلال العسكري التركي، وأن المجتمع الدولي مطالب بضمان تطبيق القانون الدولي الإنساني في الجزيرة كما هو الحال في بقية حالات الاحتلال.

واعتبرت نيقوسيا أن تبرير تركيا لتدخلها العسكري عام 1974 “غير مقبول”، مؤكدة أن الأمم المتحدة أدانت الغزو في عدة قرارات، بينها قرارات مجلس الأمن 541 و550.

واتهمت قبرص تركيا بمواصلة تغيير التركيبة السكانية والثقافية والدينية في شمال الجزيرة عبر سياسة الاستيطان، إضافة إلى تدمير التراث الثقافي والديني، مؤكدة أن هذه السياسات أضرت كذلك بالقبارصة الأتراك أنفسهم من خلال تقويض هويتهم وحرياتهم.

ودعت الحكومة القبرصية تركيا إلى سحب قواتها العسكرية وإنهاء سياسة الاستيطان، بما يسمح بإعادة توحيد الجزيرة وفق القانون الدولي.

تركيا تتمسك بروايتها التاريخية

وعادت تركيا في حق رد ثانٍ لتجدد تمسكها بروايتها، مؤكدة أن جمهورية قبرص التي تأسست عام 1960 انتهت فعليًا عام 1963 عندما، أقصى القبارصة اليونانيون القبارصة الأتراك من مؤسسات الدولة بالقوة بحسب قولها.

وأضافت أن ما وصفته بحملة “التطهير العرقي” ضد القبارصة الأتراك دفع الأمم المتحدة إلى نشر قوات حفظ السلام عام 1964، وأن تدخل تركيا عام 1974 جاء لمنع القضاء على القبارصة الأتراك بعد محاولة الانقلاب الرامية إلى تحقيق الوحدة مع اليونان.

وشددت أنقرة على أن أيًا من قرارات مجلس الأمن لم يصف وجود القوات التركية في الجزيرة بأنه احتلال.

سجال بين إندونيسيا وفانواتو

وفي ملف آخر، دافعت إندونيسيا عن سجلها في التعامل مع أوضاع النزوح الداخلي في بابوا، ردًا على انتقادات أثارتها إحدى المنظمات غير الحكومية ومواقف دولة فانواتو.

وأكدت جاكرتا أن الجماعات الانفصالية المسلحة هي السبب الرئيس في موجات النزوح، مشيرة إلى أنها نفذت خلال العامين الماضيين 16 هجومًا استهدفت المدنيين والبنية التحتية، وأدت إلى مقتل معلمين وعمال مناجم وإحراق مدارس ومنازل.

وأوضحت الحكومة الإندونيسية أنها قدمت مساعدات إنسانية عاجلة، تضمنت 20 طنًا من المواد الأساسية، ودعمًا ماليًا للأسر المتضررة، وتوفير العلاج الطبي والدعم النفسي، مؤكدة أن إنشاء أقاليم جديدة ذات حكم ذاتي خاص يهدف إلى تحقيق تنمية أكثر عدالة في بابوا.

كما حذّرت جاكرتا مما وصفته بالمعلومات المضللة التي تغذي الخطاب الانفصالي وتؤدي إلى مزيد من العنف.

لكن فانواتو اعتبرت أن الرد الإندونيسي تجاهل القضية الأساسية، وهي تحديد موعد رسمي لزيارة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إلى بابوا وبابوا الغربية.

وأكدت أن قادة دول المحيط الهادئ يطالبون منذ سنوات بتنفيذ هذه الزيارة، معتبرة أن استمرار تأجيلها يضعف الثقة في التزام إندونيسيا بالشفافية والتعاون مع آليات الأمم المتحدة.

ودعت فانواتو، في ضوء رئاسة إندونيسيا الحالية لمجلس حقوق الإنسان، إلى الاتفاق على موعد واضح للزيارة قبل انتهاء الدورة الثالثة والستين للمجلس في سبتمبر 2026.

الانسحاب من معاهدة حظر الألغام

كما شهدت الجلسة ردودًا من بولندا وليتوانيا ولاتفيا على الانتقادات التي وجهتها بيلاروس بشأن انسحابها من اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد.

وأكدت بولندا أن البيئة الأمنية الأوروبية تغيرت جذريًا بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، معتبرة أن حماية مواطنيها تمثل مسؤولية أساسية للدولة، مع استمرار التزامها بدعم إزالة الألغام ومساعدة الضحايا والعمل الإنساني في هذا المجال.

وأشارت وارسو إلى مساهماتها المالية في برامج إزالة الألغام التابعة للأمم المتحدة، بما في ذلك تمويل أنشطة في الأراضي الفلسطينية.

من جانبها، شددت ليتوانيا على أن قرار الانسحاب استند إلى تقييم واقعي للتهديدات الأمنية التي تواجهها نتيجة الحرب الروسية، مؤكدة أن روسيا تمثل التهديد الأكبر للمعايير الإنسانية في أوروبا بسبب استخدامها الواسع للألغام داخل الأراضي الأوكرانية.

وأكدت فيلنيوس أنها ستواصل اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية المدنيين، بما يشمل توثيق المناطق الملوثة بالألغام، ووضع العلامات عليها، وتنفيذ عمليات إزالة الألغام فور انتهاء الأعمال العسكرية، مع استمرار دعمها للتحالف الدولي الخاص بإزالة الألغام في أوكرانيا.

بدورها، أكدت لاتفيا أن العدوان الروسي غيّر البيئة الأمنية في المنطقة، معتبرة أن بيلاروس تجاهلت الإشارة إلى استخدام روسيا للألغام في أوكرانيا وما ترتب على ذلك من خسائر بشرية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وشددت ريغا على استمرار التزامها باتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، إلى جانب مواصلة دعم برامج إزالة الألغام لأغراض إنسانية.

استمرار الانقسامات

وأظهرت مداخلات حق الرد حجم الانقسامات السياسية التي لا تزال تطغى على أعمال مجلس حقوق الإنسان، إذ تحولت ملفات قبرص، وبابوا، والحرب في أوكرانيا، ومعاهدة أوتاوا إلى ساحات لتبادل الاتهامات والدفاع عن السياسات الوطنية، في وقت يواصل فيه المجلس مناقشة قضايا حقوق الإنسان وسط تداخل واضح بين الاعتبارات القانونية والسياسية والأمنية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print