تفتح اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب في مصر مرحلة جديدة في إدارة ملف اللاجئين وطالبي اللجوء، عبر نقل الاختصاص تدريجياً من مفوضية شؤون اللاجئين إلى لجنة وطنية تتبع مجلس الوزراء، لكنها تثير في المقابل أسئلة حقوقية بشأن الضمانات، وحماية البيانات، وخطر الترحيل، ومدى توافق القانون مع المعايير الدولية.
وأصدرت مصر اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، في خطوة تعد الأولى من نوعها لتنظيم ملف اللجوء عبر إطار وطني مستقل، بعد عقود ظلت فيها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تتولى جانباً رئيسياً من التسجيل وتحديد صفة اللاجئ بموجب مذكرة تفاهم موقعة مع الحكومة المصرية منذ عام 1954.
وتشير مفوضية اللاجئين إلى أنها تعمل في مصر منذ عام 1954، وأنها كانت تقدم خدمات التسجيل والتوثيق وتحديد صفة اللاجئ وإعادة التوطين لمن يطلبون الحماية في البلاد.
وبحسب ما نشرته الجريدة الرسمية في مصر، تتعلق اللائحة التنفيذية بتفعيل أحكام قانون لجوء الأجانب، وتنظيم عمل اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، وهي الجهة التي ستتولى مستقبلاً إدارة طلبات اللجوء والفصل فيها وإصدار الوثائق والبطاقات الخاصة باللاجئين وطالبي اللجوء.
لجنة وطنية بصلاحيات واسعة
ينص قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 على إنشاء اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، وتبعيتها لرئيس مجلس الوزراء، ومنحها الشخصية الاعتبارية، لتكون الجهة المختصة بشؤون اللاجئين في مصر، ومنها جمع البيانات والإحصاءات والفصل في طلبات اللجوء وإصدار وثائق اللاجئين.
وتؤكد اللائحة التنفيذية أن المرحلة المقبلة ستشهد نقل ملفات طالبي اللجوء واللاجئين المعترف بهم من مفوضية اللاجئين إلى اللجنة الجديدة، مع استمرار سريان البطاقات الصادرة من المفوضية خلال الفترة الانتقالية وحتى انتهاء مدتها أو إصدار وثائق جديدة، أيهما أقرب.
وأبقت مصر على صلاحية بطاقات المفوضية خلال المرحلة الانتقالية، وأن البطاقات التي تنتهي خلال ستة أشهر من تاريخ العمل باللائحة ستظل سارية خلال تلك الفترة.
انتقال من المفوضية إلى الدولة
يمثل الانتقال من نظام تقوده المفوضية إلى نظام وطني تديره لجنة مصرية تحولاً مؤسسياً كبيراً، فمن الناحية الرسمية، تقول الحكومة إن هذا القانون يهدف إلى تنظيم الملف داخلياً وتوفير إطار قانوني واضح لأول مرة، لكن من الناحية الحقوقية، تثير هذه النقلة مخاوف بشأن استقلالية آلية البت في طلبات اللجوء، وشفافية الإجراءات، وضمان الحق في الطعن، ومدى قدرة اللجنة الجديدة على التعامل مع أعداد كبيرة من الملفات دون خلق فراغ مؤسسي أو تأخير يضر بطالبي الحماية.
وتؤكد الحكومة المصرية أنها تستضيف أعداداً كبيرة من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وقد سبق أن أعلنت بيانات حكومية في يناير 2024 وجود نحو 9 ملايين مهاجر ولاجئ من 133 دولة، يمثلون 8.7% من سكان مصر، مع تمركز 56% منهم في خمس محافظات هي القاهرة والجيزة والإسكندرية والدقهلية ودمياط.
لكن أرقام مفوضية اللاجئين تميز بين “المهاجرين” و”اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين”. فقد قالت المفوضية إن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في مصر تجاوز مليون شخص في يونيو 2025، وأن السودانيين يمثلون النسبة الكبرى من المسجلين، في ظل تداعيات الحرب في السودان.
وفي مارس 2026 قال خبراء أمميون إن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية في مصر بلغ 1,098,311 شخصاً بحلول ديسمبر 2025، بينهم 834,201 سوداني.
مخاوف من التطبيق
تنص اللائحة، على عدد من الحقوق للاجئين، بينها الحصول على الخدمات الصحية وفق القواعد المطبقة على المواطنين، وتيسير التحاق الأطفال بالتعليم الأساسي، وتقديم أولوية للفئات الأكثر احتياجاً، مثل ذوي الإعاقة وكبار السن والنساء الحوامل والأطفال غير المصحوبين وضحايا الاتجار بالبشر والتعذيب والعنف الجنسي.
كما يؤكد القانون حظر رد اللاجئ أو إعادته قسرياً إلى دولة قد يتعرض فيها للخطر، وهو مبدأ جوهري في القانون الدولي للاجئين، ويعرض نص القانون المنشور على منصة مفوضية اللاجئين مواد تتعلق بإنشاء اللجنة، وإصدار الوثائق، وتنظيم وضع اللاجئ، وحظر الإعادة القسرية.
لكن هيومن رايتس ووتش حذرت، عند مناقشة مشروع القانون، من أن النص قد يهدد حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء، وأن بعض مواده تمنح السلطات صلاحيات واسعة قد تخالف التزامات مصر الدولية، خصوصاً إذا استُخدمت القيود الأمنية أو مفاهيم النظام العام بطريقة فضفاضة.
مهلة 45 يوماً
من أبرز النقاط المثيرة للقلق إلزام من دخل مصر بطرق غير نظامية بتقديم طلب اللجوء خلال 45 يوماً، فرغم أن الدولة تملك حق تنظيم الإجراءات، فإن منظمات حقوقية ترى أن فرض مهل قصيرة على أشخاص فارين من نزاع أو تهريب أو صدمة قد يحرم بعضهم من الوصول الفعلي إلى الحماية.
وأثارت منصة اللاجئين في مصر والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مخاوف من أن القانون الجديد يمثل تراجعاً عن بعض الضمانات القائمة، خاصة إذا لم تُضمن حماية واضحة من الاحتجاز والترحيل والإعادة القسرية.
وتمنح اللائحة اللجنة سلطة إنشاء قاعدة بيانات مركزية تشمل بيانات اللاجئين وطالبي اللجوء، ومنها البيانات البيومترية.
وعلى الرغم من النص على سرية البيانات واستخدامها في إدارة الملف، فإن جمع هذه البيانات يفتح تساؤلات حقوقية حول الضمانات، وجهات الوصول، ومدة الاحتفاظ، وآليات الرقابة المستقلة.
وتنقل اللوائح الجديدة إدارة الملف بصورة كاملة تقريباً إلى الدولة، وتفرض إقرارات قانونية ملزمة على طالبي اللجوء، كما تنشئ قاعدة بيانات مركزية تتضمن بيانات بيومترية وبصمات، وهو ما يثير مخاوف من توسيع المراقبة على الفئات الأكثر هشاشة.
خطوة مهمة مع ضرورة المراجعة
تتعامل مفوضية اللاجئين مع إصدار اللائحة بوصفه خطوة مهمة نحو بناء نظام وطني للجوء، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أهمية التعاون الفني والقانوني لضمان توافق النظام الجديد مع المعايير الدولية.
وتوفر منصة المفوضية لتحليل القوانين تعريفاً بقانون اللجوء المصري باعتباره إطاراً جديداً يحدد من هو اللاجئ أو طالب اللجوء، وينشئ بنية مؤسسية وطنية لإدارة الملف، وينص على حقوق وحمايات أساسية لمن يتم الاعتراف بهم.
ونشرت المفوضية تعليقاتها على قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024، في إشارة إلى استمرار الدور الفني والقانوني الذي تؤديه في مراجعة الإطار التشريعي المصري الخاص باللجوء.
ويعكس القانون ولائحته التنفيذية محاولة مصرية لنقل ملف اللجوء إلى إطار وطني رسمي، وهو مسار مشروع من حيث المبدأ، إذ تملك الدول حق إدارة أنظمة اللجوء داخل أراضيها.
لكن التحدي الحقوقي لا يكمن في وجود لجنة وطنية، بل في طريقة عملها.. هل ستكون مستقلة وشفافة؟ هل سيحصل طالب اللجوء على مقابلة عادلة ومترجم ومساعدة قانونية؟ هل ستُحترم السرية؟ هل سيُمنع الترحيل أثناء التظلم والطعن؟ وهل ستُحمى الفئات الهشة من الاحتجاز أو الإبعاد؟
نقطة تحول كبيرة
تمثل اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء في مصر نقطة تحول كبيرة في ملف إنساني بالغ الحساسية، فهي قد تفتح الباب أمام نظام وطني أكثر وضوحاً وتنظيماً، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر قلق إذا غلب عليها المنطق الأمني على حساب الحماية.
نجاح التجربة لن يقاس فقط بسرعة نقل الملفات من المفوضية إلى اللجنة، بل بمدى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان الحق في الطعن، وحماية البيانات، وتمكين اللاجئين وطالبي اللجوء من الوصول إلى التعليم والصحة والمساعدة القانونية دون خوف.
وبين الرواية الرسمية التي تؤكد التنظيم والسيادة، والتحذيرات الحقوقية التي تركز على الضمانات والحماية، تبقى اللائحة اختباراً مبكراً لقدرة مصر على بناء نظام لجوء وطني يوازن بين إدارة الدولة للملف وصون الحقوق الأساسية لمن طلبوا الأمان على أراضيها.
