أصبحت التكنولوجيا جزءا متزايدا من القرارات التي تمس حياة الأفراد وحقوقهم الأساسية.. ومع ارتفاع أعداد طالبي اللجوء وتعقد إجراءات الهجرة في عدد من الدول، اتجهت حكومات إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات للمساعدة في إدارة الملفات وتسريع الإجراءات، غير أن هذا التوجه فتح نقاشا حقوقيا متصاعدا حول حدود استخدام التكنولوجيا في القضايا التي قد يترتب عليها مصير أشخاص مهددين بالحرب أو الاضطهاد أو التعذيب.
ولا يتعلق الجدل بقدرة الأنظمة الرقمية على معالجة البيانات بسرعة أكبر، بل بمدى توافقها مع مبادئ العدالة الإجرائية والشفافية وعدم التمييز، وحق الأفراد في معرفة الأسس التي بنيت عليها القرارات المتعلقة بطلباتهم والطعن فيها عند الضرورة.
ولا يأتي اختيار أوروبا وكندا اعتباطا، إذ تمثل التجربتان مسارين مختلفين في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل أنظمة اللجوء والهجرة، فالدول الأوروبية تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة الارتفاع المستمر في أعداد طالبي اللجوء، ما دفعها إلى البحث عن أدوات تقنية تساعد في إدارة الملفات والحدود.
أما كندا، التي تعد من أكثر الدول تقدما في رقمنة الخدمات الحكومية، فقد اتجهت إلى استخدام الأنظمة الرقمية لتسريع الإجراءات الإدارية. ويكشف هذا التباين كيف تثير التكنولوجيا، رغم اختلاف السياقات، أسئلة حقوقية مشتركة تتعلق بالشفافية والحق في الطعن وعدم التمييز وضمان بقاء القرار النهائي خاضعا للرقابة البشرية.
بين الكفاءة والمخاوف الحقوقية
تشمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في بعض أنظمة الهجرة واللجوء تحليل البيانات وفرز الطلبات والكشف عن التناقضات في المعلومات والمساعدة في تقييم بعض عناصر المخاطر المرتبطة بالملفات.
ووفقا لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، تلقت دول الاتحاد أكثر من 1.1 مليون طلب لجوء خلال عام 2024، وهو من أعلى المستويات المسجلة منذ أزمة اللجوء عام 2015، ودفع هذا الضغط الإداري عددا من الحكومات إلى البحث عن وسائل تقنية تساعد على إدارة الأعداد المتزايدة من الطلبات.
لكن تقريرا صادرا عن منظمة Access Now وشركاء حقوقيين أوروبيين عام 2023 حذر من أن استخدام الخوارزميات في مجال الهجرة واللجوء قد يؤدي إلى نتائج تمييزية إذا اعتمدت الأنظمة على بيانات ناقصة أو منحازة. كما أشار التقرير إلى أن بعض الأنظمة المستخدمة تعمل بآليات يصعب على طالبي اللجوء ومحاميهم فهمها أو الطعن في نتائجها، ما يثير مخاوف تتعلق بالشفافية والمساءلة.
الرقمنة تحت المجهر
شهدت كندا بدورها توسعا في استخدام الأدوات الرقمية للمساعدة في إدارة بعض ملفات الهجرة واللجوء.
وفي هذا السياق، كشف تقرير صادر عن جامعة تورنتو ومختبر المواطن (Citizen Lab) أن وزارة الهجرة الكندية استخدمت أدوات رقمية وخوارزمية للمساعدة في إدارة بعض الطلبات، ما دفع منظمات المجتمع المدني إلى المطالبة بمزيد من الشفافية حول كيفية عمل هذه الأنظمة.
وأكدت منظمات قانونية كندية أن طالبي اللجوء يجب أن يعرفوا متى تستخدم الأنظمة الآلية في تقييم ملفاتهم، وأن يتمكنوا من الاعتراض على أي قرار يتأثر بخوارزمية لا يستطيعون فهم أسس عملها. ويرى خبراء أن غياب الشفافية قد يحد من قدرة المتقاضين على ممارسة حقهم في الدفاع أو الطعن في القرارات الإدارية.
وتكشف التجربتان الأوروبية والكندية عن اختلاف في أولويات الاستخدام؛ ففي أوروبا يرتبط توظيف الذكاء الاصطناعي غالبا بإدارة الحدود وفرز أعداد كبيرة من الطلبات، بينما يتركز الاستخدام في كندا بصورة أكبر على تسريع الإجراءات الإدارية. ورغم هذا الاختلاف، يبقى السؤال الحقوقي واحدا ويتعلق بقدرة هذه الأنظمة على احترام ضمانات العدالة والإجراءات السليمة.
التحيز الخوارزمي.. خطر غير مرئي
تعد مسألة التحيز الخوارزمي من أبرز المخاوف المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في قضايا اللجوء والهجرة.
فالأنظمة الذكية تتعلم من البيانات السابقة، وإذا كانت هذه البيانات تعكس أنماطا من التمييز أو الأخطاء التاريخية، فقد تعيد إنتاجها بصورة آلية.
وحذرت منظمة العفو الدولية من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الهجرة واللجوء قد يؤدي إلى استهداف مجموعات معينة بصورة غير عادلة إذا لم تخضع الأنظمة لرقابة مستقلة.
كما أكدت أن الأشخاص المتأثرين بهذه القرارات يواجهون في كثير من الأحيان صعوبة في معرفة الأسباب الحقيقية وراء التصنيف أو التقييم الذي حصلوا عليه.
وفي تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2023 حول استخدام التكنولوجيا في سياسات الهجرة، جرى التحذير من أن الاعتماد المفرط على الأدوات الرقمية قد يحول القرارات الإنسانية المعقدة إلى عمليات حسابية لا تراعي الظروف الفردية لكل طالب لجوء.
دعوات إلى الرقابة والشفافية
في عام 2024 شددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أن أي استخدام للذكاء الاصطناعي في أنظمة اللجوء يجب أن يظل خاضعا للرقابة البشرية، وألا يستخدم لاتخاذ قرارات نهائية تمس الحقوق الأساسية للاجئين وطالبي اللجوء.
وأكدت المفوضية أن التكنولوجيا يمكن أن تسهم في تحسين الخدمات وتسريع الإجراءات، لكنها لا ينبغي أن تحل محل التقييم البشري الفردي.
ومن جهتها، دعت وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي إلى ضمان إمكانية مراجعة أي قرار متأثر بالذكاء الاصطناعي وتمكين الأفراد من معرفة كيفية استخدام بياناتهم والطعن في القرارات التي تمس حقوقهم.
وأبدى المشرف الأوروبي لحماية البيانات فويتشيخ فيفيورفسكي مخاوف من التوسع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر في مجالات الهجرة والحدود، محذرا من أن القرارات الآلية قد تؤثر في حقوق أساسية مثل حق اللجوء وعدم التمييز.
العدالة الإجرائية في مواجهة الخوارزميات
ويرى الدكتور في علم الاجتماع حسان موري، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم طلبات اللجوء لا يتعلق بالتكنولوجيا فقط، بل بطريقة تعامل المؤسسات مع الأفراد، فطلبات اللجوء تستند إلى تجارب إنسانية معقدة تتداخل فيها الحرب والاضطهاد والخوف والانتماء، وهي عناصر يصعب اختزالها في بيانات رقمية أو معايير حسابية، لذلك يخشى الباحثون من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الخوارزميات إلى تجاهل الخصوصية الفردية لكل حالة.
ويشير الدكتور موري في حديثه لـ”صفر” إلى أن التحدي لا يقتصر على دقة الأنظمة المستخدمة، بل يمتد إلى الثقة في المؤسسات والشفافية. فعندما لا يعرف طالب اللجوء كيف جرى تقييم ملفه أو على أي أساس صدر القرار، قد يتراجع شعوره بالعدالة والإنصاف، كما أن الخوارزميات قد تعيد إنتاج تحيزات موجودة في البيانات التي تتعلم منها، ما يجعل بعض الأخطاء أكثر صعوبة في الاكتشاف والمراجعة.
بالنسبة للدكتور موري فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام التكنولوجيا بحد ذاته، بل في ضمان بقاء الإنسان حاضرا في قلب عملية اتخاذ القرار، بحيث تكون الخوارزمية أداة مساعدة للعدالة لا بديلا عنها.
وتكشف التجربتان الأوروبية والكندية أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في أنظمة اللجوء يتجاوز حدود التطور التقني ليصل إلى جوهر الحقوق الأساسية، وبينما تتيح هذه الأدوات فرصا لتحسين الكفاءة وتسريع الإجراءات، يبقى احترام الحق في اللجوء والشفافية والحق في الطعن وعدم التمييز شرطا أساسيا لضمان ألا تتحول الخوارزميات إلى سلطة غير مرئية تؤثر في مصائر البشر دون مساءلة أو رقابة فعالة.

