بعد نحو خمسة عشر عاما على خروجه من الاحتجاز، لا يزال أحمد يسلك طريقاً أطول إلى متجره الصغير، متجنباً المواقع الأمنية التي تستحضر في ذاكرته سنوات التعذيب. الرحلة التي تستغرق عادة عشرين دقيقة تمتد إلى 45 دقيقة، بعدما أمضى أكثر من أربع سنوات ونصف في احتجاز غير قانوني ترك آثارا لم تنته بخروجه.
وفي شهادة نشرتها منصة «جمّار» في سبتمبر/أيلول 2026، تحدث أحمد عن صعوبة استعادة علاقته بزوجته وأطفاله، وعن خوف يرافق تفاصيل حياته اليومية، رغم مرور سنوات على الإفراج عنه.
وتختصر تجربته وجهاً من معاناة أشخاص يغادرون أماكن الاحتجاز دون أن يستعيدوا بالضرورة الشعور بالأمان أو الاستقرار الأسري والاقتصادي.
وبين ضحايا الاحتجاز غير القانوني ومن أنهوا أحكاماً قضائية، تختلف المراكز القانونية، لكن آثار العزلة والوصمة قد تلاحق الفئتين، وتعرقل الحق في العمل والاندماج والحياة الكريمة.

وصمة تمتد إلى الأسرة
تتجاوز صعوبات العودة إلى المجتمع فقدان العمل أو انقطاع العلاقات المهنية. فقد يواجه المفرج عنهم أحكاما اجتماعية مسبقة تجعل ماضيهم عائقا أمام فرص جديدة، فيما تمتد تداعيات الاحتجاز أحيانا إلى أفراد الأسرة.
وفي بغداد، وثّقت شبكة إعلامية عام 2023 تجربة طالب المجلي، الذي قال إنه أمضى 16 شهرا في سجن أبو غريب دون توجيه تهمة إليه، وخرج مثقلا بآثار صحية ونفسية أعاقت حصوله على عمل مستقر، واضطر للاعتماد على أعمال متفرقة لتأمين معيشته، بينما تعرض أبناؤه للتنمر بسبب تجربة والدهم.
وتكشف حالته أن الإفراج لا يعالج تلقائياً أضرار الاحتجاز، خصوصاً حين يكون غير قانوني. فهؤلاء لا يحتاجون إلى فرص الاندماج وحدها، بل قد تكون لهم أيضا حقوق في الإنصاف وجبر الضرر، بحسب ملابسات كل حالة.

آلاف يغادرون السجون.. ومصيرهم غير واضح
بحسب بيانات وزارة العدل العراقية، أُفرج خلال عام 2025 عن 15,914 نزيلاً من سجون دائرة الإصلاح العراقية، بينهم 10,931 شملهم قانون العفو العام، و4,983 أُطلق سراحهم بموجب قرارات قضائية مختلفة.
تكشف الأرقام حجم الإفراجات، لكنها لا توضح عدد الذين حصلوا على وظائف أو استفادوا من خدمات الرعاية اللاحقة، ولا تقدم مؤشرات عن استقرارهم الأسري والاقتصادي، كما لا تتضمن البيانات المذكورة حصيلة وطنية منشورة لمعدلات العودة إلى الجريمة بين المفرج عنهم، ما يجعل قياس أثر برامج التأهيل بعد الخروج أمرا صعبا.
الرعاية اللاحقة.. التزام قانوني
أقر قانون إصلاح النزلاء والمودعين العراقي رقم 14 لسنة 2018 مبدأ الرعاية اللاحقة، بوصفها رعاية تقدم للنزيل بعد انتهاء مدة حكمه لمساعدته على تلبية احتياجاته والاستقرار والاندماج في المجتمع.
وتنص المادة 58 على تنسيق دائرتي الإصلاح العراقية وإصلاح الأحداث مع الجهات المعنية لتأمين هذه الرعاية وتسهيل التحاق المفرج عنهم بالعمل.
أما المادة 59، فتحدد المهام وتشمل التنسيق لتوفير قروض للمشاريع الصغيرة، والتأهيل الاجتماعي، ورعاية العلاقات الأسرية، والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لتقديم التدريب وفرص العمل والمساعدات المالية والمأوى للمحتاجين.
وبذلك، يتجاوز القانون مفهوم التأهيل داخل السجن إلى التزامات تتعلق بالحياة بعد الإفراج. غير أن وجود النصوص لا يكشف وحده مدى تنفيذها أو عدد المستفيدين منها.

وزارة العدل: برامج للتأهيل والمتابعة
يؤكد أحمد لعيبي عبد الحسين، المتحدث الرسمي باسم وزارة العدل العراقية، أن الوزارة تتعامل مع السجون باعتبارها مؤسسات للإصلاح والتهذيب والتأهيل، وليس مجرد أماكن للاحتجاز.
ويوضح في حديثه لمنصة «صفر» أن المؤسسات الإصلاحية تنفذ برامج تعليمية ومهنية ونفسية بالتعاون مع مكاتب أممية ومنظمات مجتمع مدني وباحثين اجتماعيين.
ويشير إلى أن أكثر من 850 نزيلاً تقدموا لمواصلة تعليمهم في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية والجامعية، إلى جانب ورش مهنية في الخياطة والحدادة والنجارة، وأنشطة في الرسم والموسيقى والفنون.
ويضيف أن الوزارة تنفذ برامج متابعة بعد الإفراج في بعض الحالات، لدعم التأهيل النفسي والاندماج الأسري والمجتمعي والحد من العودة إلى السلوك الإجرامي، مشددا على أن انتهاء العقوبة يعني انتهاء السجن، مع استمرار متابعة بعض الحالات ضمن برامج الرعاية اللاحقة.
لكن التصريحات لا تحدد عدد المستفيدين من المتابعة بعد الإفراج، أو مدتها، أو نتائجها في الحصول على العمل والسكن والدعم النفسي، وهي مؤشرات ضرورية لتقييم فاعلية البرامج.
الحق في العمل بعد انتهاء العقوبة
يرى الدكتور مأمون أبو زيتون، المتخصص في القانون الجنائي، أن العقوبة لا ينبغي أن تتحول إلى حرمان دائم من الحقوق والفرص بعد انتهاء مدتها.
ويقول لمنصة «صفر» إن قانون إصلاح النزلاء والمودعين أقر الرعاية اللاحقة لضمان اندماج المفرج عنهم، ونص على تسهيل التحاقهم بالعمل وتوفير التدريب وفرص إنشاء المشاريع الصغيرة.
ويؤكد أن مسؤولية الدولة لا تنتهي بتنفيذ العقوبة، بل تمتد إلى تفعيل التأهيل المهني والاجتماعي، محذرا من أن رفض توظيف المفرج عنه لمجرد ماضيه، دون وجود قيد قانوني مرتبط بطبيعة الوظيفة أو الجريمة، قد يحول العقوبة إلى وصمة مستمرة.
ولا تعني حماية هذه الحقوق تجاهل حقوق الضحايا أو متطلبات سلامة المجتمع، بل ضمان ألا تتحول العقوبة المحددة قانونا إلى إقصاء اجتماعي مفتوح.
ما بعد الإفراج.. اختبار الدولة
تبدأ استعادة الحياة خارج السجن، حيث يحتاج المفرج عنهم إلى فرص عمل فعلية، ورعاية نفسية واجتماعية، وسكن آمن، وإعادة بناء الروابط الأسرية. أما ضحايا الاحتجاز غير القانوني، فتبرز إلى جانب هذه الاحتياجات مسألة الإنصاف وجبر الضرر.
وبين النصوص القانونية والبرامج التي تعلنها وزارة العدل، تبقى حلقة أساسية بحاجة إلى إجابة: من يتابع حياة المفرج عنهم، وكيف تقاس نتائج الرعاية التي يفترض أن تساعدهم على الاندماج؟.
إن نشر بيانات عن المستفيدين وفرص العمل والخدمات المقدمة، وتوفير آليات واضحة للمطالبة بالرعاية والإنصاف، من شأنه أن يحول الالتزامات القانونية إلى حقوق قابلة للمتابعة والمساءلة؛ فنجاح الإصلاح لا يقاس بعدد من يغادرون السجون وحده، بل بقدرة الدولة على ضمان ألا تظل أبواب العمل والحياة الكريمة مغلقة أمامهم بعد الإفراج.
