منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العراق.. سنوات خلف القضبان قبل المحاكمة وحق الحرية تحت وطأة الانتظار

26 أكتوبر 2026
العراق.. سنوات خلف القضبان قبل المحاكمة وحق الحرية تحت وطأة الانتظار
العراق.. سنوات خلف القضبان قبل المحاكمة وحق الحرية تحت وطأة الانتظار

كان غزوان في الخامسة عشرة حين اعتُقل في محافظة الأنبار بتهمة الارتباط بأعمال إرهابية، ومرت ست سنوات قبل أن تبرئه محكمة الجنايات المركزية، وحين صدر قرار البراءة، احتاج إلى نحو تسعين يوماً أخرى حتى يغادر السجن.

دخل غزوان طفلاً وخرج شاباً، وبين العمرين تنقل بين سجون ومراكز تحقيق، وغاب عن المدرسة وأسرته وحياة لم تتح له فرصة عيشها، وثقت شبكة «نيريج» قصته في تحقيق نشرته عام 2019، كاشفة أن انتهاء القضية قضائياً لم يكن كافياً لإنهاء احتجازه فوراً.

تختصر تجربته أحد أكثر جوانب التوقيف المطول قسوة في العراق، فالسنوات التي يقضيها المتهم خلف القضبان قبل الفصل في قضيته لا يمكن استعادتها، حتى عندما تنتهي الإجراءات بقرار البراءة.

من إجراء مؤقت إلى سنوات احتجاز

يجيز القانون توقيف المتهم قبل المحاكمة عندما تقتضي ذلك ضرورات التحقيق أو ضمان حضوره أو حماية الأدلة، غير أن الإجراء الذي يفترض أن يبقى استثنائياً قد يمتد بفعل تأخر التحقيقات وتراكم القضايا وصعوبة الوصول إلى الدفاع القانوني.

وفي تقرير أصدرته بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عام 2021، وردت حالة محتجز في محافظة نينوى أمضى 21 شهراً رهن التوقيف قبل أن تقرر المحكمة الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة. ولا تكفي مدة الاحتجاز وحدها للحكم بعدم مشروعيته، لكنها تفرض التدقيق في أسباب تمديده، ومدى استمرار ضرورته، وفرص المحتجز في الاعتراض عليه أمام القضاء.

سجون تتجاوز طاقتها وملفات تنتظر الحسم

بلغ عدد نزلاء السجون العراقية نحو 67 ألف شخص في مايو/أيار 2026، مقابل طاقة استيعابية رسمية تقارب 25 ألف مكان، وفق بيانات معهد أبحاث السياسات الجنائية، وتعني هذه الأرقام أن نسبة الإشغال وصلت إلى نحو 268%. أما أحدث نسبة متاحة لدى المعهد للموقوفين احتياطياً فتبلغ 29.8%، لكنها تعود إلى مايو/أيار 2021، ولا تعكس بالضرورة واقع عام 2026.

وتكشف بيانات أخرى جانباً من تعثر الإجراءات؛ ففي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان لعام 2024، أفاد مسؤولون عراقيون بتوجيه اتهامات إلى نحو 30 ألف محتجز بين فبراير/شباط وأكتوبر/تشرين الأول، في حين كان نحو 27 ألفاً آخرين بانتظار توجيه اتهامات إليهم.

وتختلف الفترات والفئات القانونية التي تغطيها هذه الإحصاءات، فلا يمكن جمعها في حصيلة واحدة للموقوفين قبل المحاكمة.

ويربط التقرير الأمريكي طول الاحتجاز ببطء التحقيقات وتراكم الملفات ونقص القضاة والكوادر القضائية المدربة، فضلاً عن ضعف استخدام الكفالة وبدائل التوقيف ومشكلات تبادل المعلومات بين الجهات المعنية.

ضمانات قانونية واختبار التطبيق

ينظم قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 المعدل التوقيف وإخلاء السبيل، وتحدد المادة 109 مدة التوقيف بخمسة عشر يوماً في كل مرة، وتضع ضوابط لتمديده، على ألا يتجاوز مجموعه في الأصل ربع الحد الأقصى للعقوبة أو ستة أشهر، إلا وفق الإجراءات والاستثناءات التي يقررها القانون، ومنها أحكام الجرائم المعاقب عليها بالإعدام.

وتنظم المادة 110 الإفراج بتعهد مع كفالة أو دونها في الحالات التي يجيزها القانون، لكن وجود هذه الضمانات لا يحسم وحده مدى فاعليتها. فالموقوف الذي يتعذر عليه الوصول إلى محامٍ، أو تتكرر قرارات تمديد احتجازه دون مراجعة فعالة لضرورتها، قد يبقى محروماً من حريته رغم أن قضيته لم تصل إلى حكم نهائي.

وفي تقريرها لعام 2024، أشارت الخارجية الأمريكية إلى احتجاز أشخاص في العراق أشهراً أو سنوات دون محاكمة، خصوصاً في قضايا مرتبطة بمكافحة الإرهاب، وإلى صعوبات في الوصول إلى المحامين والمثول أمام القضاء.

وزارة العدل تحدد مسؤوليتها

قال المتحدث الرسمي باسم وزارة العدل العراقية أحمد لعيبي عبد الحسين، في تصريح لـ«صفر»، إن الوزارة تتولى استقبال الأشخاص بعد صدور الأحكام القضائية واستكمال إجراءات إيداعهم في الأقسام الإصلاحية التابعة لها.

وأوضح أن الوزارة لا تستقبل ضمن هذه المؤسسات الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، وأن إيداع المحكوم عليهم يجري وفق تصنيفات تراعي طبيعة كل حالة، في حين تتولى الوزارة إدارة شؤونهم وفق الأنظمة المعمول بها.

ويحدد التصريح نطاق مسؤولية الوزارة، لكنه يبرز في الوقت نفسه أهمية التمييز بين المؤسسات الإصلاحية المخصصة للمحكوم عليهم ومرافق الاحتجاز التي تسبق صدور الأحكام، خصوصاً مع تعدد الجهات المعنية بإدارة تلك المرافق.

قرينة البراءة لا تتوقف عند باب السجن

يرى المحامي والمختص في القانون وحقوق الإنسان أحمد حمدي، في حديث لـ«صفر»، أن التوقيف الاحتياطي يجب أن يبقى استثناءً تفرضه ضرورة التحقيق، لا وسيلة لإبقاء المتهمين محتجزين فترات طويلة قبل ثبوت إدانتهم.

ويحذر من أن استمرار التوقيف دون مبررات موضوعية أو مراجعة قضائية فعالة قد يشكل احتجازاً تعسفياً، حتى إذا صدرت قرارات بتمديده؛ لأن كل تمديد يجب أن يستند إلى الضرورة والتناسب.

ويشدد حمدي على ضمان المحاكمة خلال مدة معقولة، والاستعانة بمحامٍ، وتمكين المحتجز من الدفاع عن نفسه، وتفعيل البدائل القانونية للتوقيف.

وتنسجم هذه الضمانات مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضم إليه العراق. فالمادة التاسعة تحمي الحق في الحرية، وتوجب المثول سريعاً أمام القضاء وإتاحة الطعن في قانونية الاحتجاز، وتؤكد أن التوقيف قبل المحاكمة ينبغي ألا يكون القاعدة العامة.

أما المادة الرابعة عشرة فتكفل قرينة البراءة والمحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. وتبقى حماية المحتجز من التعذيب والمعاملة المهينة وضمان تواصله مع محاميه وأسرته من الواجبات التي لا يسقطها الاشتباه أو خطورة التهمة.

ما تغفله أعداد السجناء

لا توفر البيانات المنشورة صورة دورية مكتملة عن أعداد من تجاوز توقيفهم ستة أشهر، أو عدد مرات تمديد الاحتجاز، أو حالات الإفراج بعد سنوات من الانتظار. كما تفتقر إلى تفصيل كافٍ بحسب المحافظة ونوع التهمة والجهة المسؤولة عن الاحتجاز.

ويحد هذا النقص من القدرة على تقييم الالتزام بالمدد القانونية، والكشف عن التأخير غير المبرر، وتحديد الحالات التي تستدعي المساءلة.

وهناك جانب آخر لا تقيسه إحصاءات السجون، ويكمن فيما يخسره الموقوف من تعليم وعمل وروابط أسرية، وما يحتاج إليه بعد الإفراج لاستعادة حياته، وعندما يثبت أن احتجازه كان غير مشروع، يبرز حقه في الانتصاف وجبر الضرر، أما صدور البراءة وحده فلا يعني تلقائياً أن جميع إجراءات التوقيف السابقة كانت مخالفة للقانون.

حصل غزوان على البراءة، لكنه خرج بعدما مضت ست سنوات من عمره، ثم ثلاثة أشهر إضافية في انتظار تنفيذ الإفراج. لم تستطع المحكمة أن تعيد إليه طفولته، ولا أن تمحو أثر الغياب عن أسرته ومدرسته أو تعوضه عن وقته المهدور.

وتتجاوز قضيته مصير شخص واحد إلى مسؤولية ضمان ألا يصبح الزمن الذي تستغرقه الإجراءات القضائية عقوبة يتحملها من لم تثبت إدانتهم، وأن يجد من تعرض لاحتجاز غير مشروع طريقاً واضحاً إلى الإنصاف، لا مجرد باب يفتح له بعد سنوات.