- فتح تسارع النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي وتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية نافذة جديدة أمام الدول العربية للانتقال من موقع متابعة التحولات التكنولوجية إلى المشاركة في صياغة القواعد التي ستحكمها مستقبلاً.
وبرزت هذه الإمكانية بصورة واضحة في أكتوبر 2024، عندما استضافت العاصمة المغربية الرباط أول مؤتمر عالمي حول دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز تنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بتنظيم مشترك بين السلطة الوطنية المغربية والمنظمة الدولية.
وشارك في المؤتمر ممثلون وخبراء وصناع سياسات وفاعلون من الصناعة من 46 دولة طرفاً ومن مختلف المجموعات الإقليمية، في واحدة من أكبر الفعاليات التي نظمتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خارج مقرها في لاهاي.
وتختلف الوثائق الرسمية قليلاً في عدّ المشاركين، إذ يشير البيان المشترك للمؤتمر إلى نحو 200 مشارك، بينما أشارت تقارير رسمية لاحقة للمنظمة إلى 190 مشاركاً.
فوائد ومخاطر الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر دلالة الحدث على استضافة مؤتمر دولي، بل تكمن في وضع دولة عربية في قلب النقاش الذي سبق إعداد تقرير المنظمة المتخصص بشأن AI والصادر في مارس/آذار 2026.
وقد أكد المدير العام للمنظمة خلال افتتاح مؤتمر الرباط أن الهدف كان فهم فوائد ومخاطر الذكاء الاصطناعي على مهمة القضاء على الأسلحة الكيميائية وتحديد الكيفية التي ينبغي أن تستجيب بها المنظمة والدول الأطراف.
حقوقياً، يطرح ذلك سؤال المشاركة العادلة في صناعة القواعد الدولية.
فالقرارات المستقبلية المتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات وبناء القدرات والاستخدامات السلمية قد تؤثر في جميع الدول، وبالتالي لا ينبغي أن تظل صياغتها حكراً على الدول التي تمتلك أكبر الشركات أو الموارد التكنولوجية.
معرفة عربية متخصصة
هنا يمكن للعالم العربي أن يقدم قيمة تتجاوز تبني أدوات AI أو الاستثمار فيها، فالمطلوب هو وجود خبراء عرب داخل النقاشات العلمية والقانونية، وربط السلطات الوطنية بالجامعات ومراكز البيانات والقطاعات الصناعية، وتطوير معرفة عربية متخصصة حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعلوم الكيميائية والقانون الدولي.
كما أن التفاوت بين الدول العربية في القدرات الرقمية يمكن التعامل معه بصورة مختلفة. فبدلاً من أن يتحول إلى فجوة داخل المنطقة، يمكن بناء نماذج للتعاون والتدريب وتبادل الخبرات، بحيث تستفيد الدول ذات القدرات الأقل من الخبرة الموجودة في دول أخرى.
ويتطلب ذلك أن تتجاوز المشاركة العربية نموذج الحضور في المؤتمرات إلى تقديم أوراق سياسات، ومقترحات لبناء القدرات، ومبادرات تدريب إقليمية، والمشاركة في مجموعات الخبراء التي ستؤثر في شكل الحوكمة المستقبلية.
التعامل مع الذكاء الاصطناعي
المرحلة الحالية تحمل أهمية خاصة لأن القواعد لم تستقر بعد. ولا يزال المجتمع الدولي في طور تحديد كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي داخل نظام حظر الأسلحة الكيميائية.
ولهذا فإن المشاركة المبكرة تحمل قيمة سياسية وحقوقية مضاعفة: فهي تضمن ألا تصبح المنطقة العربية مجرد مستهلك لمعايير وضعتها جهات أخرى، وتدعم في الوقت نفسه حق دول المنطقة في المشاركة المتكافئة في القرارات الدولية المتعلقة بالتكنولوجيا والأمن والاستخدام السلمي للعلم.
ومن الرباط إلى لاهاي، تبدو الفرصة متاحة أمام الدول العربية لتطوير حضور يتجاوز التمثيل الدبلوماسي التقليدي إلى المساهمة الفعلية في بناء قواعد الجيل القادم من الأمن الكيميائي الدولي.