منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن الحراك المجتمعي.. مبادرات أمريكية تشرك الأطفال في صناعة الوعي المدني

28 يونيو 2026
طفلة تشارك في النشاط المدني بمدينة نيويورك
طفلة تشارك في النشاط المدني بمدينة نيويورك

تشهد مدينة نيويورك الأمريكية اتجاها متناميا نحو إشراك الأطفال في الأنشطة المدنية والمجتمعية، في ظل سعي عدد من المؤسسات الدينية والمبادرات الأهلية والعائلات إلى دمج الأجيال الصغيرة في النقاشات العامة والقضايا الاجتماعية التي تؤثر في حياتهم اليومية.

ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه الأسر الأمريكية تحديات متشابكة، تشمل سياسات الهجرة، وتداعيات الصراعات الدولية، وأزمة المناخ، وهو ما دفع العديد من الآباء والمنظمات إلى البحث عن وسائل تربوية تساعد الأطفال على فهم هذه القضايا والمشاركة في خدمة مجتمعاتهم بطريقة تناسب أعمارهم.

وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن عددا من الكنائس والمبادرات المجتمعية في نيويورك بدأ تطوير برامج تدمج الأطفال في الأنشطة المدنية بدلا من عزلهم عن القضايا العامة، انطلاقا من قناعة بأن الأطفال لا يقتصر دورهم على التعلم داخل الفصول الدراسية، بل يستطيعون أيضا الإسهام في العمل المجتمعي واكتساب قيم المشاركة والمسؤولية منذ سن مبكرة. وأوضحت الصحيفة أن هذه المبادرات اكتسبت زخما أكبر مع تصاعد النقاشات حول الهجرة والتغير المناخي والاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة.

تعليم المشاركة منذ الطفولة

تقدم كنيسة جودسون التذكارية في نيويورك نموذجا مختلفا لهذا التوجه، إذ قررت دمج الأطفال في الأنشطة الرئيسية للكنيسة بدلا من تخصيص برامج منفصلة لهم خلال قداس الأحد. ويهدف هذا الأسلوب إلى منح الأطفال فرصة للمشاركة المباشرة في النقاشات والأنشطة التي تتناول قضايا العدالة الاجتماعية والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.

وخلال أحد التجمعات، وقفت الطفلة نوفا، البالغة من العمر سبع سنوات، أمام الحضور لتقرأ مقاطع من كتاب موجه للأطفال يتناول مفاهيم البناء المجتمعي والتعاون. ودعت الحاضرين إلى التفكير في الأدوار التي يمكن لكل فرد أن يؤديها لخدمة مجتمعه، الأمر الذي دفع المشاركين إلى مناقشة أفكار عملية مثل مساعدة الجيران، وتقديم الدعم للأسر المحتاجة، والمشاركة في الأنشطة البيئية والحقوقية.

الأطفال شركاء في العمل المجتمعي

يرى القائمون على هذه المبادرات أن إشراك الأطفال في الأنشطة المدنية يعزز لديهم الشعور بالمسؤولية والانتماء، ويمنحهم فرصة لفهم القضايا العامة بطريقة تتناسب مع مراحلهم العمرية.

وأكد ستيف ريد، مدير مدرسة الأحد في كنيسة جودسون، أن الأطفال لا يمثلون فئة تتلقى دروسا عن العدالة فقط، بل يشاركون بصورة فعلية في ممارسات تعزز قيم التعاون والمواطنة، وهو ما يساعدهم على بناء شخصية أكثر ارتباطا بمجتمعهم.

وينعكس هذا التوجه أيضا على طبيعة الأنشطة التي تنظمها الكنيسة، حيث يشارك الأطفال في ورش للرسم والأعمال الفنية والمبادرات التطوعية، إلى جانب حضور الحوارات المجتمعية التي تناقش قضايا تمس حياتهم اليومية.

العائلات تبحث عن أساليب جديدة

تواجه كثير من الأسر الأمريكية تحديا متزايدا في شرح الأحداث السياسية والاجتماعية المعقدة لأطفالها، خاصة مع تكرار مشاهد الاحتجاجات، وتصاعد النقاشات المتعلقة بسياسات الهجرة، واستمرار الحديث عن الحروب والتغير المناخي.

وقالت إليزابيث هامبي، مؤسسة مبادرة بذور في برونكس، إن كثيرا من الآباء يشعرون بعدم وجود نموذج واضح لتربية الأطفال في ظل هذه المتغيرات المتسارعة، لذلك تسعى المبادرة إلى توفير مساحة تسمح للعائلات بالحوار وتبادل الخبرات والبحث عن وسائل تساعد الأطفال على فهم ما يدور حولهم دون إثارة الخوف أو القلق لديهم.

وتنظم المبادرة لقاءات شهرية تجمع عشرات العائلات، حيث يقرأ الأطفال كتبا تتناول الحقوق المدنية والتعاون المجتمعي، بينما يناقش الآباء التحديات التي تواجههم في تربية أبنائهم خلال هذه المرحلة.

الاحتجاج جزء من التجربة اليومية

يشير عدد من المشاركين في المبادرة إلى أن الأطفال الذين ولدوا خلال السنوات الأخيرة نشأوا وسط أجواء اتسمت بكثرة الاحتجاجات والنقاشات العامة، بداية من المظاهرات المرتبطة بحركة حياة السود مهمة، مرورا بالفعاليات المؤيدة للقضية الفلسطينية، ووصولا إلى الاحتجاجات التي تعارض سياسات الإدارة الأمريكية.

ويقول إدواردو ريغا كالف إن ابنته الصغيرة اعتادت رؤية المسيرات والشعارات في الشوارع منذ سنواتها الأولى، ولذلك يحرص على شرح أهداف هذه التحركات بطريقة مبسطة تساعدها على فهم أهمية المشاركة المدنية واحترام اختلاف الآراء.

وتشارك مجموعة بذور في برونكس بانتظام في عدد من الفعاليات العامة، حيث يحمل الأطفال اللافتات ويقودون الهتافات باستخدام مكبرات صوت صغيرة أعدت خصيصا لهم، في تجربة يرى المنظمون أنها تمنحهم الثقة بالنفس وتشجعهم على التعبير عن آرائهم بصورة مسؤولة.

المناخ والعمل المجتمعي

امتد هذا النهج إلى مبادرات تهتم بقضايا المناخ، من بينها منظمة عائلات المناخ في نيويورك، التي توسعت منذ تأسيسها عام 2019 لتضم آلاف الأعضاء.

وتنظم المنظمة لقاءات في الحدائق العامة وورش عمل تعليمية للأطفال، كما تشجع الأسر على المشاركة في دعم التشريعات البيئية المحلية.

وتؤكد ليئات أولينيك، مديرة البرامج والاتصالات في المنظمة، أن إشراك الأطفال في هذه الأنشطة يساعدهم على إدراك أهمية حماية البيئة منذ سنواتهم الأولى، ويمنحهم فرصة للتعرف على مؤسسات صنع القرار وآليات العمل المدني.

وأضافت أن طفلتها شاركت معها في زيارة إلى مبنى برلمان ولاية نيويورك دعما لمشروع قانون يتعلق باستخدام ألواح الطاقة الشمسية، مشيرة إلى أن هذه التجارب العملية تترك أثرا تعليميا أعمق من الاكتفاء بالشرح النظري داخل المنزل أو المدرسة.

امتداد لتقاليد أمريكية قديمة

يرى القائمون على هذه المبادرات أن إشراك الأطفال في العمل المجتمعي لا يمثل فكرة جديدة، بل يستند إلى تجارب تاريخية شهدتها الولايات المتحدة خلال حركة الحقوق المدنية، عندما لعبت الكنائس دورا محوريا في تنظيم الفعاليات وإشراك العائلات في النضال السلمي.

واستعادت شيان ويب كريستبرغ، التي شاركت في طفولتها في إحدى فعاليات حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ، ذكرياتها مع تلك المرحلة، مؤكدة أن كينغ حرص على إشراك الأطفال في النقاشات المتعلقة بالمساواة والحقوق، لأن بناء الوعي يبدأ في سن مبكرة، وهو النهج الذي تحاول بعض المؤسسات اليوم إعادة إحيائه بوسائل تناسب الواقع الحالي.

يشهد المجتمع الأمريكي منذ سنوات تناميا في المبادرات التي تركز على التربية المدنية للأطفال، بالتوازي مع تصاعد النقاشات حول قضايا العدالة الاجتماعية والهجرة والتغير المناخي والمشاركة السياسية. ويعتمد هذا التوجه على مفهوم التربية بالمشاركة، الذي يشجع الأطفال على اكتساب قيم المواطنة من خلال الممارسة العملية والعمل التطوعي والحوار المجتمعي، بدلا من الاقتصار على المناهج الدراسية التقليدية. وتشير دراسات تربوية إلى أن مشاركة الأطفال في أنشطة مجتمعية تناسب أعمارهم تسهم في تنمية مهارات الحوار والتفكير النقدي والعمل الجماعي، مع تأكيد المختصين أهمية مراعاة المرحلة العمرية للأطفال، والتمييز بين تعزيز الوعي المدني وبين تحميلهم أعباء الصراعات السياسية أو الضغوط النفسية التي تتجاوز قدرتهم على الاستيعاب.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print