منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من “بيت المرايا” إلى البرلمان.. ذاكرة المختفين في بنغلاديش تتحول لمعركة من أجل العدالة

28 يونيو 2026
ذاكرة المختفين تتحول لمعركة من أجل العدالة في بنغلاديش
ذاكرة المختفين تتحول لمعركة من أجل العدالة في بنغلاديش

لم تبدأ معركة آلاف العائلات في بنغلاديش عند لحظة اختفاء أبنائها، ولم تنتهِ بسقوط السلطة التي ارتبط اسمها بسنوات طويلة من القمع.. فبين جدران زنزانات سرية، وملفات تحقيق لم تكتمل، وصور تحاول تثبيت الوجوه قبل أن تبتلعها الذاكرة، يتشكل ملف الاختفاء القسري باعتباره أحد أكثر ملفات الحقوق الأساسية تعقيداً؛ إذ لا يتعلق فقط بالحق في الحياة أو الحرية، بل أيضاً بحق العائلات في معرفة الحقيقة، والحق في العدالة، وعدم الإفلات من العقاب.

وثقت لجنة تحقيق في بنغلاديش ما يقرب من 1600 حالة اختفاء قسري، لكنها رجحت أن العدد الحقيقي يتراوح بين 4000 و6000 حالة، في ظل استمرار خوف الضحايا وعائلاتهم من الإدلاء بشهاداتهم، وبينما جاءت حكومة جديدة بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، بدأت تظهر مخاوف من تراجع مسار المحاسبة قبل أن يصل إلى نهايته.

دخلت قصة “بيت المرايا” إلى المجال العام باعتبارها إحدى أكثر الصور تعبيراً عن ذلك الإرث.. كان المكان موقع احتجاز سرياً داخل مقر القوات المسلحة في دكا، تُنقل إليه مجموعات من الرجال ثم تختفي آثارهم، الزنازين كانت ضيقة ورطبة، لا يتجاوز عرض الواحدة منها متراً تقريباً، والجدران حملت أسماءً وصلوات ورسائل وخدوشاً تركها محتجزون.

وفي فبراير 2026 ظهر نموذج مطابق لهذا الموقع بعد نقله إلى حديقة رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة الشيخة حسينة واجد داخل المجمع الذي حكمت منه البلاد مدة 15 عاماً، تحولت المباني لاحقاً إلى ما وصف بأنه “متحف للفاشية”، لكنها بقيت مغلقة أمام الجمهور.

جاء ذلك بعد أشهر من الاضطرابات التي أعقبت “ثورة الرياح الموسمية” عام 2024، والتي قُتل خلالها 1400 شخص خلال ثلاثة أسابيع. وبعد مغادرة حسينة إلى الهند، بدأ البحث داخل إرث الحكم السابق، من السجلات الإدارية والمكالمات الخاصة إلى ملف أكثر تعقيداً: آلاف الأشخاص الذين اختفوا داخل شبكة سرية من أماكن الاحتجاز.

وثق المصور والناشط، مصفيق الرحمن جوهان، هذا الملف منذ ما قبل سقوط السلطة، وعلى الرغم من أنه لم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره، فإنه كرس عمله لتسجيل وجوه المختفين وعائلاتهم، محاولاً نقل القضية من مستوى الأرقام إلى مستوى الحياة اليومية التي توقفت فجأة.

وقال جوهان خلال حديثه عن جولاته داخل المتحف: “بعد الانتفاضة، اعتقدنا أن العائلات ستحصل على العدالة، لكن ذلك لم يحدث، والآن نحن عالقون”، وأضاف: “علينا أن نجعل الناس يعرفون ما الذي حدث هنا”.

قبور بلا أجساد

أشار جوهان إلى منصة ترابية دائرية أمام المبنى، كانت يوم سقوط حسينة مساحة للاحتفال بما وصفه المحتجون آنذاك بـ”بنغلاديش 2.0″، لكن المكان تغير لاحقاً، إذ امتلأت الأرض بآلاف التلال الصغيرة التي تمثل قبوراً رمزية لأشخاص لم يُعثر عليهم.

ونُقش على حافة المنصة أكثر من 4500 اسم، قال جوهان إنها تعود لبعض القتلى والمختفين خلال سنوات الحكم السابقة.

وسط هذه الأسماء برز اسم سومون، شقيق مهندسة النسيج سنجيدة إسلام تولي، وهو ناشط متوسط المستوى في حزب المعارضة الرئيسي آنذاك، اختفى عام 2013 ولم يظهر مجدداً.

تلقت العائلة، لمدة عامين، إشارات متقطعة تفيد بأنه لا يزال على قيد الحياة ومحتجز لدى كتيبة التدخل السريع (RAB)، ثم توقفت المعلومات بالكامل.

تركت تولي عملها وأسست منظمة “نداء الأمهات”، لتصبح مساحة تجمع لعائلات المختفين، ثم توسعت المنظمة تدريجياً لتضم مئات النساء اللواتي يواجهن فقداً من نوع مختلف، فقداً لا يترك جثماناً ولا يقيناً.

وقالت تولي: “الضحية ليست فقط الشخص الذي أخذتموه، بل نحن جميعاً، كل العائلات التي تحطمت نفسياً واقتصادياً، والأطفال الذين كبروا دون أن يعرفوا ماذا حدث لآبائهم”.

واجهت تلك العائلات عزلة اجتماعية وسياسية، وفي ظل محدودية الوصول إلى القضاء والإعلام، أصبحت اللقاءات التي تنظمها المنظمة تجمع بين الاحتجاج ومحاولة التكيف مع الصدمة.

روت إحدى المشاركات أنها اضطرت إلى ترك مدرستها العسكرية بعد اختفاء والدها، في حين تحدثت أسرة أخرى عن شخص عاد بعد ثماني سنوات من الاحتجاز السري ليجد أبناءه عاجزين عن الدراسة أو التركيز.

بدأ جوهان العمل مع هذه العائلات عام 2018، ثم انضم إلى المنظمة عام 2021، قائلاً :”كنا جميعاً نعرف أشخاصاً اختفوا”، ومع الوقت، انتقل من توثيق البيانات إلى توثيق أثر الغياب نفسه.

ومن دون تدريب رسمي، التحق بدورة عبر الإنترنت نظمها برنامج “وورلد برس فوتو”، وأصبح التصوير بالنسبة إليه وسيلة لحماية الذكريات من التآكل.

قال: “أنا أعرف أن والدي توفي، أما هم فلا يعرفون ماذا حدث لأحبائهم، لذلك يصنعون ذكريات تساعدهم على تحمل الفقد”.

بين الذاكرة والعدالة

وثقت صور جوهان عزلة العائلات أكثر مما وثقت الاحتجاجات؛ فتيات يحملن صوراً مكبرة، ونساء يقفن بصمت، ولافتات أصبحت البديل الوحيد عن أجساد لم تعد موجودة.

ومن بين القصص التي وثقها قصة فرزانة التي كانت حاملاً في شهرها السادس عندما اختفى زوجها عام 2013 إلى جانب زوج صديقتها.

نشأ ابنها معتقداً أن والده يعمل في الخارج، قبل أن يفهم تدريجياً معنى الصور والشعارات التي تحملها والدته.

وبعد سقوط حسينة في أغسطس 2024، توجه جوهان وتولي ومتظاهرون إلى مقرات أمنية مختلفة بحثاً عن معتقلين يعتقدون أنهم ما زالوا أحياءً، وانتظروا ثلاثة أيام.

وقال جوهان: “كانوا يكررون أنه لا يوجد أحد هناك”، ومع مرور الوقت، بدأ بعض العائلات يدرك أن كثيرين لن يعودوا.

وصل جوهان لاحقاً إلى ضفاف نهر شيتالاكشيا الذي قالت عائلات إنه تحول إلى مكان لإلقاء الضحايا.

وقال: “كنت أفكر أن الذكريات تتلاشى بالطريقة نفسها التي يجري بها النهر، وأن آثار حياة هؤلاء الناس جرفتها المياه”.

بحلول مايو 2025، توقف عن العمل على ملف الاختفاء القسري، وقال: “لم تعد لدي الشجاعة لمواجهة العائلات”.

لاحقاً، وُجهت اتهامات إلى 25 ضابطاً في الجيش للاشتباه بتورطهم في الاختفاء القسري، لكن القضايا لا تزال مستمرة.

وقالت عضو لجنة التحقيق نبيلة إدريس: “تخيلوا مدى انتشار ذلك خلال 15 عاماً.. مقابل كل حالة مؤكدة نعتقد أن هناك 3 أو 4 حالات أخرى غير معروفة”، وأضافت أن المحاكمات تمثل بداية، لكنها غير كافية إذا لم تُبنَ ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.

وقالت: “من دون وجود رادع للمستقبل، سنُبقي نظاماً قائماً يصنع القتلة”.

وفي المقابل، أكدت حكومة بنغلاديش التزامها بضمان توافق التشريع النهائي مع المعايير الدولية.

وفي مايو أصبحت تولي عضواً في البرلمان عن حزب(BNP)، قالت: “سأعمل على هذا الملف بصفتي نائبة، لكنني أيضاً فرد من عائلة أحد المختفين”.

وأضافت: “عدد قليل جداً من المتورطين تم توقيفهم، ما زال هناك كثيرون ينبغي كشفهم وتقديمهم إلى العدالة”.

أما جوهان، فأنهى روايته بعبارة تلخص ما بقي بعد سنوات التوثيق والبحث: “لم أرَ الأشخاص الذين أعمل من أجلهم أبداً، لكنهم عاشوا داخلي”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print