*صادق خان ومايكل بلومبرغ
هناك تهديدات صحية عامة تستحوذ على عناوين الأخبار العالمية فور وقوعها، مثل كوفيد-19، وإيبولا، والمجاعات. فعندما تضرب هذه الكوارث، تدفع الصور ومقاطع الفيديو التي توثق معاناة الناس ووفاتهم الدول إلى التحرك، والمنظمات الدولية إلى التعاون، والأفراد إلى التبرع بالمال والإمدادات.
لكن أحد أخطر التهديدات التي تواجه البشرية يمر غالباً دون أن يلفت الانتباه، لأنه غير مرئي إلى حد كبير بالنسبة للجمهور، ونادراً ما يحظى بتغطية إعلامية توازي حجم مخاطره.. إنه تلوث الهواء.
ففي كل يوم، يستنشق مليارات الأشخاص هواءً يختصر أعمارهم ويجعلهم أكثر عرضة للأمراض مع كل نَفَس يتنفسونه. ويؤدي تلوث الهواء سنوياً إلى وفاة أكثر من ثمانية ملايين شخص حول العالم، وهو رقم يفوق إجمالي الوفيات الناتجة عن فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا والسل مجتمعة.
إنه خطر يختبئ أمام أعيننا، لكنه لا يرحم. فهو يتسبب في أمراض القلب والرئتين والسرطان والعديد من الحالات المرضية القاتلة الأخرى.
ورغم أن العبء الأكبر يقع على المجتمعات والدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فإن تلوث الهواء ليس مشكلة تخص فئة اجتماعية أو منطقة جغرافية بعينها، بل يمتد عبر مختلف الطبقات والدول.
الخبر السار هو أن هذه المشكلة قابلة للحل.
وليس من الضروري أن ينتظر المواطنون تحرك الحكومات الوطنية حتى تبدأ المعالجة. فالمدن تمتلك القدرة على تنفيذ حلولها الخاصة، ومع اجتماع قادة وخبراء المناخ في لندن خلال أسبوع العمل المناخي، فإن النجاحات التي حققتها لندن ونيويورك في خفض مستويات التلوث تقدم دليلاً عملياً على أن السياسات الجريئة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة رغم المعارضة.
في عام 2016 توقّع خبراء كلية كينغز في لندن أن العاصمة البريطانية ستحتاج إلى ما يقرب من 200 عام للامتثال للحدود القانونية الخاصة بثاني أكسيد النيتروجين في الطرق الرئيسية إذا استمرت الأوضاع دون تدخل.
لكن بفضل إجراءات قوية وحاسمة اتخذتها سلطات المدينة، تحقق هذا الهدف خلال تسع سنوات فقط.
كيف حدث ذلك؟
الجواب بسيط: باتباع البيانات.
فإلى جانب شبكة واسعة من أجهزة المراقبة الثابتة والمتحركة، جرى تركيب أجهزة استشعار منخفضة التكلفة في مختلف أنحاء لندن ضمن برنامج “تنفس لندن”، خاصة في الأماكن التي يعيش فيها الناس ويتعلمون ويعملون، مثل المدارس والمستشفيات والمراكز الثقافية.
لكن البيانات وحدها لا تكفي.
فالنجاح يعتمد على كيفية استخدامها ومن يتعامل معها. ولهذا السبب لم يقتصر البرنامج على جمع المعلومات، بل عمل أيضاً مع قادة المجتمعات المحلية والجمهور لتعزيز الوعي البيئي وتركيب مزيد من أجهزة الاستشعار في المناطق الأكثر احتياجاً.
وقد ساعدت هذه البيانات في تصميم وتنفيذ سياسات فعالة، من بينها منطقة الانبعاثات المنخفضة للغاية “أوليز”، التي تعد أكبر منطقة للهواء النظيف في العالم، إضافة إلى توسيع استخدام الحافلات الخالية من الانبعاثات في شوارع لندن.
وقد كان لهذه الإجراءات أثر حقيقي وملموس في خفض مستويات التلوث بشكل كبير.
ولم يكن اتخاذ هذه القرارات سهلاً، إذ تطلب مواجهة معارضين سياسيين وجماعات ضغط ومصالح اقتصادية مختلفة. لكن النتائج أثبتت أن المصلحة العامة كانت المستفيد الأكبر.
وفي هذا الشهر فقط، أظهرت دراسة جديدة صادرة عن كلية إمبريال في لندن انخفاض أعداد المرضى الذين يدخلون المستشفيات بسبب مشكلات الجهاز التنفسي وأمراض القلب، كنتيجة مباشرة للتأثير الإيجابي لمنطقة “أوليز”.
لقد بنت لندن نجاحها على أسس وتجارب سبقتها إليها مدينة نيويورك، حيث ساعدت أجهزة استشعار جودة الهواء السلطات المحلية على استهداف مصادر التلوث بدقة، ما أدى إلى خفض مستويات التلوث إلى أدنى مستوى تشهده المدينة منذ خمسين عاماً.
وأثبتت المدينتان معاً أن التقدم السريع والقابل للقياس ليس أمراً نظرياً، بل حقيقة يمكن تحقيقها.
كما أثبتتا أن خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء لا يخدمان الصحة العامة والمناخ فحسب، بل يعودان أيضاً بفوائد اقتصادية واضحة، لأن المدن النظيفة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الخاصة.
واليوم تتمثل مهمتنا في مساعدة مدن أخرى على تكرار هذه التجارب الناجحة.
ولهذا أُطلق برنامج “مدن تتنفس” بالشراكة بين مؤسسة بلومبرغ الخيرية وصندوق الهواء النظيف وشبكة المدن العالمية “سي 40”.
ويهدف البرنامج إلى نقل الخبرات والدروس المستفادة إلى مدن العالم المختلفة.
فهو يزود رؤساء البلديات بالأدوات اللازمة لمواجهة المشكلة بشكل مباشر، من خلال توفير بيانات فورية تحدد المناطق الأكثر تلوثاً، وتقديم الدعم الفني لتحويل هذه البيانات إلى سياسات عملية، إضافة إلى بناء شبكة عالمية لتبادل الخبرات والحلول.
وبهذه الطريقة، عندما تنجح تجربة ما في مدينة معينة، يمكن أن تتحول إلى نموذج تحتذي به مدن أخرى حول العالم.
والنتائج الأولية تبعث على التفاؤل.
فقد تم بالفعل نشر نحو 1200 جهاز استشعار للهواء في 14 مدينة مشاركة في البرنامج، بما في ذلك إنشاء أول شبكات محلية فائقة الدقة لرصد التلوث في مدينتي أكرا ونايروبي.
كما التزمت عشر مدن من المدن المشاركة بإنشاء مناطق للهواء النظيف بحلول عام 2030، وهي مناطق يعيش ويعمل فيها أكثر من 18 مليون شخص.
ومن خلال الاعتماد على البيانات، تتعامل المدن مع تلوث الهواء باعتباره قضية صحة عامة بالدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه تحقق تقدماً في مواجهة أزمة المناخ، بدلاً من التراجع عن الالتزامات البيئية كما تفعل بعض الحكومات الوطنية.
فالناس يتوقعون بحق من قادتهم المحليين أن يجعلوا الخروج إلى الشارع آمناً.
ويشمل ذلك حمايتهم من التلوث السام، لأن استنشاق هواء نظيف حق أساسي من حقوق الإنسان.
وكلما ازداد عدد المدن التي تدافع عن هذا الحق وتحميه، أمكن إنقاذ مزيد من الأرواح، وتحقيق تقدم أكبر في مواجهة حالة الطوارئ المناخية التي يشهدها العالم.
*صادق خان عمدة لندن، ومايكل بلومبرغ عمدة مدينة نيويورك السابق.
نقلاً عن الغارديان
