منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

على وقع إنهاء إضراب الأطباء.. هل تحمي زيادة الأجور حق المرضى في العلاج بإنجلترا؟

05 يوليو 2026
إنهاء إضراب الأطباء في بريطانيا بالاتفاق على زيادة الأجور
إنهاء إضراب الأطباء في بريطانيا بالاتفاق على زيادة الأجور

بعد سنوات من نزاع عمالي وإضرابات عطلت آلاف المواعيد الطبية والعمليات الجراحية في مستشفيات إنجلترا، طوى الأطباء صفحة واحدة من أطول النزاعات مع الحكومة البريطانية بإعلان إنهاء تحركاتهم الاحتجاجية، عقب التوصل إلى اتفاق يتضمن تحسين الأجور.

وبينما ترى الحكومة أن الاتفاق يمثل خطوة نحو استقرار الخدمات الصحية، يطرح متخصصون في الشأن الصحي تساؤلات أوسع، فهل تكفي زيادة الرواتب لإنهاء الأزمة التي يعيشها النظام الصحي البريطاني واستعادة حق ملايين المرضى في الحصول على العلاج في الوقت المناسب؟

وكشف الخلاف الذي بدأ حول الأجور عن أزمة أعمق تتعلق بنقص الكوادر الطبية وضغط العمل وتزايد قوائم الانتظار، وهي عوامل يقول خبراء إنها أصبحت تمس أحد أبرز الحقوق الأساسية وهو الحق في الصحة.

وخلال فترة الإضرابات، أجلت أعداد كبيرة من العمليات الجراحية والمواعيد الطبية، في حين واجه مرضى الأمراض المزمنة والسرطان وتأخر التشخيص فترات انتظار طولى، ما أثار انتقادات من جمعيات المرضى التي حذرت من انعكاسات التأخير على فرص العلاج وجودة الحياة.

ورغم أن الأطباء طالبوا بزيادة الأجور لتعويض سنوات من تراجع القوة الشرائية، فإن ممثليهم أكدوا مراراً أن مطالبهم لا تتعلق بالدخل فقط، وإنما أيضاً بتحسين بيئة العمل والاحتفاظ بالأطباء داخل الخدمة الصحية الوطنية، في ظل تزايد الاستقالات والهجرة إلى الخارج.

ضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية

ولا يمثل تحسين ظروف العاملين في القطاع الصحي امتيازاً لفئة مهنية، بل يعد أحد الشروط الأساسية لضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية للمواطنين، في حين كشفت الأزمة عن معادلة معقدة، فالأطباء يمتلكون حقاً مشروعاً في المطالبة بظروف عمل عادلة، وفي المقابل يمتلك المرضى حقا لا يقل أهمية في الحصول على خدمات صحية متاحة دون تأخير غير مبرر.

التحدي الحقيقي أمام الحكومة البريطانية يتمثل في تحقيق التوازن بين الحقين، بحيث لا يتحول أي نزاع مهني إلى سبب لتعطيل وصول المرضى إلى العلاج والحصول على الحق في الصحة.

ورغم الترحيب بإنهاء إضراب الأطباء وغيرهم، تمثل زيادة الأجور جزءاً فقط من الحل، فالنظام الصحي البريطاني يواجه تحديات متراكمة، تشمل نقصاً مستمراً في الأطباء والممرضين، وارتفاع الطلب على الخدمات الصحية، وضغوطاً متزايدة على أقسام الطوارئ، فضلاً عن قوائم انتظار تعد من بين الأطول خلال السنوات الأخيرة.

وقد يسهم تحسين الرواتب في الحد من هجرة الكوادر الطبية واستقطاب مزيد من الأطباء، لكنه لن يؤدي وحده إلى تقليص قوائم الانتظار أو رفع كفاءة الخدمات إذا لم يترافق مع استثمارات كبرى في البنية التحتية الصحية، وتوسيع أعداد العاملين، وتحسين ظروف العمل.

وتنص المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على أن لكل فرد الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية، وهو ما يفرض على الدول توفير خدمات صحية متاحة ويمكن الوصول إليها بجودة مناسبة وفي توقيت ملائم.

الإصلاح قبل زيادة الأجور

قال الحقوقي الدولي عبد المجيد مراري، إن حق المريض في العلاج داخل أوروبا يُعد من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الجميع على قدم المساواة، سواء كان مواطناً أوروبياً أو مهاجراً أو أجنبياً، موضحاً أن المستشفيات الأوروبية تضع تقديم الرعاية الصحية على رأس أولوياتها قبل الاستفسار عن هوية المريض أو وضعه القانوني أو قدرته المالية، حتى إن طلب وثائق الإقامة يأتي في مراحل لاحقة، باعتبار أن الحق في العلاج يسبق أي اعتبارات إدارية أو قانونية.

وأضاف مراري في تصريح لـ”صفر” أن هذا النموذج يختلف جذرياً عما هو معمول به في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُطرح مسائل الإقامة والقدرة المالية قبل الحصول على الخدمات الصحية، حتى في بعض المستشفيات العامة.

ورغم الترحيب بإنهاء إضراب الأطباء في بريطانيا، يرى مراري أن هناك إشكالاً حقوقياً وقانونياً آخر لا يزال قائماً، ويتمثل في أوضاع عدد من الأطباء الأجانب العاملين داخل المستشفيات البريطانية والأوروبية.

وأوضح أن هؤلاء الأطباء غالباً ما يتحملون أعباءً مهنية كبرى، ويؤدون مهامَّ مماثلة أو أكثر من نظرائهم الأوروبيين، لكنهم لا يحصلون على الأجر ذاته، معتبراً أن العقود التي يتم توظيف بعضهم بموجبها تثير إشكالات قانونية وحقوقية، ويمكن الطعن فيها إذا ثبت أنها تنطوي على تمييز في الأجور أو شروط العمل.

وفيما يتعلق بقرار زيادة أجور الأطباء في بريطانيا، اعتبر مراري أنها خطوة ضرورية، لكنها غير كافية لمعالجة الأزمة، موضحاً أن تحسين الرواتب قد يسهم في الاحتفاظ بالأطباء، والحد من هجرتهم إلى الخارج أو انتقالهم إلى القطاع الخاص، كما قد يقلل من احتمالات تكرار الإضرابات التي تسببت في تأجيل مئات الآلاف من المواعيد والعمليات الطبية.

لكنه شدد على أن ضمان حق المرضى في العلاج يتطلب إصلاحات أوسع، تشمل معالجة النقص المزمن في أعداد الأطباء وأطقم التمريض، وتقليص قوائم الانتظار الطويلة للعمليات والعيادات، إلى جانب تطوير الخدمات الصحية، مؤكداً أن زيادة الأجور وحدها لن تكون كافية ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية شاملة داخل المنظومة الصحية.

وحول موجة الإضرابات التي شهدتها بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، منها فرنسا، قال مراري إن هذه الاحتجاجات تعكس تدهور أوضاع المستشفيات العمومية، محملاً الحكومات الأوروبية مسؤولية عدم الاستثمار الكافي في تطوير البنية التحتية الصحية وتحديث التجهيزات والآليات الطبية.

وأشار إلى أن مطالب الأطباء والممرضين لا تقتصر على تحسين الأجور، بل تمتد إلى توفير بيئة عمل أكثر ملاءمة، ما ينعكس على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى. وأضاف أن كثيراً من المستشفيات العمومية بات يعاني نقصاً في التجهيزات الحديثة مقارنة بالمؤسسات الصحية التابعة للقطاع الخاص، إذ باتت أوضاع القطاع الصحي العمومي في أوروبا مصدر قلق متزايداً، وهو ما يفسر تصاعد وتيرة الإضرابات خلال السنوات الأخيرة.

تسوية بلا حسم

من جانبه، قال المحامي الدولي المقيم في بريطانيا محمد أبو شنب، في حديثه لـ”صفر”، إن موافقة الأطباء المقيمين في إنجلترا على العرض الحكومي بعد أكثر من عامين من الشد والجذب تمثل نهاية لأحد أطول النزاعات في القطاع الصحي، لكنها لا تحسم الجدل بشأن الطرف الذي خرج رابحاً من هذه المواجهة، ولا بشأن انعكاس الاتفاق على حق المرضى في الحصول على العلاج.

وأوضح أبو شنب أن الجمعية الطبية البريطانية أعلنت في 30 يونيو الماضي موافقة الأطباء المقيمين على أحدث عرض حكومي، إلا أن قراءة نتائج التصويت تكشف أن القبول لم يكن بالإجماع أو بالحماس المتوقع، ولا سيما أن 53% فقط صوتوا لمصلحة الاتفاق، بمشاركة بلغت 57% من الأعضاء، ما يعني أن النتيجة كانت أقرب إلى تسوية مرهقة منها إلى انتصار واضح لأي من الطرفين.

واستشهد بتصريح رئيس لجنة الأطباء المقيمين، الدكتور جاك فليتشر الذي وصف العرض الحكومي بأنه “كافٍ لمواصلة السير”، إذ اعتبر أبو شنب أن هذه العبارة صيغت بعناية وعكست إقراراً ضمنياً بأن ما تحقق هو تسوية وليس انتصاراً كاملاً للأطباء.

وأشار إلى أن وزير الصحة البريطاني رحب بنتيجة التصويت وعدّها فرصة لإغلاق صفحة الاضطرابات والتركيز على “إعادة بناء” النظام الصحي، متسائلاً: “لكن يبقى السؤال الجوهري: ماذا تعني الحكومة بإعادة البناء؟ وهل تمتلك بالفعل خطة لمعالجة جذور الأزمة، أم إن الأمر يقتصر على إنهاء الإضراب؟”

وأوضح أبو شنب أن الاتفاق يمنح الأطباء المقيمين زيادة في الأجور بنسبة 3.5% خلال السنة المالية 2026-2027، إلى جانب حزمة إصلاحات أوسع ترفع متوسط الأجور بنحو 6.6% بحلول أبريل 2027، فضلاً عن وعود بتحسين برامج التدريب ومسارات الترقية المهنية.

وأضاف: “هذه الأرقام تبدو جيدة على الورق، وتمثل تصحيحاً مهماً بعد سنوات من تآكل القيمة الحقيقية للأجور منذ عام 2008، لكنها تعالج مشكلة الطبيب أكثر مما تعالج أزمة النظام الصحي بأكمله”، مشيراً إلى دخول الأطباء في 12 جولة إضراب على مدار عامين، ما يعكس حجم الأزمة وعمقها ويؤكد أنها لم تكن مجرد مطالب نقابية عابرة.

وأضاف أن لغة الحكومة التصالحية جاءت متأخرة: “لو انتهت الإضرابات بعد الجولة الثالثة أو الرابعة، لما سمعنا عن إعادة بناء النظام الصحي أو تفهم المطالب، وهو ما يؤكد أن الاستجابة الحكومية جاءت تحت ضغط استمرار الاحتجاجات”.

وتابع: “هذا مكسب حقيقي على المدى الطويل، لكنه لن يقلص قوائم الانتظار التي تراكمت خلال عامين من الإضرابات، كما أنه لن يعالج النقص المزمن في الكوادر الطبية أو يزيد عدد المقاعد التدريبية، وهي من أبرز أسباب الأزمة”.

وأكد أن تحسين أوضاع الأطباء يمثل ضرورة لا خلاف عليها، لكنه لا يكفي وحده لضمان حق المرضى في العلاج، موضحاً أن المريض الذي ينتظر إجراء عملية جراحية منذ أشهر لن يشعر بأثر فوري لهذا الاتفاق، وربما يحتاج الأمر إلى وقت طويل قبل أن ينعكس على تجربته داخل المستشفيات.

واعتبر أن ما جرى يمثل تسوية مؤقتة أكثر منه حلاً جذرياً، موضحاً أن الاتفاق عالج جانباً مهماً يتعلق بالأجور والتدريب والترقي الوظيفي للأطباء، لكنه لم يتضمن التزاماً واضحاً بخفض فترات انتظار المرضى، أو خطة معلنة لسد العجز في أعداد الكوادر الطبية على المدى المتوسط، وهو ما يظل شرطاً أساسياً لضمان حق المرضى في الحصول على علاج سريع وآمن.

وفي ختام حديثه، قال أبو شنب إن الحكومة البريطانية تمتلك اليوم فرصة حقيقية لإعادة النظر في العقد الاجتماعي الذي يحكم العلاقة بين الدولة ومنظومتها الصحية، بحيث لا يقتصر الإصلاح على إرضاء مقدمي الخدمة، بل يمتد إلى ضمان حقوق متلقيها، وهم المرضى، ولا سيما أن النجاح الوحيد يتمثل في استعادة الثقة بالنظام الصحي بأكمله.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print