أطلقت موجات الحر المتتالية في سويسرا إنذارات جديدة حول قدرة البلاد على التكيف مع آثار تغير المناخ، بعدما تجاوزت درجات الحرارة 39 درجة مئوية في المناطق المنخفضة خلال صيف 2026، ودفع ذلك الهيئة السويسرية للأرصاد الجوية إلى إصدار تحذير من المستوى الرابع، وهو أعلى مستوى في نظام التحذيرات الوطني، شمل مناطق وسط وجنوب كانتون تيتشينو، وشمال غرب البلاد، والمنطقة المحيطة ببحيرة ليمان.
وأكدت الهيئة السويسرية للأرصاد الجوية أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد يمثل ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبح عاملا يؤثر في قطاعات حيوية تشمل الصحة العامة والطاقة والنقل والزراعة وإدارة الموارد المائية، وفق شبكة “سويس إنفو”.
وأوضحت بيانات المعهد السويسري للصحة العامة والطب الاستوائي أن موجات الحر خلال فصول الصيف الأخيرة تسببت في نحو 500 حالة وفاة سنويا في سويسرا، خصوصا بين كبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضا مزمنة.
الصحة أول المتضررين
أوضحت منظمة الصحة العالمية أن موجات الحر أصبحت من أخطر آثار تغير المناخ على صحة الإنسان، بسبب ارتباطها بزيادة حالات الجفاف وضربات الشمس واضطرابات القلب والدورة الدموية، وأكدت المنظمة أن كبار السن والأطفال والحوامل والأشخاص الذين يعانون أمراضا مزمنة يواجهون المخاطر الأكبر خلال فترات ارتفاع الحرارة الشديدة.
وأشارت وزارة الصحة السويسرية والمعهد السويسري للصحة العامة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يفرض ضغوطا إضافية على النظام الصحي في سويسرا، بسبب زيادة حالات الطوارئ المرتبطة بالإجهاد الحراري، وتعمل السلطات الصحية في الكانتونات على تعزيز خطط الوقاية، خصوصا عبر أنظمة الإنذار المبكر وحماية الفئات الأكثر هشاشة خلال أيام الحر الشديد.
وأكد المكتب الفيدرالي السويسري للصحة العامة أن تغير الظروف المناخية يؤثر أيضا على انتشار بعض الأمراض المرتبطة بالحشرات، حيث يمكن للحرارة والجفاف تغيير بيئة انتشار القراد والحشرات الناقلة للأمراض.
الطاقة النووية تحت ضغط الحرارة
كشفت موجات الحر عن تحديات جديدة أمام قطاع الطاقة السويسري، خصوصا محطات الطاقة النووية التي تعتمد على مياه الأنهار في عمليات التبريد، وأعلنت شركة الكهرباء السويسرية أكسبو في 26 يونيو إيقاف مفاعلي محطة بزناو في كانتون أرغاو بعد وصول حرارة مياه نهر الآر المستخدم في التبريد إلى 25 درجة مئوية.
وأوضحت شركة أكسبو أن إعادة تشغيل المفاعلين احتاجت إلى نحو شهر، مع تشغيلهما بقدرة إنتاجية مخفضة، بهدف حماية النظام البيئي للنهر والالتزام بالمعايير البيئية المتعلقة بدرجات حرارة المياه.
وأكدت الوكالة الدولية للطاقة أن ارتفاع حرارة الأنهار يمثل تحديا متزايدا أمام محطات الطاقة التي تعتمد على التبريد المائي، خصوصا في أوروبا، حيث اضطرت فرنسا خلال موجات الحر الأخيرة إلى خفض إنتاج بعض مفاعلاتها النووية بسبب ارتفاع حرارة المياه وانخفاض تدفقات الأنهار.
وأظهرت دراسة لشركة الكهرباء الفرنسية الحكومية أن تغير المناخ قد يخفض قدرة بعض المحطات النووية على العمل بنحو 2 بالمئة سنويا بحلول عام 2050 بسبب ارتفاع حرارة المياه وتراجع تدفقات الأنهار.
السكك الحديدية تواجه اختبار الحرارة
أكدت الخطوط الحديدية الفيدرالية السويسرية أن درجات الحرارة المرتفعة تؤثر في البنية التحتية للقطارات، حيث يؤدي تمدد الفولاذ بسبب الحرارة إلى زيادة مخاطر تشوه القضبان والمفاتيح الحديدية، كما ترتفع أعطال المعدات الكهربائية ومحركات القطارات مع تشغيل أنظمة التكييف بأقصى طاقتها.
وأوضحت الخطوط الحديدية الفيدرالية أنها سجلت خلال شهر يونيو أعطالا مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة في بعض أجزاء الشبكة وفي المعدات المتحركة، رغم استمرار حركة القطارات بشكل عام مع تأخيرات محدودة.
ولمواجهة هذه المشكلة، تستخدم الخطوط الحديدية الفيدرالية صهاريج خاصة لرش المياه على القضبان وطبقة الحصى أسفلها خلال فترات الحرارة القصوى، كما تخطط لاستبدال العوارض الخشبية بعوارض إسمنتية أكثر قدرة على تحمل التمدد الحراري.
وأكد الاتحاد الدولي للسكك الحديدية أن موجات الحر أصبحت تحديا متزايدا لشبكات النقل الأوروبية، بسبب تأثيرها المباشر على سلامة البنية التحتية واستقرار الخدمات.
المياه تحت تهديد التلوث
أظهرت بيانات الهيئة السويسرية للأرصاد الجوية ارتفاع حرارة عدد من البحيرات السويسرية خلال الصيف، حيث وصلت درجات حرارة بعض البحيرات الصغيرة والمتوسطة إلى نحو 30 درجة مئوية في بداية يونيو، بزيادة وصلت إلى 7 درجات مقارنة بالمعدل المسجل بين عامي 1983 و2024.
وحذرت رابطة مؤسسات مياه بحيرة كونستانس ونهر الراين من أن ارتفاع حرارة المياه يخلق ظروفا مناسبة لنمو بعض البكتيريا، بينها بكتيريا الليجيونيلا، ما يزيد المخاطر المرتبطة بجودة مياه الشرب.
وأكدت القوانين السويسرية ضرورة ألا تتجاوز حرارة مياه الشرب 25 درجة مئوية، إلا أن بعض المناطق تواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على هذا الحد خلال فترات الحر الطويلة.
وأوضحت وزارة البيئة السويسرية أن انخفاض تدفق الأنهار خلال الصيف يؤدي إلى زيادة تركيز بعض الملوثات مثل بقايا المبيدات والمواد الكيميائية والأدوية، لأن كمية المياه تقل بينما تبقى مصادر التلوث ثابتة نسبيا.
الزراعة تدفع فاتورة الحرارة
واجه القطاع الزراعي السويسري ضغوطا متزايدة بسبب حاجة المحاصيل إلى كميات أكبر من مياه الري خلال موجات الحر والجفاف. وقال الاتحاد السويسري للمزارعين إن ارتفاع تكاليف الري يهدد برفع تكلفة إنتاج الخضروات والفواكه، خصوصا مع استمرار فترات الجفاف الطويلة.
وأوضح أندرياس ألينسباخ من جمعية التجارة السويسرية للفواكه والخضروات والبطاطاس أن المزارعين يواجهون تحديا يتعلق بقدرتهم على تغطية تكاليف الري الإضافية داخل الأسواق.
وأكد ماركوس فابر، نائب مدير رابطة منتجي الخضروات السويسرية، ضرورة حصول المنتجين على تعويضات عادلة بسبب ارتفاع الأعباء التشغيلية الناتجة عن تغير الظروف المناخية.
وأشار الاتحاد السويسري للمزارعين إلى أن البطاطاس من أكثر المحاصيل تأثرا بالحرارة، لأن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى بقاء الدرنات صغيرة الحجم وعدم صلاحيتها للتسويق.
تغيرات صحية غير متوقعة
رغم المخاطر الواسعة لموجات الحر، رصد المكتب الفيدرالي السويسري للصحة العامة انخفاضا في بعض الأمراض المرتبطة بالقراد خلال يونيو 2026 مقارنة بالعام السابق.
وأظهرت البيانات الرسمية تراجع حالات التهاب الدماغ والسحايا المنقول بالقراد إلى 1.18 حالة لكل 100 ألف نسمة في يونيو 2026، مقابل 1.46 حالة خلال الشهر نفسه من عام 2025.
كما انخفضت حالات مرض لايم المرتبط بالقراد إلى 23.16 حالة لكل 100 ألف نسمة، مقارنة بـ28.45 حالة في يونيو من العام السابق.
وأوضح تيمو بوركر من دائرة حماية النباتات في كانتون مدينة بازل أن درجات الحرارة بين 21 و35 درجة مئوية تناسب نشاط الخنفساء اليابانية، لكنها لا تساعد بالضرورة على نمو يرقاتها بسبب جفاف التربة.
تغير المناخ
أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع ارتفاعا في درجات الحرارة عالميا، وأن موجات الحر الطويلة أصبحت أكثر تكرارا وشدة بسبب تغير المناخ الناتج عن ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري.
وأظهرت بيانات الهيئة السويسرية للأرصاد الجوية أن البلاد سجلت خلال العقود الأخيرة ارتفاعا واضحا في متوسط درجات الحرارة، مع زيادة عدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة مئوية، خصوصا في المناطق المنخفضة.
وأطلقت الحكومة السويسرية خططا للتكيف المناخي تشمل حماية السكان من موجات الحر، وتعزيز إدارة المياه، وتطوير البنية التحتية القادرة على تحمل الظروف المناخية المتطرفة، استنادا إلى التزاماتها ضمن اتفاق باريس للمناخ.
وتشير التقارير الدولية إلى أن مواجهة موجات الحر لم تعد قضية بيئية فقط، بل أصبحت ملفا يرتبط بالصحة العامة والأمن الغذائي واستقرار الطاقة وحماية البنية التحتية، ما يجعل التكيف مع المناخ جزءا أساسيا من سياسات الدول الأوروبية خلال السنوات المقبلة.

