منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من خطاب الكراهية للاغتصاب.. جريمة تعيد فتح ملف حماية النساء في بريطانيا

25 أبريل 2026
سوخفيندر كور، رئيسة منظمة مساعدة النساء السيخيات
سوخفيندر كور، رئيسة منظمة مساعدة النساء السيخيات

كشفت وقائع جريمة الاغتصاب التي ارتكبها جون آشبي البالغ من العمر 32 عاماً، نمطاً متكاملاً من العنف يبدأ بخطاب كراهية علني ولا ينتهي عند حدود الجريمة الجسدية، بعدما حُكم عليه بالسجن المؤبد مع حد أدنى 14 عاماً لاعتدائه على امرأة سيخية بدافع عنصري وديني.

وأظهرت مقاطع فيديو منشورة علناً على الإنترنت أن الجاني لم يُخفِ عداءه للنساء، بل عبر عنه صراحة عبر أغاني راب تضمنت دعوات مباشرة للعنف، حيث ردد عبارات تحرض على ضرب النساء وإهانتهن، في محتوى ظل متاحاً للجمهور دون تدخل، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.

وربطت هذه المواد بين خطاب كراهية صريح وثقافة ذكورية متطرفة، إذ استمع الجاني إلى محتوى مرتبط بشخصيات مثيرة للجدل مثل “أندرو تيت”، تضمنت رسائل تمجد الهيمنة الذكورية وتبرر العنف، ما يعكس بيئة فكرية تُطبع العدوان ضد النساء.

وقع الاعتداء في أكتوبر من العام الماضي، حين تتبع الجاني الضحية بعد نزولها من حافلة إلى منزلها في منطقة والسال، قبل أن يقتحم المكان ويعتدي عليها جنسياً اعتداءً مصحوباً بإهانات عنصرية ودينية، بعدما ظن خطأً أنها مسلمة.

كشف المدعي العام، كيه سي فيل برادلي، تفاصيل الهجوم، موضحًا أن الجاني استهدف الضحية عمداً، واعتدى عليها داخل منزلها، مستخدماً عبارات مهينة مثل “العاهرة المسلمة اللعينة”، في سياق جمع بين العنف الجنسي وخطاب الكراهية.

جريمة كراهية مركبة

أبرزت الوقائع أن الجريمة لم تكن اعتداءً جنسياً فحسب، بل حملت أبعاداً مركبة، جمعت بين كراهية النساء والتمييز الديني والعرقي، في نمط نادر نسبياً في السياق البريطاني، حيث وُصف الاغتصاب بوصفه سلاحاً للكراهية العنصرية بأنه حالة غير مسبوقة.

أكدت جمعية “مساعدة النساء السيخيات” التي دعمت الضحية، أن هذه القضية تمثل سابقة، مشيرة إلى أن استهداف المرأة لم يكن عشوائياً، بل قائم على تصور الجاني لهويتها الدينية.

أظهرت إفادات الضحية للشرطة أنها تعرضت للهجوم داخل الحمام، حيث هددها الجاني وهو يحمل عصا، وأطفأ الأنوار قبل أن يعتدي عليها، مردداً عبارات مهينة، في مشهد يعكس استخدام العنف وسيلة إذلال قائمة على الهوية.

وثقت الأدلة الجنائية تورط الجاني بشكل قاطع، إذ طابقت الشرطة عينات الحمض النووي وبصمات الأصابع التي عُثر عليها في موقع الجريمة مع عيناته، ما أدى إلى القبض عليه بعد يومين فقط من الواقعة.

أظهرت لقطات كاميرات المراقبة وجوده في محيط المكان، حيث التقط عصا بطول قدمين، استخدمها خلال الاعتداء، في مؤشر على وجود نية مسبقة.

منصات بلا رقابة

حللت صحيفة “الغارديان” محتوى حسابات الجاني على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام، لتكشف نمطاً متكرراً من الخطاب العنيف والمعادي للنساء، حيث تضمنت مقاطع الفيديو ألفاظاً مهينة وإيحاءات جنسية صريحة، إلى جانب تمجيد القوة الجسدية والهيمنة.

وأظهرت هذه المواد أن الجاني كان ينشر محتوى يعكس استعداده للعنف قبل أشهر من ارتكاب الجريمة، دون أن يواجه أي تدخل أو مساءلة، ما يطرح تساؤلات حول مسؤولية المنصات الرقمية في رصد ومنع خطاب الكراهية.

وبينت التحقيقات أن عدد مشاهدات هذه المقاطع كان محدوداً نسبياً، إلا أن ذلك لم يمنع تحول هذا الخطاب إلى فعل عنيف، ما يعكس أن التأثير لا يُقاس فقط بالانتشار، بل بطبيعة المحتوى ذاته.

كشفت تفاصيل أخرى عن حياة الجاني الذي أُدرج بوصفه شخصاً بلا مأوى ثابت، وكان يظهر في مقاطع الفيديو وحيداً، في بيئة معيشية متدهورة، يصرخ أمام الكاميرا ويعرض سلوكيات عدوانية، في مشهد يعكس عزلة اجتماعية لم تمنع تصاعد العنف.

تصريحات الناجية

عبرت الضحية، في بيان قُرئ أمام المحكمة ونقلته شبكة “آي تي في نيوز” البريطانية عن الأثر العميق للجريمة في حياتها، مؤكدة أن ما حدث غير مسارها بالكامل، بعدما كانت تعيش حياة مستقرة ومليئة بالخطط المستقبلية.

وصفت الناجية شعورها بفقدان الأمان، مشيرة إلى أنها لم تعد قادرة على العودة إلى منزلها الذي كان يمثل ملاذاً لها، واضطرت إلى الانتقال إلى مكان آخر، لكنها استمرت في الشعور بالخوف.

أوضحت أنها فقدت عملها نتيجة عدم قدرتها على الاستمرار، ما تسبب في ضغوط مالية عليها وعلى شريكها، مؤكدة أن الجريمة لم تكن لحظة عابرة، بل تجربة ممتدة أثرت في مختلف جوانب حياتها.

وقالت إنها قررت مواجهة الجاني في المحكمة، مضيفة: “لم أعد محاصرة”، بعد أن سمعت اعترافه، معتبرة أن الحكم يمنحها فرصة للبدء من جديد.

نشر الخوف في المجتمع

من جانبها، أكدت ممثلة جمعية دعم النساء السيخيات، سوخفيندر كور، أن الضحية كانت تعتقد أثناء الهجوم أنها ستُقتل، مشيرة إلى أن هذا النوع من الجرائم لا يقتصر أثره على الضحية، بل يزرع الخوف في المجتمع بأكمله.

وأقر الجاني في نهاية المطاف بالذنب في جميع التهم، ومنها الاغتصاب، والخنق العمد، والسرقة، والاعتداء بدافع ديني، بعدما كان قد أنكرها في البداية، قبل أن يغير أقواله خلال المحاكمة.

نظر القاضي في خطورة الجريمة، مؤكداً أن المتهم يشكل خطراً بالغاً على النساء والمجتمع، في ظل عدم وجود طريقة موثوقة لتقدير مدة استمرار هذا الخطر.

ومن جانبها أكدت صحيفة “الإندبندنت” أن جلسات المحاكمة التي عُقدت في محكمة برمنغهام الملكية، أظهرت التأثير العاطفي الشديد للأدلة المعروضة، ومنها تسجيلات الشرطة التي وُصفت بأنها “مؤلمة”.

سلطت هذه القضية الضوء على فجوة أوسع بين وجود خطاب كراهية علني وإمكانية تحوله إلى عنف فعلي، في ظل غياب آليات فعالة للرصد والتدخل المبكر.

تكشف هذه الوقائع عن تداخل معقد بين العنف الرقمي والواقعي، حيث لا يبقى التحريض مجرد كلمات، بل يتحول إلى أفعال تنتهك أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الأمان والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.