كشف حكم صادر عن المعهد الهولندي لحقوق الإنسان عن تعرض طفل يبلغ من العمر 12 عاماً لتمييز عنصري داخل مسبح بمدينة زوترمير في هولندا بعدما منع من الدخول لعدم حمله ما يثبت عمره في حين سمح لطفل آخر في العمر والحجم نفسيهما بالدخول دون مطالبته بأي وثيقة في واقعة أعادت إلى الواجهة النقاش حول الحق في المساواة وعدم التمييز وحماية الأطفال من المعاملة غير المتكافئة.
ذهب هنري دويكر للاطمئنان على ابنه خلال أول أمسية يقضيها في السباحة بمفرده مع أحد أصدقائه لكنه فوجئ بوقوفه عند مكتب الاستقبال بدلاً من وجوده داخل المسبح بحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية.
أبلغ موظفو المسبح الطفل بأنه لا يستطيع الدخول لأنه لا يحمل إثبات هوية يثبت أن عمره أقل من 13 عاماً رغم أن صديقه الذي كان في العمر والحجم نفسيهما لم يطلب منه إبراز أي وثيقة.
راقبت شريكة هنري دويكر المشهد لمدة 10 دقائق ولاحظت أن الأطفال ذوي البشرة السمراء فقط هم الذين طلب منهم إثبات أعمارهم، في حين سمح للأطفال البيض بالدخول مباشرة دون أي تدقيق بحسب ما رواه والد الطفل.
رسالة قاسية للأطفال
أكد هنري دويكر أن ما شاهده حمل رسالة قاسية للأطفال إذ قال إن السماح لجميع الأطفال البيض بالدخول مع مطالبة كل طفل أسود بإبراز جواز سفره ثم منعه إذا لم يكن يحمله يعني إبلاغ هؤلاء الأطفال بأنهم ليسوا متساوين مهما فعلوا.
وكان المعهد الهولندي لحقوق الإنسان قد أصدر في يونيو الماضي حكماً اعتبر فيه أن شركة أوبتيسبورت زوترمير المشغلة للمسبح مارست تمييزاً عنصرياً غير قانوني بحق الطفل وهو الحكم الذي أثار نقاشاً واسعاً داخل المدينة ودفع أعضاءً في المجلس البلدي من 3 أحزاب إلى طرح أسئلة رسمية حول كيفية وقوع الحادثة.
من جانبها، أوضحت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية أن الواقعة تعود إلى 12 يوليو 2024 عندما توجه الطفل كولين البالغ آنذاك 12 عاماً للمشاركة في حفلة سباحة مخصصة للأطفال دون 13 عاماً وكان يعاني اضطراب طيف التوحد ورافقه والداه إلى مدخل المسبح قبل أن يحاولا منحه فرصة الدخول بمفرده للمرة الأولى.
روى والد الطفل أنه بقي مع زوجته لبعض الوقت للتأكد من أن الأمور تسير بصورة طبيعية ولاحظ أن صديق ابنه دخل مباشرة في حين استمرت الموظفة في الحديث مع ابنه ومنعته من الدخول.
أوضحت الصحيفة أن إدارة المسبح استندت إلى عدم حمل الطفل بطاقة هوية تثبت عمره بعدما أصبح إبراز الهوية شرطاً عقب اعتداء مجموعة من الشباب على أحد الموظفين، إلا أن المشكلة تمثلت في أن الأطفال الآخرين لم يطلب منهم إبراز أي وثائق.
لاحظ هنري دويكر أثناء مراقبته صف الأطفال المنتظرين أن الأطفال غير البيض وحدهم كانوا مطالبين بإثبات أعمارهم رغم عدم وجود فروق واضحة في الطول أو المظهر تشير إلى أن بعضهم أكبر سناً من الآخرين.
أكد والد الطفل أنه يتفهم وجود قواعد بعد الحوادث السابقة لكنه شدد على ضرورة تطبيقها على الجميع لا على الأطفال ذوي البشرة الملونة فقط.
انتهت القضية أمام المعهد الهولندي لحقوق الإنسان الذي خلص إلى أن شركة أوبتيسبورت قدمت روايات متضاربة بشأن كيفية التحقق من السن ولم تضع معايير واضحة وموضوعية لاختيار الأطفال الذين يخضعون للفحص ولذلك لم تتمكن من إثبات أن إجراءاتها كانت تطبق بصورة عادلة.
المساواة أمام القانون
وصف هنري دويكر ما جرى بأنه يعكس ما يعرف بالمفارقة الهولندية حيث يرى أن اتساع الحقوق والحريات في هولندا يدفع بعض الناس إلى إنكار وجود العنصرية رغم استمرار ممارساتها.
أوضح والد الطفل أنه تقدم بشكوى إلى إدارة المسبح في يوم الواقعة لكن شكواه رفضت فلجأ إلى خط المساعدة الوطني لمكافحة التمييز الذي أحاله إلى المعهد الهولندي لحقوق الإنسان وهو الجهة التي تصدر أحكاماً غير ملزمة يمكن الاستناد إليها أمام القضاء في هولندا.
وذكرت “الغارديان” أن شركة أوبتيسبورت دفعت خلال جلسات النظر في القضية بأن فترة المراقبة التي استمرت 10 دقائق لا تكفي لإثبات وجود سياسة تمييزية لكنها أبلغت هنري دويكر لاحقاً في رسالة اعتذار رسمية بأن إجراء الرقابة الذي طبق مساء 12 يوليو 2024 ألغي بعد ذلك التاريخ.
وقال هنري دويكر إنه تلقى رسائل كراهية بعد حديثه لوسائل الإعلام، مؤكداً أن المشكلة لا تقتصر على الواقعة نفسها وإنما تمتد إلى صعوبة الحديث عن التمييز؛ إذ إن من يشتكي يواجه اتهامات باستخدام ورقة العنصرية.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة إي تينداي أتشيوم كانت قد وصفت عام 2019 ما يعرف بالمفارقة الهولندية عندما تحدثت عن وجود فجوة بين صورة المساواة والتسامح وبين معاملة أشخاص من أصول عرقية مختلفة باعتبارهم ليسوا هولنديين بصورة كاملة.
كما نوهت الصحيفة أيضاً إلى أن وزير المالية الهولندي آنذاك مارنيكس فان راي اعترف بعد 3 سنوات بأن العنصرية المؤسسية لعبت دوراً في اختيار ملفات الاحتيال الضريبي وأن فضيحة إعانات رعاية الأطفال أثرت بصورة غير متناسبة في العائلات ذات الجنسية المزدوجة.
استجابة رسمية
التقى نائب رئيس بلدية زوترمير هنري دويكر بعد صدور الحكم في حين أصر عضوا المجلس الليبراليان التقدميان شانيكا مونسيلز وياسر الأشقر على إدراج القضية على جدول الأعمال.
قال عضو المجلس البلدي ياسر الأشقر إن والد الطفل أوضح أن أطفالاً آخرين تعرضوا للتمييز أيضاً وأن إظهار القضية للرأي العام كان رسالة لهم وللمجتمع بأن مواجهة التمييز يمكن أن تحقق نتائج.
قبلت بلدية زوترمير وشركة إدارة المسبح بالحكم وأكدت البلدية في بيان أنها تشعر بحزن شديد لأن طفلاً تعرض لمعاملة غير عادلة وأن ذلك غير مقبول، مضيفة أنها مدينة شاملة يجب أن يشعر فيها جميع السكان -ولا سيما الأطفال والشباب- بالترحيب والأمان والمساواة ولا مكان فيها للتمييز.
أكد الرئيس التنفيذي لشركة أوبتيسبورت ألبرت آرب أن الجميع يجب أن يشعروا بالمساواة داخل نحو 400 منشأة رياضية تديرها الشركة في هولندا وبلجيكا، مشيراً إلى مراجعة إجراءات الدخول والتحقق من السن لضمان تنفيذها بصورة دقيقة وموضوعية وقابلة للتحقق مع تقديم اعتذار للعائلة.
اختتم هنري دويكر القضية بتأكيد أنه كان يتمنى الحصول على الاعتذار قبل عامين وقبل أن تتحول الواقعة إلى قضية رأي عام، قائلاً إنه رغم كونه هولندياً ومن أصول سورينامية فإنه ما زال يشعر بعد 53 عاماً بأن البعض ينظر إليه باعتباره أجنبياً، وإن القضية لم تعد تتعلق بابنه وحده وإنما بجميع الأطفال الذين لا يجرؤون على المطالبة بحقوقهم.
