رغم بعض الخطوات المُرتبكة نحو الإصلاح المؤسسي، ظل عام 2025 موصوما بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في سوريا، في ظل هشاشة الانتقال السياسي واستمرار العنف وضعف آليات المساءلة وتدهور الأوضاع الإنسانية عموما.
وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن) شهدت سوريا خلال العام الماضي تحولات سياسية متسارعة مع تشكيل حكومة انتقالية وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية، إلا أن أوضاع حقوق الإنسان ظلت مقلقة على نطاق واسع، وسط استمرار الانتهاكات الجسيمة وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وأعلنت السلطات السورية عن مرحلة انتقالية لمدة خمس سنوات، وشُكلت حكومة جديدة، مع محاولات لدمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة دون تنفيذ فعلي كامل، ورغم تخفيف بعض العقوبات الدولية، بقي الوضع الإنساني حرجا، إذ احتاج نحو 16.7 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة، في ظل تمويل محدود وخفض في الدعم الدولي.
وسُمح بهامش محدود لعمل المجتمع المدني ووسائل الإعلام، غير أن القوانين المقيدة استمرت، مع تسجيل ملاحقات قضائية بسبب التعبير عن الرأي وفرض قيود متزايدة على التجمعات السلمية، رغم تعليق عمل محكمة مكافحة الإرهاب وإلغاء مئات الآلاف من الأحكام السابقة.
قتل جماعي واستهداف طائفي
كما أُنشئت هيئات للعدالة الانتقالية والمفقودين، وبدأت محاكمات لمسؤولين سابقين، ومع ذلك ظل الإفلات من العقاب قائما في بعض الحالات، واستمرت هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء، وفق ما جاء بالتقرير.
ولا يزال أكثر من 100 ألف شخص في عداد المفقودين منذ 2011، إذ استمرت حالات الاختفاء القسري، إلى جانب الاحتجاز التعسفي من قبل السلطات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، التي تحتجز أكثر من 30 ألف شخص، بينهم نساء وأطفال، في ظروف تنتهك حقوقهم الأساسية.
وسُجلت عمليات قتل جماعي واستهداف طائفي، خاصة بحق أفراد من الطائفة العلوية، إضافة إلى إعدامات خارج نطاق القضاء طالت مدنيين دروز، كما وثقت تقارير أممية مقتل نحو 1400 شخص في أعمال عنف مرتبطة بالتصعيد العسكري، وشملت الانتهاكات تعذيبا ونهبا وإحراق منازل، مع ضعف المساءلة.
ووثق التقرير ارتكاب جماعات مسلحة، بما فيها فصائل درزية ومقاتلو القبائل البدوية، انتهاكات خطيرة في محافظة السويداء، شملت الخطف والقتل وإحراق الممتلكات، إلى جانب استهداف عاملين في المجال الإنساني.
فيما تعرضت نساء وفتيات، خصوصا من الطائفة العلوية، لعمليات خطف وابتزاز، شملت طلب فدية وزواجا قسريا، وسط تقاعس السلطات عن إجراء تحقيقات فعالة أو محاسبة المسؤولين.
واستمر الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان، مع توسيع الوجود العسكري داخل المنطقة العازلة، وتسجيل انتهاكات شملت تهجيرًا قسريا، وهدم منازل، وقيودا على الوصول إلى الأراضي الزراعية.
خطوات متناقضة وإصلاح شكلي
وتعقيبا على ما ورد بتقرير “العفو الدولية”، قال الناشط الحقوقي السوري، أنس جودة، إن التقرير حول سوريا لا يمكن قراءته باعتباره مجرد رصد أو جرد للانتهاكات التي شهدتها البلاد، بل يتجاوز ذلك ليكشف الطبيعة الحقيقية للواقع القائم، والمتمثل في مرحلة انتقال سياسي تفتقر إلى بنية تحتية راسخة لدولة مكتملة الأركان.
وأوضح جودة، في حديثه لـ”صفر”، أن الواقع الحقوقي في سوريا بات واقعا مركبا، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على إرث الانتهاكات المرتبطة بالنظام السابق، بل برز نمط جديد من التجاوزات ناتج عن ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوى، إلى جانب الضغوط المجتمعية الكبيرة، في ظل عجز السلطة عن ضبط المشهدين الحقوقي والقانوني.
وأشار إلى أن تقرير “العفو الدولية” يعكس وجود خطوات متناقضة في المشهد الحالي، فبينما يجري الإعلان عن إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، والبدء في بعض المحاكمات التي وصفها بالشكلية، يستمر في المقابل نهج الاعتقالات التعسفية، وتصاعد العنف الطائفي، وغياب المساءلة الفعلية.
واعتبر جودة أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في تناقض السلطة بقدر ما تكمن في تعددها، حيث تحاول السلطة المركزية اتخاذ إجراءات تبدو إصلاحية في ظاهرها، بهدف تهدئة الرأي العام المحلي والقوى الدولية، في حين تمارس قوى محلية على الأرض انتهاكات دون قدرة حقيقية من السلطة المركزية على ضبطها.
الدوران في حلقة مفرغة
وشدد على أن الأزمة لا ترتبط فقط بغياب التشريعات، بل تعود أولا إلى غياب بنية دولة مستقرة قادرة على تفعيل مسؤولياتها بشكل مباشر، وثانيا إلى ضعف المؤسسات، مع إنشاء هيئات ذات طابع أحادي ومنحاز سياسيا، تفتقر إلى القدرة على تقديم قضاء مستقل.
وأضاف جودة أن من بين العوامل الأساسية أيضا استمرار حالة انفلات السلاح، مع بقاء فصائل مسلحة من الحرب السابقة، موضحا أنه على الرغم من انضمام بعض هذه الفصائل شكليا إلى وزارة الدفاع، فإنها لا تزال تعمل بآليات مستقلة، فضلا عن انتشار السلاح المنفلت في مختلف المناطق.
وأكد الناشط السوري أن تحسن الأوضاع لا يرتبط بمرور الوقت أو بحسن النوايا، بل بوجود قدرة حقيقية على التحول من مفهوم السلطة إلى دولة المؤسسات، مع ضرورة توافر ضغط مدني منظم قادر على الدفع نحو عدالة انتقالية متوازنة، إلى جانب تبني مقاربة دولية تدعم بناء منظومة قانونية حقيقية، بدلا من الاكتفاء بالأطر الشكلية أو مجرد توثيق الانتهاكات.
وحذر أنس جودة من أن غياب هذا المسار سيؤدي إلى استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الانتهاكات المتكررة، التي يتم توثيقها دون أن تُفضي إلى مساءلة حقيقية أو تغيير فعلي في الواقع.
إعادة هيكلة شاملة للقضاء
من جانبه، أوضح الباحث السوري، عبد الرحمن ربوع، أن أي متابع للشأن السوري يدرك أهمية تقرير منظمة العفو الدولية ودقته في توثيق مختلف أنماط الانتهاكات، فضلا عن أهميته في التحذير من استمرارها، مؤكدا ضرورة التفاعل الإيجابي مع ما ورد فيه والعمل الجاد على وقف هذه الانتهاكات.
وأكد ربوع، في حديثه لـ”صفر”، أن الواقع الحقوقي في سوريا لا يزال يعاني من ضعف المؤسسات الحقوقية والقانونية والقضائية، نتيجة بطء إعادة تأهيلها وتشغيلها، فضلا عن انشغال الحكومة الانتقالية بقضايا إجرائية وشكلية على حساب القضايا الجوهرية.
ولفت إلى أن العديد من الانتهاكات التي كانت سائدة في عهد النظام السابق لا تزال مستمرة، مثل التوقيف والاحتجاز خارج إطار القانون، والتعذيب داخل مراكز الاحتجاز، وعدم الالتزام بالقانون من قبل بعض الجهات المفترض بها إنفاذه.
وشدد ربوع على أن تحسين الأوضاع الحقوقية يتطلب إعادة هيكلة شاملة للمنظومة القضائية بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب إعادة تنظيم أجهزة إنفاذ القانون لتعمل وفق ضوابط واضحة، سواء في أجهزة الأمن العام أو الأمن الداخلي أو قطاع السجون، وكذلك في القطاعات المرتبطة بها مثل المنافذ البرية والجوية والبحرية.
وأشار إلى الحاجة المُلحة لتحقيق العدالة، في ظل وجود آلاف الموقوفين والمتهمين بارتكاب جرائم خلال فترة النظام السابق، الذين ما زالوا بانتظار التحقيق والمحاكمة، لافتا إلى غياب إطار قانوني واضح يجرم بعض الأفعال التي ارتُكبت في تلك المرحلة، خاصة في ظل ادعاء بعض المتهمين أنهم كانوا ينفذون أوامر مباشرة.
وصمة أحداث السويداء
وأضاف عبد الرحمن ربوع أن عددا كبيرا من هؤلاء المحتجزين لا يزالون دون توجيه تهم محددة أو دون وجود دعاوى قانونية ضدهم، في وقت تعاني فيه المنظومة القضائية من نقص في الكوادر القادرة على التعامل مع هذا الحجم من القضايا، ما ينذر بإطالة أمد الأزمة.
وحذر من أن هذا الواقع قد يفضي إلى مسار طويل ومعقد، خاصة في ظل ما وصفه بانتقائية المساءلة، مشيرا إلى أن غالبية المحتجزين حتى الآن هم من المنتمين للنظام السابق، في مقابل غياب واضح لمحاسبة بعض المتورطين في انتهاكات من أطراف أخرى.
واستدرك بالقول إن هناك مؤشرات إيجابية تتمثل في إدراج بعض المتورطين في أحداث الساحل والسويداء خلال عام 2025 ضمن قوائم المحاسبة القضائية، بما يشمل عناصر وضباطا ومؤيدين للسلطة الحالية.
واختتم ربوع بالتأكيد على أن هذه الأوضاع السلبية قابلة للتغيير، إذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية، مدعومة باستمرار الضغط الشعبي، إلى جانب ضغوط دولية تربط الدعم والمساعدات بتحسين سجل حقوق الإنسان، وإنجاز مسار عدالة انتقالية شامل يضمن محاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، دون تمييز.

