منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جدل العدالة والحقوق.. البيوع الصورية لأملاك النظام السابق تعيد فتح ملف الفساد في سوريا

24 أبريل 2026
سوريا
سوريا

في الكثير من أحياء دمشق، تعيش عائلات سورية في منازل لا تعرف إن كانت ستبقى فيها طويلاً أم لا، فالعقارات مسجلة بأسماء شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وتخضع ملكيتها اليوم لإجراءات قانونية ضمن حملة حكومية واسعة لملاحقة الأملاك المشبوهة، وهذه الحالات تعكس واقعاً جديداً في سوريا، حيث فتحت السلطات ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بأملاك رموز النظام السابق، في محاولة لاستعادة ما تعده أموالاً عامة أو ممتلكات تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة، وسط تحديات قانونية وإنسانية معقدة.

تأتي هذه الحملة في توقيت دقيق، حيث تعاني سوريا من أزمة اقتصادية عميقة، مع تقديرات تشير إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، وفي ظل خسائر اقتصادية تتجاوز 400 مليار دولار منذ عام 2011، بحسب البنك الدولي، تبدو استعادة الأموال والأصول أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام الدولة.

سياسياً، تمثل هذه الإجراءات محاولة لإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي، وتفكيك شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق، في إطار ما يُنظر إليه بوصفه جزءاً من مسار أوسع للعدالة الانتقالية.

البيوع الصورية

تُعد البيوع الصورية من أبرز التحديات التي تواجه السلطات، إذ يتم نقل ملكية العقارات شكلياً إلى أقارب أو أطراف ثالثة، بهدف إخفاء الملكية الحقيقية، وأكدت وزارة العدل السورية أن هذه العمليات رُصدت في عدد متزايد من القضايا خلال عامي 2025 و2026.

وبحسب تصريحات المحامي العام في دمشق، القاضي حسام خطاب، فإن هذه البيوع تعتمد على وثائق أو أحكام قضائية ظاهرها قانوني، لكنها تهدف إلى الالتفاف على المساءلة، وقد دفعت هذه الظاهرة الوزارة إلى إصدار تعاميم تنظيمية، أبرزها التعميم رقم 5 والتعميم رقم 18، لتعزيز الرقابة القضائية.

واستجابة لهذه التحديات، وجهت وزارة العدل المحاكم إلى اعتماد إجراءات تدقيق مشددة، تشمل التحقيق المحلي والكشف الحسي للتحقق من الشاغلين الفعليين للعقارات، كما تم إدخال النيابة العامة طرفاً في القضايا العقارية المشتبه بها، بصفتها ممثلة للمصلحة العامة.

هذه الإجراءات تعكس تحولاً في دور القضاء من جهة فض النزاعات إلى جهة رقابية تسعى لمنع تمرير صفقات قد تؤدي إلى تهريب الأصول، وهو ما تعده السلطات خطوة ضرورية لحماية المال العام.

تجميد الثروة قبل المصادرة

ضمن هذه الحملة، فرضت السلطات ما يُعرف بالحجز الاحتياطي على عدد من الممتلكات المرتبطة برموز النظام السابق، ويُعد هذا الإجراء مؤقتاً، يهدف إلى منع التصرف في الأملاك إلى حين استكمال التحقيقات وإصدار تشريعات تنظم عملية المصادرة النهائية.

وتؤكد وزارة العدل السورية أن هذه الخطوة لا تعني مصادرة فورية، بل هي إجراء احترازي لضمان عدم تهريب الأصول، ومع ذلك، تثير هذه السياسة تساؤلات حول مدى وضوح الإطار القانوني الذي يحكمها.

بين العدالة واسترداد الحقوق

تندرج هذه الإجراءات ضمن مفهوم العدالة الانتقالية التي تهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الفساد والانتهاكات واستعادة الحقوق، وتشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن استرداد الأموال المنهوبة يمثل عنصرا أساسيا في هذه العملية، بشرط الالتزام بالمعايير القانونية الدولية.

وتؤكد المفوضية أن أي عملية مصادرة يجب أن تكون قائمة على أحكام قضائية واضحة، وتضمن حق الطعن، وتجنب التأثير في أطراف غير معنية.

مخاوف حقوقية من التعسف

في المقابل، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من احتمال استخدام قوانين المصادرة في سوريا بشكل تعسفي، خصوصاً في ظل غياب الشفافية الكاملة. وتشير تقاريرها إلى أن الإجراءات قد تطول أفراداً لم تثبت إدانتهم، أو تؤثر في عائلات وأطراف ثالثة.

كما حذرت هيومن رايتس ووتش من أن غياب إطار قانوني واضح قد يؤدي إلى انتهاك حقوق الملكية، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية.

استرداد الأموال أم حماية الحقوق

يمثل هذا الملف نقطة تقاطع حساسة بين هدفين متعارضين ظاهريا، استرداد الأموال العامة من جهة، وضمان حقوق الملكية الفردية من جهة أخرى، فبينما تسعى الدولة إلى استعادة الأصول، يخشى البعض من أن تؤدي الإجراءات إلى تجاوزات قانونية.

هذا الصراع يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية، حيث يصعب تحقيق توازن كامل بين العدالة والمساءلة من جهة، والاستقرار القانوني من جهة أخرى.

تعود جذور هذه الأزمة إلى سنوات طويلة من الفساد، حيث تركزت الثروة في أيدي فئات محددة مرتبطة بالسلطة، وتشير تقارير الشفافية الدولية إلى أن سوريا كانت ضمن الدول التي تعاني من مستويات مرتفعة من الفساد قبل عام 2011.

وقد أسهم هذا الواقع في خلق شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، ما يجعل عملية تفكيكها واستعادة الأموال تحدياً كبيراً.

التأثيرات الاجتماعية والإنسانية

لا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الجانب القانوني، بل تمتد بعمق إلى البنية الاجتماعية والإنسانية في سوريا، حيث تتقاطع قضايا الملكية مع واقع معقد من النزوح والفقر والانهيار الاقتصادي، ففي ظل دمار واسع طال القطاع السكني، تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تدمير نحو 328000 منزل بشكل كامل، إضافة إلى تضرر نحو مليون وحدة سكنية أخرى، ما يعني أن قرابة ثلث المخزون السكني في البلاد أصبح خارج الخدمة أو غير صالح للسكن.

وهذا الواقع أدى إلى نشوء بيئة خصبة للنزاعات العقارية، خصوصا في الحالات التي يشغل فيها نازحون أو عائدون عقارات تعود ملكيتها القانونية لأطراف أخرى، سواء من رموز النظام السابق أو من مهاجرين ولاجئين، وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 5.7 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى مساعدات تتعلق بالمأوى، وهو ما يعكس حجم الضغط على قطاع السكن، ويزيد من احتمالات النزاع على الملكيات.

وفي هذا السياق، تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن قضايا السكن والأراضي والملكية تعد من أبرز التحديات في المجتمعات الخارجة من النزاعات؛ نظراً لارتباطها المباشر بالاستقرار الاجتماعي وعودة النازحين، فغياب الوثائق الرسمية، أو فقدانها خلال سنوات الحرب، يعقّد عمليات إثبات الملكية، ويجعل آلاف الأسر عرضة لفقدان منازلها أو الدخول في نزاعات طويلة الأمد.

كما أن النزاعات على الملكية لا تنفصل عن واقع النزوح الواسع، إذ تشير البيانات إلى أن نحو نصف سكان سوريا اضطروا إلى مغادرة منازلهم بين نازحين داخلياً ولاجئين خارج البلاد، ما أدى إلى إعادة توزيع غير رسمية للسكن في العديد من المناطق، وهذا التحول خلق وضعاً اجتماعياً هشاً، حيث تتداخل حقوق الملكية مع احتياجات إنسانية ملحة، مثل تأمين المأوى، ما يضع السلطات أمام معادلة معقدة بين تطبيق القانون ومراعاة الواقع الإنساني.

من جهة أخرى، أسهمت هذه التحولات في توسع السكن العشوائي، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60 في المئة من المساكن في المناطق الحضرية أصبحت ضمن تجمعات غير رسمية، تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي، وهذا الواقع لا يعمّق فقط الأزمة الإنسانية، بل يزيد أيضاً من تعقيد أي عملية مستقبلية لتنظيم الملكيات أو إعادة الإعمار.

اقتصادياً، تلقي هذه النزاعات بظلال ثقيلة على سوق العقارات والاستثمار، في ظل حالة من عدم اليقين القانوني، فالمستثمرون يترددون في الدخول إلى سوق غير مستقرة قانونياً، حيث قد تكون الملكيات محل نزاع أو عرضة لإجراءات قضائية مفاجئة، ويأتي ذلك في سياق اقتصادي شديد الهشاشة، إذ يعيش نحو 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر، في حين يعتمد نحو 75 في المئة على المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. 

كما أن تراجع الاستثمارات وتوقف المشاريع العمرانية يسهمان في إبطاء عملية التعافي الاقتصادي، ويحدان من فرص إعادة الإعمار التي تُعد بدورها شرطاً أساسياً لعودة اللاجئين واستقرار المجتمع، وفي ظل غياب سوق عقارية مستقرة، يصبح من الصعب إعادة بناء الثقة، سواء بين المواطنين أو بين الدولة والمستثمرين. 

إن التأثيرات الاجتماعية لهذه الأزمة تتجاوز الجانب المادي لتطول النسيج المجتمعي نفسه، حيث تؤدي النزاعات على الملكية إلى توترات بين العائلات والمجتمعات المحلية، وقد تتحول في بعض الحالات إلى صراعات مفتوحة، خاصة في المناطق التي شهدت تغييرات ديموغرافية خلال سنوات الحرب، كما أن فقدان السكن أو التهديد بفقدانه يعمّق الشعور بعدم الاستقرار، ويؤثر في الصحة النفسية للأفراد، خصوصاً الأطفال والنساء.

وتكشف هذه المعطيات أن ملف الملكية في سوريا لم يعد مجرد قضية قانونية، بل أصبح أحد أبرز التحديات الإنسانية والاجتماعية في مرحلة ما بعد النزاع، حيث يتقاطع مع قضايا النزوح والفقر وإعادة الإعمار، ومع استمرار الإجراءات الحكومية لملاحقة الأملاك، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تراعي التوازن بين استرداد الحقوق وضمان الاستقرار الاجتماعي، ما يسهم في بناء بيئة أكثر استقرارا وعدالة في المستقبل.

دروس من تجارب أخرى

شهدت دول مثل العراق وتونس تجارب مشابهة في استرداد الأموال بعد تغيرات سياسية، حيث واجهت تحديات تتعلق بالشفافية والإجراءات القانونية، وتؤكد تقارير مجلس أوروبا أن نجاح هذه العمليات يعتمد على وجود مؤسسات قوية وإطار قانوني واضح.

هذه التجارب تشير إلى أن استرداد الأموال ليس مجرد عملية قانونية، بل يتطلب إصلاحات مؤسسية شاملة.

تجمع معظم التقارير الدولية على أن نجاح هذه السياسات في سوريا يعتمد على وضوح القوانين والإجراءات، ويشمل ذلك تحديد معايير المصادرة، وضمان حق الطعن، وحماية حقوق الأطراف الثالثة. 

ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الشفافية والمساءلة هما العاملان الحاسمان في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

في بلد أنهكته سنوات من الحرب والأزمات الاقتصادية تمثل ملاحقة أملاك رموز النظام السابق خطوة ذات أبعاد متعددة، تجمع بين الطموح لاستعادة الحقوق والتحديات المرتبطة بضمان العدالة. وبين شقق معلّقة وملفات مفتوحة، تبقى هذه القضية اختباراً حقيقياً لقدرة سوريا على تحقيق توازن دقيق بين المحاسبة القانونية وحماية الحقوق، في مرحلة لا تزال ملامحها قيد التشكل.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية