في سنجار بالعراق، لم تعد القرى التي هجرها سكانها قبل أكثر من عقد مجرد أماكن تحمل آثار حرب انتهت، بل تحولت إلى شاهد حي على أزمات تتراكم فوق بعضها، من الإبادة والتهجير والدمار إلى الفقر وشح الخدمات والجفاف، وهنا، تبدو العودة أكثر تعقيداً من استعادة منزل أو فتح طريق، فالأرض التي كانت تمنح العائلات رزقها أصبحت عطشى، والآبار تنحسر، ودرجات الحرارة المرتفعة تضيق ما تبقى من فرص العيش.
وبين بيوت تنتظر أصحابها وأراضٍ فقدت قدرتها على الإنتاج، تقف عائلات إيزيدية أمام إرث ثقيل من القتل والخطف والفقدان، في حين لا يزال بعض أبنائها يبحثون عن مصير مفقودين لم يعودوا إلى ديارهم.
وتكشف قرى سنجار وجهاً آخر للنزوح، حين لا يكون الخطر المسلح وحده سبباً للبقاء بعيداً عن الوطن، بل تتداخل معه تداعيات الحرب والمناخ وضعف البنية التحتية وغياب سبل العيش، وهكذا، تبدو معركة سنجار اليوم معركة من أجل استعادة الحياة نفسها، لا مجرد استعادة السكان؛ فعودة الإنسان إلى أرضه لا تصبح ممكنة إلا عندما يجد فيها أمناً وماءً وعملاً وكرامة ومستقبلاً قابلاً للحياة.
في تقرير ميداني حديث قالت صحيفة “الغارديان” البريطانية إن عدداً من قرى سنجار في شمال العراق ما زال يعيش بين آثار الحرب وظروف مناخية واقتصادية تجعل عودة السكان أكثر صعوبة، بعدما فر أهلها من هجوم تنظيم داعش عام 2014.
ورصد التقرير قرى لا تزال شبه خالية، في حين يواجه من يفكرون في العودة أسئلة تتعلق بالمياه والعمل والزراعة والخدمات، لتتحول أزمة النزوح من مأساة أمنية فرضها السلاح إلى أزمة معيشية تتداخل فيها آثار الدمار مع الجفاف وشح المياه وارتفاع درجات الحرارة.
لكن بيانات الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة والمنظمات الحقوقية تكشف أن الجفاف يمثل جزءاً من قصة أكثر تعقيداً. فالنزوح في سنجار لم ينشأ بسبب المناخ، وإنما بدأ مع الهجوم الذي نفذه داعش، ثم تعقدت العودة بفعل الدمار وانعدام الأمن وضعف الخدمات وفرص العمل وملفات التعويض والمفقودين والمصالحة، قبل أن تضيف أزمة المياه والمناخ ضغطاً جديداً على قدرة الأسر على الاستقرار.
2014.. عام اقتلاع سنجار
قال فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من داعش إن التنظيم هاجم سنجار في أغسطس 2014 وارتكب بحق الإيزيديين جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، وفق أدلة وصفها الفريق بأنها واضحة ومقنعة.
وأوضح الفريق أن التحقيقات دعمت توثيق 83 موقعاً للإعدام في سنجار، في حين قدرت أعداد الإيزيديين الذين قتلوا خلال الهجوم بما يراوح بين 1434 و3100 شخص، مع تأكيد أن الرقم الدقيق لا يمكن تحديده حتى الآن، كما ساعد الفريق السلطات العراقية على التنقيب عن 37 مقبرة جماعية مرتبطة بالجرائم.
وأوضحت الأمم المتحدة أن هجوم داعش لم يقتصر على القتل، بل شمل خطف النساء والفتيات والاستعباد الجنسي والزواج القسري والاغتصاب والاتجار وغيرها من أشكال العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات براميلا باتن في أغسطس 2025 إن قرابة 2600 إيزيدي، إلى جانب نساء وفتيات من التركمان والشبك، ظلوا في عداد المفقودين، في حين لا تزال بعض الضحايا تواجه آثار الأسر والعنف والانفصال عن الأسرة والمجتمع.
قرى لم تستعد سكانها
أظهرت أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن العراق كان يضم حتى 31 ديسمبر 2025 نحو 997334 نازحاً داخلياً، مقابل 4954518 شخصاً عادوا إلى مناطقهم الأصلية منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بأحداث ما بعد 2014. لكن المنظمة تنبه إلى أن وصف الشخص بأنه “عائد” لا يعني بالضرورة أنه عاد في ظروف آمنة وكريمة أو أنه حصل على حل دائم؛ إذ تعتمد بياناتها على عودة الشخص إلى منطقة الأصل، بصرف النظر عن استعادة المسكن السابق أو اكتمال شروط الحل المستدام.
وقالت المنظمة الدولية للهجرة في دراسة متخصصة عن مناطق العودة المحدودة أو المنعدمة في سنجار وقحطانية إن المنطقة تحتاج إلى معالجة معوقات متعددة أمام إنهاء النزوح بصورة دائمة، ودعت الدراسة إلى حلول تتيح للنازحين اختيار مكان إقامتهم بصورة طوعية ومستنيرة.
البيت وحده لا يكفي
أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش بأن 80% من البنية التحتية العامة و70% من المنازل في سنجار تعرضت للدمار خلال الحرب على داعش، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة التي استندت إليها المنظمة الحقوقية.
وأوضحت أن تأخر إعادة الإعمار وضعف الخدمات وعدم الاستقرار الأمني وتأخر التعويضات مثلت معوقات أمام عودة السكان، منوهة إلى بدء صرف 99 مليار دينار عراقي لنحو 11 ألف شخص، بينهم نحو 3500 من سنجار، مع بقاء آلاف المطالبات المكتملة في انتظار الدفع.
وأعلنت وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة العراقية في أبريل 2025 توزيع سندات تمليك لأكثر من 14 ألف وحدة سكنية في 11 مجمعاً سكنياً للإيزيديين في سنجار، ضمن إجراءات لمعالجة أوضاع الملكية والسكن، ثم أكدت الوزارة في يونيو 2026 استمرار متابعة ملف تمليك المجمعات السكنية للإيزيديين في سنجار وقحطانية، وتوضح هذه الإجراءات أن استعادة الملكية والسكن ما زالت جزءاً من عملية إعادة الاستقرار بعد سنوات النزوح.
أزمة شح الماء
قالت الأمم المتحدة في العراق إن احتياطيات المياه الوطنية وصلت قبل تحسنها بفعل الأمطار الأخيرة إلى نحو 4 مليارات متر مكعب، وهو أدنى مستوى خلال 80 عاماً، في حين وصلت الخزانات الرئيسية في الشمال، ومنها سد الموصل، إلى مستويات شديدة الانخفاض، وأوضحت الأمم المتحدة أن شح المياه ألحق أضراراً بالصحة وسبل العيش والاستقرار، وأن الآبار تجف أسرع من قدرتها على التجدد، في حين تتدهور جودة المياه.
وكشفت الأمم المتحدة أن 31001 أسرة، تضم 186006 أشخاص، ظلت نازحة بسبب عوامل مناخية حتى سبتمبر 2025، وأن 63% من هؤلاء انتقلوا من المناطق الريفية إلى المدن، كما أكدت الأمم المتحدة أن السلطات حظرت الزراعة الصيفية والشتوية خلال 2025 في أكثر من 4 ملايين هكتار بسبب أزمة المياه. وتضع هذه الأرقام سنجار أمام تحدٍّ إضافي؛ لأن جزءاً مهماً من اقتصاد القرى يعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات، وهما نشاطان يتأثران مباشرة بتراجع المياه وارتفاع الحرارة.
العودة التي لا تضمن البقاء
أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن أزمة المياه العراقية تهدد حقوق ملايين الأطفال، بعدما هبطت الاحتياطيات الوطنية إلى نحو 4 مليارات متر مكعب، وأوضحت المنظمة أن المياه في بعض المجتمعات تصل إلى المنازل لساعات محدودة فقط أو في أيام معينة من الأسبوع. وفي القرى التي تعتمد على الزراعة، لا تعني ندرة المياه غياب مياه الشرب فقط، بل تعني أيضاً تقلص فرص العمل والدخل والغذاء، وهي عوامل يمكن أن تدفع الأسر إلى البقاء خارج مناطق الأصل حتى بعد تحسن الوضع الأمني.
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن الصراع والمناخ والاقتصاد أثرت مجتمعة في الزراعة بمناطق العودة العراقية، مشيرة إلى تراجع أعداد العاملين في القطاع الزراعي في مناطق شهدت عودة النازحين بعد الحرب على داعش، وتكشف هذه العلاقة أن إعادة الحياة إلى قرى سنجار تحتاج إلى أكثر من ترميم المنازل؛ فهي تحتاج إلى إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي، وتأمين المياه، وإعادة تأهيل الأراضي، وتوفير الخدمات وفرص العمل.
جرح الإبادة لم يلتئم
وقالت الأمم المتحدة إن فريقها ساعد السلطات العراقية على التنقيب عن 37 مقبرة جماعية مرتبطة بجرائم داعش في سنجار، وأدى العمل إلى إعادة رفات 186 ضحية إيزيدية جرى التعرف إليها إلى عائلاتها لدفنها بكرامة، كما حدد الفريق أكثر من 60 موقعاً للتراث الثقافي الإيزيدي تعرضت للتدمير أو الضرر.
وتوضح هذه الوقائع أن إعادة الإعمار في سنجار تتجاوز الجدران والطرق؛ لأنها ترتبط أيضاً بذاكرة مجتمع تعرض للإبادة وبحق العائلات في معرفة مصير أحبائها.
وأوضحت الأمم المتحدة أن قرابة 2600 إيزيدي ظلوا مفقودين حتى أغسطس 2025، في حين أظهرت تقارير أممية سابقة أعداداً عليا بحسب اختلاف تاريخ الرصد وتعريف الحالات التي كانت قيد البحث، ويؤكد هذا التباين نفسه أن ملف المفقودين لم يغلق، وأن آلاف الأسر لا تزال تحمل أسئلة لم تجد إجابات نهائية بشأن مصير أفرادها.
القانون يحمي حق العودة
أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن عودة النازحين يجب أن ترتبط بالأمن والكرامة والاستدامة، وليس بمجرد انتهاء النزاع أو إغلاق المخيمات، كما أشارت المفوضية إلى أن العراق اعتمد في 2021 خطة وطنية لعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، تشمل إعادة الإعمار وإعادة تأهيل المنازل والمصالحة والاستقرار والتنمية بعد العودة.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من مليون عراقي ما زالوا نازحين داخلياً، وإن بعض الإيزيديين وغيرهم قد لا يستطيعون أو لا يرغبون في العودة بسبب أوضاعهم الخاصة، مؤكدة أن الحلول يجب ألا تقتصر على العودة، بل يمكن أن تشمل الاندماج أو الانتقال إلى مناطق أخرى، وفق ظروف كل أسرة وحقوقها.
الدولة تواجه ملفاً متعدد الجبهات
أوضحت الحكومة العراقية في بيانات قدمتها إلى آليات الأمم المتحدة أن الدولة خصصت تمويلاً لإعادة إعمار سنجار وسهل نينوى، وأنها تعمل على التعويض ودعم العائدين وبرامج مكافحة البطالة وإعادة دمج المتضررين، منوهة بأن عشرات المشروعات نفذت أو كانت قيد التنفيذ في سنجار وسهل نينوى لدعم العودة، إلى جانب منح صغيرة لمشروعات مدرة للدخل وبرامج تعليمية ونفسية للناجين.
وأظهر مسار التعويضات وتثبيت الملكية وإعادة الإعمار أن الدولة العراقية قطعت خطوات في معالجة آثار النزوح، لكن استمرار وجود نازحين ومواقع تعاني محدودية العودة يشير إلى أن تنفيذ الحلول يحتاج إلى وقت واستثمارات متواصلة، في حين تبقى المياه والخدمات وفرص العمل والأمن والمصالحة ملفات متداخلة، بحيث يمكن لتعثر أحدها أن يضعف أثر التقدم في الملفات الأخرى.
من الحرب إلى أزمة البقاء
تقدم سنجار اليوم نموذجاً مكثفاً لنوع جديد من أزمات ما بعد النزاعات، فقد بدأ النزوح بتهديد عسكري مباشر، ثم استمر بسبب الدمار وغياب الخدمات والمخاوف الأمنية والتعويضات والمفقودين، في حين تضيف أزمة المناخ والمياه ضغوطاً اقتصادية جديدة على الأسر التي تفكر في العودة، ولا تشير البيانات إلى أن الجفاف وحده يفرغ قرى سنجار، لكنها تظهر بوضوح أن شح المياه يمكن أن يجعل العودة إلى مجتمع ريفي أكثر صعوبة عندما تتراجع قدرة الأرض على إنتاج الدخل والغذاء.
لهذا لا تقاس عودة سنجار بعدد الأسر التي تغادر المخيمات فقط، بل بقدرتها على البقاء، فالبيت الذي أعيد بناؤه لا يكفي إذا بقي البئر جافاً، والأرض بلا محصول، والمدرسة والخدمات الصحية بعيدة، ومصير المفقودين مجهولاً.. وبعد أكثر من عقد على هجوم داعش، لا تزال سنجار أمام مهمة تتجاوز إعادة إعمار قرية؛ إنها محاولة لإعادة بناء حياة مجتمع تعرض للإبادة والنزوح، ثم وجد نفسه أمام اختبار جديد عنوانه الماء والمناخ والقدرة على البقاء.

