في لبنان، لا تنتهي آثار الحرب عند خطوط المواجهة أو عند البيوت المهدمة والطرقات المقطوعة، فالوجه الأعمق للأزمة يظهر داخل مراكز النزوح، حيث يعيش آلاف الأطفال في قاعات مدرسية ومبانٍ مؤقتة تحولت فجأة إلى ملاجئ.
هناك لا يظهر الدمار فقط في الجدران، بل في سلوك الأطفال، في نومهم، في خوفهم من الأصوات العالية، في تعلقهم الشديد بذويهم، وفي فقدانهم الإحساس بالروتين والمدرسة واللعب الآمن.
ومع تصاعد الحرب منذ مارس 2026، تحولت أزمة النزوح في لبنان إلى أزمة طفولة واسعة، حيث يحتاج الأطفال إلى الحماية النفسية والاجتماعية بقدر حاجتهم إلى الماء والغذاء والمأوى.
حرب تطارد الأطفال
منذ تصاعد الأعمال القتالية في 2 مارس 2026، شهد لبنان واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي خلال السنوات الأخيرة، وبحسب اليونيسف، قُتل ما لا يقل عن 2196 شخصًا، بينهم 172 طفلًا، وأصيب 7185 شخصًا، بينهم 661 طفلًا، في أنحاء لبنان منذ بداية التصعيد. كما نزح أكثر من 1.1 مليون شخص، بينهم نحو 390 ألف طفل.
هذه الأرقام تعني أن الأطفال ليسوا على هامش الأزمة، بل في قلبها. فهم يُقتلون ويصابون وينزحون، ثم يُطلب منهم بعد ذلك أن يتكيفوا سريعًا مع حياة جديدة داخل مركز إيواء، غالبًا من دون خصوصية أو استقرار أو إمكانية واضحة للعودة.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 141,613 شخصًا كانوا يقيمون في 690 موقعًا جماعيًا للنزوح حتى 16 أبريل 2026، بينما يعيش كثيرون آخرون خارج المراكز الرسمية، إما لدى عائلات مضيفة أو في مساكن مستأجرة أو ملاجئ غير رسمية.
وتؤكد المنظمة أن كثيرًا من الأسر تعرضت لنزوح متكرر، ولا تستطيع العودة بسبب استمرار الأعمال القتالية والدمار الواسع.
هذا التشتت يجعل الوصول إلى الأطفال أكثر صعوبة، فالطفل الموجود في مركز رسمي قد تصل إليه خدمات نفسية أو تعليمية مؤقتة، أما الطفل الموجود في مسكن مزدحم أو ملجأ غير رسمي فقد يبقى خارج أنظمة الدعم والرصد، رغم أنه يعيش الصدمة نفسها.
مراكز مكتظة بالنازحين
داخل مراكز النزوح، تتحول القاعات إلى غرف نوم جماعية، وتصبح المدارس أماكن للإيواء بدل التعليم، وقالت منظمة إنقاذ الطفل، في إن بعض النازحين يعيشون في نحو 660 مركزًا جماعيًا، بينها نحو 470 مدرسة تحولت إلى مساكن مؤقتة.
ووصفت المنظمة الأطفال بأنهم وصلوا إلى الملاجئ حاملين أشياء صغيرة تمثل ما تبقى لهم من حياتهم السابقة، مثل لعبة مفضلة أو حقيبة مدرسة أو حتى حيوان أليف.
هذا المشهد يشرح كيف يفقد الطفل فجأة عالمه المعروف: البيت، الغرفة، المدرسة، الأصدقاء، الشارع، والروتين. وحين تغيب هذه العناصر، يبدأ القلق في الظهور في السلوك اليومي: البكاء، الصمت، العنف، التعلق، الكوابيس، التبول اللاإرادي، أو صعوبة التركيز.
وتؤكد منظمات الإغاثة أن الأطفال في لبنان يعانون ضغوطًا نفسية شديدة، وتقول “إنقاذ الطفل”، إن الأطفال أُجبروا على فقدان الإحساس بالأمان في منازلهم ومدارسهم وبين أصدقائهم، وأن كثيرين يشعرون بالخوف والضيق العاطفي الحاد.
كما نقلت المنظمة أن الأطفال في الملاجئ يرسمون منازل وأشجارًا وقرى تركوها خلفهم، ويكررون رغبتهم في العودة.
هذه التفاصيل تكشف أن الطفل لا يعيش النزوح فقط كفقدان مادي للمكان، بل كفقدان للمعنى.. فالرسم، واللعب، والصمت أو الانفعال تصبح طرقًا بديلة للتعبير عن صدمة لا يستطيع كثير من الأطفال شرحها بالكلمات.
طفولة بلا روتين
في مراكز النزوح، لا يخسر الأطفال بيوتهم فقط، بل يخسرون الإيقاع اليومي الذي يحميهم نفسيًا: موعد المدرسة، الواجبات، وقت اللعب، النوم في سرير ثابت، وجود مساحة خاصة، والتعامل الطبيعي مع الأصدقاء.
وتقول “إنقاذ الطفل” إن التصعيد الحالي أجبر كثيرًا من الأطفال على الخروج من المدرسة للعام السادس على التوالي، وإن بعضهم عادوا للنزوح إلى المدارس نفسها التي لجأوا إليها خلال تصعيد 2024، مع وصول محدود جدًا إلى التعليم عبر الإنترنت.
وهنا يصبح التعليم أداة حماية نفسية، لا مجرد حق أكاديمي؛ فالمدرسة تمنح الطفل شعورًا بأن الحياة مستمرة.. وحين تتحول المدرسة إلى مأوى، يفقد الطفل مكان التعلم ومكان الأمان معًا.
التعليم المهدد
تقدّر اليونيسف أن مليون طفل في لبنان يحتاجون إلى دعم تعليمي في 2026، وأن 1.1 مليون طفل يحتاجون إلى خدمات حماية الطفل، كما يشير نداء اليونيسف المنقح لعام 2026 إلى أن الأضرار التي طالت البنية التحتية والنزوح والضغط على الخدمات فاقمت مخاطر الحماية والتعليم والصحة والتغذية بالنسبة للأطفال وأسرهم.
وقدمت اليونيسف دعمًا تعليميًا ونفسيًا داخل بعض المواقع الآمنة؛ ففي تحديث 16 أبريل، أشارت إلى دعم نحو 11,839 طفلًا ومقدم رعاية بخدمات دعم نفسي اجتماعي مجتمعي في الملاجئ والمساحات المجتمعية، عبر أنشطة نفسية وترفيهية تهدف إلى تعزيز الصمود والرفاه والتماسك الاجتماعي.
وتفاقم الحرب أزمة الخدمات الأساسية في لبنان، الذي كان يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي وضغط طويل على قطاعاته العامة.
وتشير اليونيسف إلى أن الأضرار في البنية التحتية تضغط على أنظمة المياه والصرف الصحي والنظافة، وتزيد مخاطر الحماية والتعليم والصحة والتغذية، كما دعمت المنظمة استمرار خدمات المياه والصرف الصحي لأكثر من 2.8 مليون شخص، بينهم نحو 409 آلاف نازح داخل المجتمعات المضيفة.
داخل مراكز النزوح، تصبح المياه والنظافة جزءًا من حماية الطفل.. فالاكتظاظ وضعف المرافق الصحية يزيدان مخاطر الأمراض، ويؤثران على كرامة الأطفال، خصوصًا الفتيات والمراهقات، ويجعلان الحياة اليومية داخل الملجأ أكثر توترًا.
مخاطر حماية
الأطفال في مراكز النزوح أكثر عرضة لمخاطر الحماية، خصوصًا عندما تطول مدة الإقامة وتقل الموارد، وتشمل هذه المخاطر العنف داخل الأسرة، الإهمال، الاستغلال، الانفصال عن مقدمي الرعاية، التسرب المدرسي، عمالة الأطفال، والزواج المبكر في بعض البيئات الهشة.
وتشير اليونيسف إلى أن الاكتظاظ في الملاجئ وضعف الخصوصية يزيدان مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي على النساء والفتيات، وأنها دعمت تدخلات للحد من هذه المخاطر، بينها توزيع 3244 حقيبة كرامة على نساء وفتيات منذ بداية التصعيد.
ومن منظور حقوقي، لا يمكن التعامل مع الأطفال النازحين كمجرد أرقام إغاثية. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية خاصة للأطفال خلال النزاعات، ويُلزم أطراف القتال بتجنب استهداف المدنيين والبنية المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وعدم استخدام أوامر النزوح بطريقة تفضي إلى تهجير قسري أو تترك المدنيين بلا مكان آمن.
وفي أبريل الماضي، أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه من أوامر التحذير والنزوح الواسعة التي شملت أكثر من 189 بلدة وقرية في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بما يعادل نحو 14% من الأراضي اللبنانية، معتبرًا أنها أثارت مخاوف جدية من التهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني، خصوصًا مع بقاء الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة معرضين للخطر.
تمويل غير كافٍ
الاحتياجات تتسع بسرعة أكبر من الموارد المتاحة، ففي 16 أبريل، قالت اليونيسف إنها تحتاج إلى 48.3 مليون دولار للوصول إلى مليون شخص متضرر من التصعيد، لكنها لا تملك سوى 15.2 مليون دولار، ما يترك فجوة تمويلية قدرها 69%.
وحذرت من أن نقص التمويل قد يعطل خدمات حيوية للأطفال والأسر، بما في ذلك المياه الآمنة، الصحة، التغذية، والحماية.
وفي نداء أوسع لعام 2026، رفعت اليونيسف احتياجاتها إلى 388.5 مليون دولار للوصول إلى مليوني شخص، بينهم 700 ألف طفل، في ظل تراكم النزوح والحرب والانهيار الاقتصادي والضغوط المناخية.
الأثر النفسي للحرب لا ينتهي بانتهاء القصف، الأطفال الذين عاشوا النزوح المتكرر قد يحملون آثارًا طويلة: خوف مزمن، صعوبات تعلم، اضطرابات نوم، حساسية مفرطة للأصوات، فقدان الثقة بالعالم، أو صعوبة الاندماج بعد العودة، وإذا بقي التعليم متقطعًا والدعم النفسي محدودًا، فقد تتحول صدمة الحرب إلى عامل يحدد مستقبل جيل كامل.
لذلك، فإن حماية الأطفال في لبنان لا تعني فقط نقلهم بعيدًا عن الخطر المباشر، بل تعني توفير مساحات آمنة ودعم نفسي مستمر، وعودة إلى التعليم، وخدمات صحية، وأنشطة لعب منظمة، وحماية قانونية وإنسانية تمنع تحول النزوح إلى حالة دائمة.

