كان الضرر المرتبط بصورة شخصية يتوقف في السابق عند دائرة محدودة نسبياً ممن شاهدوها، أما في البيئة الرقمية، فقد انفصلت الصورة عن المكان الذي التقطت فيه وعن الشخص الذي تظهره، وأصبح بالإمكان نسخها وحفظها وإعادة نشرها وتعديلها وإيصالها إلى جمهور لم يختر صاحبها أن يراها.
هنا تحديداً تتغير طبيعة القضية: فالمشكلة ليست في الصورة وحدها، بل في فقدان الإنسان السيطرة على أحد أكثر عناصر هويته الشخصية وضوحاً.
وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر 98.2 مليون شخص بنهاية 2025، ما يعادل 82.7% من السكان، في حين بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 51.6 مليون هوية في أكتوبر من العام نفسه، وفق بيانات DataReportal.
ولا يعني الرقم الأخير بالضرورة وجود 51.6 مليون شخص مختلف على منصات التواصل، إذ ينبه المصدر إلى أن بيانات «هويات المستخدمين» قد لا تعادل عدد الأفراد الفعليين.
لكن هذه الكثافة الرقمية توضح حجم المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها صورة شخصية بمجرد نشرها، خصوصاً مع سهولة النسخ وإعادة التداول والاحتفاظ بالمحتوى حتى بعد حذفه من مصدره الأول.
خطورة نشر الصور
تختلف خطورة نشر صورة شخصية رقمياً عن مجرد مشاهدتها في مكانها الأصلي. فبعد انتقالها إلى الإنترنت يمكن نسخها أو اقتطاعها من سياقها أو ربطها بتعليقات ومعلومات جديدة أو استخدامها في التشهير والتنمر والاستغلال التجاري، وصولاً إلى التلاعب الرقمي بها.
وهذا ما يجعل «الموافقة» مسألة مركزية في حماية الخصوصية؛ إذ إن السماح بالتقاط صورة في سياق معين لا يعني بالضرورة منح موافقة مفتوحة على استخدامها في كل سياق لاحق، كما أن ظهور شخص في مكان عام لا يمنح الآخرين تلقائياً حقاً مطلقاً في استغلال صورته كيفما شاؤوا.
ولا يتحدد الفاصل القانوني بالمكان وحده، بل بطبيعة الواقعة وكيفية الحصول على الصورة واستخدامها وسياق نشرها ومدى مساس ذلك بالحياة الخاصة أو الحقوق الأخرى التي يحميها القانون.
من الدستور إلى النشر الإلكتروني
ينص الدستور المصري في المادة 57 على أن للحياة الخاصة حرمة وهي مصونة لا تمس، كما يكفل سرية وسائل الاتصال الإلكترونية وغيرها.
ويذهب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 إلى معالجة النشر الرقمي بصورة أكثر تحديداً. فالمادة 25 تجرم نشر معلومات أو أخبار أو صور عبر الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات إذا انتهكت خصوصية شخص من دون رضاه، سواء كانت المادة المنشورة صحيحة أم غير صحيحة.
وتقرر المادة عقوبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة بين 50 ألفاً و100 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين، وهنا تظهر نقطة جوهرية: صحة الصورة لا تنفي بالضرورة انتهاك الخصوصية، حيث إن القضية ليست محصورة في الصور المفبركة، وإنما قد تتعلق أيضاً بصورة حقيقية جرى نشرها على نحو ينتهك خصوصية صاحبها.
الصورة امتداد لشخصية الإنسان
يقول الدكتور وائل نجم المحامي بالنقض إن الصورة ليست مجرد بيانات، بل امتداد بصري لشخصية الفرد وكرامته، وإن نشرها دون إذن قد يسلب صاحبها السيطرة على هويته البصرية ويعرضه لأشكال مختلفة من الضرر، بينها التنمر والتشهير والاستغلال التجاري والتعديل الرقمي.
ويضيف نجم في حديثه لـ«صفر» أن استخدام صور الأشخاص عبر وسائل التواصل من دون إذن يمكن أن يرتب مسؤولية قانونية عندما يؤدي النشر إلى انتهاك الخصوصية أو الإساءة إلى الشخص؛ فتصبح المسألة أكثر تعقيداً بعد التداول؛ لأن الصورة قد تنتقل من الحساب الذي نشرها أولاً إلى عشرات الحسابات والصفحات، ما يجعل وقف انتشارها واستعادة السيطرة عليها أكثر صعوبة.
إعادة النشر ليست فعلاً محايداً
لا يعني أن شخصاً آخر سبق إلى نشر الصورة أن إعادة تداولها أصبحت مباحة تلقائياً، فكل عملية نشر جديدة يمكن أن توسع نطاق الضرر وتمنح المحتوى جمهوراً إضافياً، لكن المسؤولية القانونية عن إعادة النشر ينبغي عدم افتراضها بصورة آلية، وإنما تقدر بحسب ظروف كل واقعة وطبيعة المحتوى وطريقة استخدامه ومدى انطباق النصوص القانونية عليها.
ولا تقتصر الحماية على العقوبة بعد وقوع الضرر، فهي تحتاج كذلك إلى تعزيز ثقافة الموافقة، ورفع الوعي بالخصوصية الرقمية، وتيسير الإبلاغ عن المحتوى المنتهك وتسريع التعامل معه قبل أن يصبح انتشاره عصياً على الاحتواء.
وتكشف الصورة الشخصية واحدة من أصعب مفارقات العصر الرقمي: يستطيع صاحبها أن يطلب حذف النسخة الأصلية، لكنه قد لا يعرف أبداً عدد النسخ التي أصبحت موجودة خارج سيطرته.
لهذا تصبح الحماية الفعلية للخصوصية أوسع من ملاحقة أول ناشر، فهي تبدأ من الاعتراف بأن سهولة النسخ لا تمنح حق الاستخدام، وأن وجود الصورة على شاشة ما لا يجعلها ملكاً عاماً، وأن الضرر الرقمي لا يقاس فقط بما نُشر عن الإنسان، بل بما فقده من قدرة على تقرير أين تظهر صورته ولمن وفي أي سياق.

