منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جرائم الكراهية في بريطانيا.. تصاعد مستمر يهدد التماسك الاجتماعي وحقوق الأقليات

05 يوليو 2026
احتجاجات ضد الكراهية
احتجاجات ضد الكراهية

تشهد المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في جرائم الكراهية والتمييز، في ظل تزايد الاستقطاب السياسي المرتبط بالهجرة والهوية الدينية. وتكشف أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة البريطانية، إلى جانب تقارير المنظمات الحقوقية، أن هذا التصاعد لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح اتجاهاً بنيوياً يؤثر في حياة الأقليات الدينية والعرقية، وفي مقدمتها الجالية المسلمة.

وزارة الداخلية البريطانية سجلت في السنة المنتهية في مارس 2025 ما مجموعه 137,550 جريمة كراهية في إنجلترا وويلز، بحسب البيانات الرسمية المنشورة في 2025، مع تسجيل 115,990 جريمة بعد استثناء بيانات شرطة العاصمة في بعض المقارنات. وتظهر الأرقام أن الجرائم ذات الدوافع العنصرية تشكل النسبة الكبرى من إجمالي الجرائم، في حين ارتفعت الجرائم الدينية بنسبة واضحة، مع زيادة لافتة في الجرائم الموجهة ضد المسلمين.

استهداف المسلمين.. من الشارع إلى الفضاء الرقمي

تقرير مؤسسة “Tell MAMA” البريطانية، المتخصصة في رصد جرائم الكراهية ضد المسلمين، يسجل 5,837 حادثة كراهية ضد المسلمين خلال عام 2024، وهو أعلى رقم منذ تأسيس المؤسسة عام 2012، وتشير المؤسسة إلى أن هذا الارتفاع يرتبط بتصاعد التوترات السياسية والاجتماعية، إضافة إلى تأثير الأحداث الدولية التي انعكست على الداخل البريطاني.

تقرير بحثي صادر عن “British Future” بالتعاون مع “British Muslim Trust” يكشف أن 56 بالمئة من المسلمين في بريطانيا تعرضوا خلال 12 شهراً لأشكال من التمييز أو العداء، وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن 27 بالمئة تعرضوا لمضايقات في الأماكن العامة، في حين واجه 19 بالمئة تمييزاً في أماكن العمل والخدمات العامة.

كما يظهر التقرير أن 34 بالمئة من المسلمين تعرضوا لخطاب كراهية عبر الإنترنت، ما يعكس توسع الفضاء الرقمي بوصفه مصدراً رئيسياً للتحريض والتمييز.

فجوة اجتماعية متسعة 

بيانات الاستطلاع ذاته تكشف انقساماً واضحاً في نظرة المجتمع البريطاني للمسلمين، حيث يرى 29 بالمئة من الأشخاص فوق 65 عاماً أن المسلمين يقدمون تأثيراً سلبياً، في حين يرى 43 بالمئة من الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً أن المسلمين يقدمون إسهامات إيجابية في المجتمع.

وتشير لجنة المساواة وحقوق الإنسان في بريطانيا إلى أن هذا الانقسام يعكس فجوة أعمق في الإدراك الاجتماعي، مرتبطة بالخطاب السياسي والإعلامي حول الهوية والهجرة، ما ينعكس على مستوى التماسك الاجتماعي داخل البلاد.

الإعلام وخطاب الكراهية

مؤسسة “Tell MAMA” تشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الأكبر لخطاب الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا، ومنه دعوات للترحيل أو العنف، إضافة إلى انتشار الأخبار المضللة التي تعزز الصور النمطية السلبية.

كما يوضح التقرير أن 52 بالمئة من المسلمين في بريطانيا يعتقدون أن الإعلام يقدم تغطية غير عادلة لهم مقارنة ببقية الفئات، ما يعزز الشعور بالتهميش ويؤثر في الثقة بالمؤسسات الإعلامية.

ارتفاع القلق المجتمعي 

تشير بيانات ميدانية حديثة صادرة في 2026 إلى استمرار تأثير احتجاجات اليمين المتطرف في شعور الجاليات المسلمة بالأمن، حيث أظهرت دراسة British Muslim Trust أن 61 بالمئة من المسلمين يشعرون بقلق متزايد على سلامتهم الشخصية، وترتفع النسبة إلى 69 بالمئة بين النساء المسلمات.

وفي حادثة حديثة موثقة في يوليو 2026 بمدينة غلاسكو، سجلت الشرطة البريطانية بلاغاً حول اعتداء لفظي عنصري ضد أطفال مسلمين، ما يعكس استمرار حوادث الكراهية في الشارع البريطاني، وفق تقارير الشرطة المحلية.

الحكومة البريطانية والإطار القانوني

الحكومة البريطانية تعتمد على قوانين مكافحة جرائم الكراهية ضمن قانون العدالة الجنائية والنظام العام الذي يجرم التحريض على الكراهية الدينية والعرقية، وزارة الداخلية البريطانية تؤكد أن جرائم الكراهية تمثل أولوية أمنية، وتعمل الشرطة على تسجيلها وملاحقة مرتكبيها بشكل دوري.

كما تشير لجنة المساواة وحقوق الإنسان إلى أن التحدي لا يقتصر على الجرائم فقط، بل يشمل التمييز غير المباشر في مجالات التعليم والعمل والإسكان، ما يتطلب سياسات طويلة المدى لتعزيز المساواة.

الأمم المتحدة.. التزامات قانونية ومخاوف مستمرة

تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن جرائم الكراهية لا تمثل مجرد انتهاكات فردية معزولة، بل تشكل خرقاً مباشراً لالتزامات الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه المملكة المتحدة، والذي يفرض على الدول التزاماً قانونياً واضحاً بحماية الأفراد من التمييز والتحريض على الكراهية، وضمان المساواة أمام القانون دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الأصل.

وتشدد المفوضية على أن المادة 20 من العهد الدولي تُلزم الدول بحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف، وهو ما يضع على عاتق السلطات البريطانية مسؤولية مزدوجة تتمثل في حماية حرية التعبير من جهة، ومنع تحولها إلى أداة للتحريض والإقصاء من جهة أخرى.

وفي السياق ذاته، تؤكد لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أن تصاعد الإسلاموفوبيا وكراهية الأجانب في عدد من الدول الأوروبية، ومنها المملكة المتحدة، يتطلب استجابة قانونية ومؤسسية أكثر صرامة، تقوم على الرصد المنهجي لجرائم الكراهية، وتعزيز آليات الإبلاغ والحماية، وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.

كما تدعو اللجنة الدول الأطراف إلى معالجة جذور التمييز في الخطاب العام، ومنها الخطاب السياسي والإعلامي الذي قد يسهم في تطبيع الصور النمطية السلبية ضد الأقليات، مع تأكيد ضرورة أن تظل حرية التعبير محمية بموجب القانون الدولي، ولكن دون أن تتحول إلى غطاء لخطابات تحض على العنف أو الكراهية.

وتشير الأمم المتحدة في تقاريرها الأوسع حول حرية الدين والمعتقد إلى أن تنامي جرائم الكراهية يرتبط بشكل مباشر بزيادة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وأن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب سياسات شاملة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تشمل التعليم والإعلام وتعزيز ثقافة التعددية والتسامح داخل المجتمعات.

تحولات عميقة

شهدت بريطانيا تحولات عميقة في بنيتها الاجتماعية نتيجة موجات الهجرة منذ منتصف القرن العشرين. ومع أحداث 11 سبتمبر 2001، ثم تفجيرات لندن 2005، تصاعد الخطاب الأمني المرتبط بالإسلام والمسلمين.

وفي العقد الأخير أسهمت أزمة اللاجئين الأوروبية، إلى جانب تصاعد الخطاب الشعبوي، في إعادة تشكيل النقاش العام حول الهوية الوطنية، ما انعكس على زيادة جرائم الكراهية، خاصة ضد المسلمين والأقليات العرقية.

 البعد السياسي واليمين المتطرف

تشير بيانات الشرطة البريطانية وتقارير أمنية إلى تنامي نشاط مجموعات يمينية متطرفة تستغل قضايا الهجرة والاقتصاد لنشر خطاب معادٍ للمهاجرين. وتؤكد السلطات أنها تراقب هذه الجماعات باعتبارها تهديداً محتملاً للأمن الداخلي.

كما تشير تقارير إعلامية حديثة في 2026 إلى أن الخطاب المناهض للهجرة أسهم في زيادة الشعور بالعنصرية داخل بعض المجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق التي شهدت احتجاجات سياسية مرتبطة بالهجرة.

تُظهر البيانات الرسمية وتقارير المنظمات الحقوقية أن جرائم الكراهية في بريطانيا لم تعد أحداثاً فردية، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالخطاب السياسي والإعلامي والاقتصادي.

ويؤدي هذا الواقع إلى زيادة الاستقطاب داخل المجتمع البريطاني، مع تراجع شعور بعض الأقليات بالأمان، وارتفاع مستويات القلق الاجتماعي، ما يضع تحدياً مباشراً أمام نموذج التعددية البريطانية.

تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية، إلى جانب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، أن جرائم الكراهية في المملكة المتحدة تمثل أزمة متصاعدة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية وقانونية، وبينما تواصل الحكومة تعزيز أدواتها الأمنية والقانونية، تشير البيانات إلى أن معالجة جذور الأزمة تتطلب مقاربة أوسع تشمل التعليم والإعلام والسياسات الاجتماعية، لضمان حماية التعددية الدينية والعرقية والحفاظ على التماسك الاجتماعي في البلاد.

 

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print