كينيث محمد*
تابعتُ خلال الأيام الماضية التغطية الإعلامية للهجوم الإرهابي المروع الذي استهدف المركز الإسلامي في سان دييغو بولاية كاليفورنيا.
لكن بينما كانت القصة تنتقل بين الشاشات وصفحات الأخبار، كان هناك أمر أكثر خفاءً يحدث في الخلفية: اللغة المستخدمة في التغطية.
بعض وسائل الإعلام تحدث عن “مراهقين مشتبه بهم” و”ثلاثة قتلى”، بدلاً من الحديث بوضوح عن مصلين قُتلوا في هجوم إرهابي استهدف مسجداً.
الكلمات ليست تفصيلاً صغيراً، هي التي تحدد حجم التعاطف، والإحساس بالإلحاح، والطريقة التي يفهم بها الناس العنف.
وفي كثير من الأحيان، يبدو أن مفردات “الإرهاب” و”التطرف” تُستخدم بانتقائية؛ تُشحذ ضد بعض الجناة، في حين تُخفف وتُلطّف مع آخرين.
هناك شعور متزايد بأن العالم يتراجع إلى الخلف، ليس عبر انهيارات درامية مفاجئة، بل من خلال التطبيع التدريجي للكراهية، وتدهور الخطاب العام، وتصاعد دور السياسيين في تغذية الانقسام والعنصرية.
في أنحاء العالم، ارتفعت الاعتداءات المعادية للمسلمين بشكل حاد: مساجد تتعرض للتخريب، نساء محجبات يُعتدى عليهن، فضاءات الإنترنت تغرق بخطابات الكراهية، ومسيرات لليمين المتطرف تدعو علناً إلى “القضاء على الإسلام”. ومع ذلك، نادراً ما تثير هذه الوقائع موجات غضب مستمرة.
تظهر في الأخبار سريعاً، ثم تختفي داخل دوامة النسيان الإعلامي.
في الولايات المتحدة، أسهمت رئاسة دونالد ترامب في تطبيع سياسات مثل “حظر المسلمين” الذي منع دخول مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة إلى البلاد لمدة 90 يوماً، ورسّخ الشك تجاه المسلمين داخل أنظمة الهجرة نفسها.
وفي بريطانيا وأوروبا بنت أحزاب مثل “إصلاح المملكة المتحدة”، و”التجمع الوطني” الفرنسي، و”البديل من أجل ألمانيا” نفوذها السياسي عبر تصوير الإسلام باعتباره غير متوافق مع الهوية الوطنية.
أما في الهند، وتحت حكم ناريندرا مودي، فقد انتقلت المشاعر المعادية للمسلمين تدريجياً من الهامش إلى قلب الخطاب السياسي السائد.
خطابات تحريضية، وعنف جماعي، وتشريعات تمييزية، وتهميش متزايد للمسلمين كلها مؤشرات على مناخ جرى تشجيعه سياسياً، ولم تتم مواجهته بجدية من القيادات المحلية أو الدولية.
وما يتشكل هنا ليس مجرد تحيز عابر، بل تطبيع للإقصاء تحت غطاء “القومية”.
وفي الصين، تمثل حملات الاحتجاز الجماعي لمسلمي الإيغور نموذجاً أكثر تطرفاً للقمع الذي تقوده الدولة، ورغم الإدانات الدولية الواسعة، فإن ردود الفعل العالمية ظلت محدودة ومؤقتة.
ما يجمع كل هذه الحالات بسيط وواضح: الهوية المسلمة لا تُعامل باعتبارها مكوناً يجب دمجه، بل باعتبارها “مشكلة” ينبغي إدارتها والسيطرة عليها.
قبل فترة، أدان الأمير هاري كلاً من معاداة السامية والإسلاموفوبيا.
لكن معظم العناوين الصحفية سلطت الضوء بقوة على حديثه عن معاداة السامية، في حين جرى اختزال إشاراته إلى الإسلاموفوبيا أو تجاهلها بالكامل.
هذا الاختلال خبيث وخطير، والأخطر منه الطريقة التي تُعيد بها بعض وسائل الإعلام تشكيل الإدراك العام عبر الانتقاء والحذف.
ففي حادثة حريق متعمد مؤخراً، تحدثت التغطيات الإعلامية عن استهداف “كنيس يهودي سابق”، ما يوحي تلقائياً بوجود دافع معادٍ لليهود، في حين تجاهلت أن المبنى كان موضوع حملة تمويل قادها شبان مسلمون محليون كانوا قد دفعوا بالفعل مقدماً مالياً كبيراً لتحويله إلى مسجد ومركز مجتمعي.
المشكلة ليست في وجود معاداة للسامية أو كراهية ضد المسلمين فكلاهما موجود بلا شك.
لكن الانتقائية في التغطية تشوه فهم الجمهور، وتؤجج التوترات، وتجعل المجتمعات اليهودية والمسلمة أقل أماناً في النهاية.
وفي عصر أصبحت فيه الصورة الذهنية تصنع الواقع، يمكن للحذف أن يكون خطيراً بقدر خطورة التضليل نفسه.
منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ارتبطت السرديات العالمية حول الإرهاب والهجرة والصراعات الجيوسياسية بالهوية المسلمة باعتبارها مصدر تهديد.
وقد أسهم السياسيون ووسائل الإعلام وسياسات الدول في ترسيخ هذه الصورة عبر القارات، ما بدأ بوصفه رد فعل على لحظة تاريخية تحول تدريجياً إلى بنية دائمة.
وما يميز الإسلاموفوبيا عن غيرها من أشكال العنصرية أنها نادراً ما تُعبّر عن نفسها بلغة عرقية مباشرة، بل تُقدَّم غالباً عبر مفردات “الأمن” و”الثقافة” و”الاندماج”، ما يجعل الدفاع عنها أسهل ومواجهتها أصعب.
المؤرخ والكاتب الترينيدادي سيريل ليونيل روبرت جيمس رأى أن العنصرية ليست مجرد مواقف فردية، بل أنظمة استغلال وهيمنة.
أما الطبيب النفسي والمفكر فرانز فانون فأوضح أن العنصرية تُنتجها البنى الاقتصادية والسياسية، لا مجرد معتقدات الناس.
فالتمييز لا يستمر بسبب ما يؤمن به الأفراد فقط، بل بسبب الطريقة التي تُنظم بها السلطة.
وفي كتابه “المسلمون قادمون”، يجادل الكاتب والأكاديمي آرون كوندناني بأن الإسلاموفوبيا تعيد تعريف المسلمين باعتبارهم “مشكلة أمنية”.
وهذا التصور لا يؤثر فقط في الخطاب العام، بل يشكل أساليب الحكم والاقتصاد والعلاقات الدولية؛ لأنه يحدد من يُمنح الثقة ومن تصبح حقوقه مشروطة.
واستمرار الإسلاموفوبيا يعتمد على وجود “هرمية عالمية للتعاطف”، حيث لا تُعامل كل أشكال العنصرية بالطريقة نفسها.
بعضها يُدان بوضوح ودون تردد، في حين تُبرر أشكال أخرى عبر خطاب الأمن أو “فشل الاندماج” أو “التوتر الثقافي”.
والإسلاموفوبيا تعيش داخل هذه المنطقة الرمادية؛ نادراً ما تُدافع عنها المجتمعات علناً، لكنها تُبرر بطرق لا تُمنح لأشكال أخرى من الكراهية.
حتى خطاب “الاندماج” نفسه يحمل قدراً هائلاً من النفاق، فمن المثير للسخرية أن يُلقي سياسيون غربيون المحاضرات على المهاجرين حول ضرورة الاندماج، في حين تعيش مجتمعات أمريكية وبريطانية وفرنسية كاملة في إفريقيا وآسيا والخليج والكاريبي داخل فقاعات اجتماعية وثقافية مغلقة.
مجمعات سكنية معزولة، وحانات بريطانية، وأنماط حياة مستوردة، وأسعار عقارات تدفع السكان المحليين إلى التهميش الاقتصادي، ومع ذلك لا يوصف أي من هذا بأنه “فشل في الاندماج”.
يبدو أن هذا المعيار يعمل في اتجاه واحد فقط.
تكلفة الإسلاموفوبيا هائلة ومتعددة الأبعاد، فهي تمزق المجتمعات وتغذي الانقسام.
المسلمون يواجهون عقبات في الوظائف والتمويل والترقي الاجتماعي، غالباً عبر ممارسات توظيف غير معلنة، ما يؤدي إلى هدر الطاقات وإضعاف النمو الاقتصادي.
كما أن الفصل في السكن والتعليم والحياة العامة يخلق مشاعر الاغتراب ويعمق اللامساواة والانقسام الاجتماعي.
وقد حذر المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” من أن اختزال الشعوب إلى “مواضيع للريبة” يقوض التعددية التي تعتمد عليها المجتمعات المستقرة.
الإعلام والتكنولوجيا والسياسة الدولية كلها تضاعف هذه الأزمة، فعندما يُربط المسلمون باستمرار بالعنف والتطرف، تصبح العنصرية أمراً اعتيادياً، وتُختزل الصراعات المتعلقة بالدول ذات الأغلبية المسلمة في سرديات مبسطة حول “الإرهاب”.
ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتسرّع هذه العملية، عبر مكافأة الغضب واختزال التعقيد، حتى يبدو التحيز وكأنه “منطق طبيعي”.
وهذه السرديات لا تبقى محصورة في السياسة الخارجية، بل تتسلل إلى المدارس وأماكن العمل والنقاشات العامة، لتشكل طريقة رؤية المجتمعات للمسلمين والتعامل معهم.
وهنا تكمن خطورة الإسلاموفوبيا الحقيقية؛ إنها نادراً ما تعلن نفسها كراهية مباشرة، لكنها تعيد تشكيل وعي الملايين.
ويمتد المنطق نفسه إلى التنمية الدولية، حيث تُوجَّه الموارد نحو مراقبة المجتمعات بدلاً من دمجها وتمكينها.
فالدول ذات الأغلبية المسلمة تُعامل كثيراً من خلال عدسة أمنية قائمة على الشك، وتُربط المساعدات فيها بمكافحة الإرهاب بدلاً من التنمية طويلة المدى.
والنتيجة هي سياسات مشوهة، وشراكات ضعيفة، وتعاون دولي أقل كفاءة، في وقت يحتاج فيه العالم إلى العكس تماماً لمواجهة أزمات المناخ والهجرة والصحة العالمية.
في الديمقراطيات الليبرالية كما في الأنظمة السلطوية، تحولت الإسلاموفوبيا إلى أداة سياسية مرنة تقوم على الخوف والتضليل والنسيان التاريخي.
وأخطر ما فيها أنها أصبحت “مقبولة” اجتماعياً، بفضل الصمت، والانتقائية في الغضب، والغموض المؤسسي، لكن نتائجها ليست غامضة على الإطلاق.
إذا كانت التنمية تعني الشمول والعدالة وازدهار الإنسان، فلا يمكن أن تتعايش مع هرمية تعاطف تعترف ببعض أشكال الظلم وتتجاهل أخرى.
ولا يمكنها الاستمرار في عالم تُواجه فيه بعض أشكال العنصرية بحزم، في حين تُترك أخرى لتذوب في الخلفية باعتبارها أمراً “مؤسفاً لكنه مقبول”.
وفي لحظة يُصوَّر فيها الإسلام باعتباره مصدراً للانقسام، يجدر بنا أن نتذكر ما رواه مالكوم إكس عن رحلته إلى مكة عام 1964، حين رأى مسلمين من جميع الأعراق يصلّون معاً على قدم المساواة، وهي التجربة التي غيرت فهمه للعرق والكرامة الإنسانية.
لقد رأى هناك إسلاماً قائماً على العالمية الإنسانية، لا على الخوف، وكشف له زيف التراتبيات العنصرية التي يقوم عليها كثير من هذا الخطاب.
وكما قال الكاتب والناشط الحقوقي جيمس بالدوين: “ليس كل ما نواجهه يمكن تغييره، لكن لا شيء يمكن تغييره ما لم نواجهه أولاً”.
والتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط الاعتراف بالإسلاموفوبيا باعتبارها تحيزاً، بل فهمها بوصفها قوة بنيوية متجذرة في أنظمة الحكم والاقتصاد والنظام العالمي نفسه.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الإسلاموفوبيا ما أصبحت عليه بهدوء؛ أكثر أشكال التحيز قبولاً في العالم، وربما أحد أكثرها خطورة وتأثيراً.
*نقلاً عن الجارديان
