بتطورات متسارعة، شهدت تونس عام 2025 مساراً نحو تضييق الحريات العامة وتقويض الضمانات القانونية والمؤسسية، إذ تتسع دائرة القمع لتشمل مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين، في حين تتعمق أزمة الثقة في العدالة، ويزداد القلق بشأن مستقبل الحقوق والحريات في البلاد.
ووفق تقرير منظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن)، فإن أوضاع حقوق الإنسان شهدت تدهوراً ملحوظاً في عام 2025، في ظل تصعيد غير مسبوق من قبل السلطات ضد حرية التعبير والتجمع السلمي وكافة أشكال المعارضة السياسية، حيث امتدت هذه الإجراءات لتشمل ملاحقة منظمات المجتمع المدني، وتضييق الخناق على المدافعين عن حقوق الإنسان، فضلاً عن انتهاكات واسعة بحق المهاجرين واللاجئين، ما يعكس أزمة عميقة في سيادة القانون واستقلال المؤسسات.
وكثّفت السلطات التونسية استهدافها للمعارضة السياسية عبر محاكمات جماعية وأحكام قاسية، ففيما عُرف بـ”قضية التآمر”، أصدرت محكمة تونس العاصمة أحكاماً بالسجن تراوحت بين 4 و66 عاماً بحق 37 معارضاً، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف لاحقاً أحكاماً بحق 34 منهم، كما طالت الأحكام شخصيات سياسية بارزة، منها نور الدين البحيري وعبير موسي، إضافة إلى محاكمات جديدة ضمن “قضية التآمر 2” شملت قيادات من حركة النهضة.
ولم تقتصر الملاحقات على السياسيين في تونس فقط، بل امتدت إلى محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان، مثل العياشي الهمامي الذي تم توقيفه لتنفيذ حكم بالسجن، في سياق يُظهر تزايد استخدام القضاء بوصفه أداة لتقييد الخصوم، كما واصلت السلطات استخدام المرسوم عدد 54 لسنة 2022 لملاحقة الصحفيين والنشطاء ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وبحسب نقابة الصحفيين، خضع 29 صحفياً للتحقيق أو المحاكمة حتى سبتمبر الماضي.
وشهد عام 2025 قضايا لافتة، منها الحكم بالإعدام على صابر شوشان بسبب منشورات على فيسبوك، قبل أن يُفرج عنه بعفو رئاسي، وكذلك الحكم على المنصف الهوايدي بالسجن عامين بسبب انتقاداته للرئيس، كما استمرت ملاحقة إعلاميين ومحامين، مثل سنية الدهماني ودليلة بن مبارك مصدق، بتهم تتعلق بنشر “أخبار كاذبة”.
قيود على الفضاء العام
وتعرضت منظمات المجتمع المدني لضغوط متزايدة، شملت تحقيقات جنائية وتجميد أصول وتأخير تحويلات مالية من الخارج، حيث خضع ما لا يقل عن 40 ناشطاً للتحقيق، وأُحيل عدد منهم للمحاكمة.
كما صدرت أحكام بالسجن بحق عاملين في منظمات إنسانية داخل تونس بسبب تقديمهم مساعدات للاجئين، في حين طالت التحقيقات منظمات بارزة مثل “أنا يقظ” و”المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، إضافة إلى تعليق أنشطة عدد من الجمعيات دون إجراءات قانونية واضحة.
واتسمت المحاكمات بانتهاكات جسيمة، منها عقد جلسات عن بُعد دون حضور المتهمين، ومنع المراقبين والصحفيين من الحضور، ما أضعف الشفافية، في حين وثّقت جهات قضائية تدخل السلطة التنفيذية في التعيينات والنقل التعسفي للقضاة، في ظل استمرار أزمة القضاة المعزولين منذ 2022 دون إنصاف.
وبحسب تقرير “العفو الدولية”، واصلت السلطات انتهاك حقوق المهاجرين واللاجئين عبر الطرد الجماعي والاحتجاز التعسفي، فضلاً عن الإعادة القسرية إلى ليبيا والجزائر، في مخالفة واضحة للقانون الدولي، كما استمر تعليق تسجيل طلبات اللجوء، ما حرم العديد من الحماية القانونية.
وتزايدت حدة العنف العنصري ضد المهاجرين السود، مدفوعة بخطابات رسمية وتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في حين نفذت السلطات عمليات إخلاء قسري لمخيمات اللاجئين، خاصة في صفاقس.
وسجلت منظمات حقوقية زيادة في ملاحقة أفراد مجتمع “الميم”، حيث تم توقيف عشرات الأشخاص ومحاكمتهم بموجب قوانين تُجرّم العلاقات المثلية، وأصدرت المحاكم أحكاماً بالسجن وصلت إلى ثلاث سنوات في بعض الحالات.
التعامل بالتجاهل والاستهتار
وتعقيباً على ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية، قال الناشط الحقوقي التونسي عبد الرؤوف العيادي، في تصريح لـ“صفر”، إن رصد التراجعات الملحوظة في المسار الحقوقي في تونس يعكس إلى حد كبير واقع الأوضاع الفعلية.
وأوضح العيادي أن المجال الحقوقي يشهد بالفعل تدهوراً لافتاً، مؤكداً أن المؤشرات على ذلك عديدة وواضحة، منها تزايد وتيرة الملاحقات القضائية والتوقيفات، فضلاً عن المحاكمات والأحكام المشددة الصادرة عن القضاء، مشيراً إلى أن هذا التراجع جاء على حساب الحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية التعبير وحرية التنظيم.
وفيما يتعلق بإمكانية تلافي الانتقادات المحلية والدولية، شدد العيادي على أن المدخل الحقيقي لذلك يكمن في احترام الحقوق والحريات، لافتاً إلى أن هذا الاحترام لا يتحقق تلقائياً، بل يُنتزع عبر الضغط والمساءلة، في ظل ميل السلطة بطبيعتها إلى تجاوز هذه الحقوق، داعياً النشطاء والمحامين والقضاة إلى مواصلة الدفاع عن سيادة القانون والتمسك بدورهم في إحقاق الحقوق والمطالبة بها.
وبشأن احتمالات حدوث تغيير إيجابي أو استجابة من قبل السلطات التونسية، اعتبر العيادي أن هذا السيناريو يبدو “غير واقعي” في الوقت الراهن، مشيراً إلى أن المؤشرات الحالية تعكس حالة من الانغلاق تجاه عمل الأحزاب والجمعيات.
وأضاف الناشط التونسي بنبرة متحسرة: “يكاد يغيب اليوم أي شكل فعلي للحياة السياسية أو العمل الجمعياتي في تونس”، متوقعاً أن يتطلب تصحيح هذا الوضع وقتاً طويلاً.
وعزا العيادي غياب ردود الفعل الشعبية القوية، مقارنة بما شهدته تونس بعد عام 2011، إلى انشغال المواطنين بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن الأولويات اليومية باتت تتركز حول تأمين سبل العيش.
وفي تقديره لموقف السلطات من تقرير منظمة العفو الدولية، رجّح العيادي أن يتم التعامل معه بالتجاهل، معتبراً أن هذا الخيار هو الأقرب، بدلاً من نفي ما ورد فيه أو الدخول في ردود رسمية عليه.
الاكتفاء بالحلول الأمنية
من جانبه، قال الناشط السياسي التونسي والناطق باسم الحزب الجمهوري المعارض، وسام الصغير، في تصريح لـ“صفر”، إن ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية “لا يقتصر على رصد انتهاكات ظرفية، بل يعكس مساراً مقلقاً من تقييد الحريات بات يمس جوهر العقد الاجتماعي في تونس”.
وأضاف الصغير: “خلال فترة وجيزة، انتقلنا من مناخ كانت فيه الحريات تتوسع تدريجياً رغم التحديات، إلى واقع تتزايد فيه القيود والاعتقالات التي تستهدف الأفراد والجماعات، في ظل توظيف مراسيم ونصوص قانونية فضفاضة لتبرير المساس بالحقوق والحريات، سواء تعلق الأمر بالحريات الفردية، أو بحرية التعبير، أو الحق في الاحتجاج السلمي، أو حتى الحق في بيئة سليمة”.
وأكد أن “مصدر القلق لا يكمن فقط في حجم الانتهاكات، بل في منطق إدارتها أيضاً، حيث تُواجه المطالب الاجتماعية والبيئية بمقاربات أمنية تعمّق الأزمة بدلاً من معالجتها، وتزيد فجوة الثقة بين الدولة والمواطن”.
وفيما يتعلق بسبل الإصلاح، شدد الصغير على أن “المرحلة الراهنة تتطلب مساراً إصلاحياً شجاعاً وواضح المعالم، يبدأ بمراجعة المنظومة التشريعية، خاصة النصوص التي تُستخدم لتقييد الحريات”.
وأضاف: “كما تبرز ضرورة استعادة استقلالية القضاء باعتباره الضامن الأساسي للحقوق، ووضع حد لكل أشكال التوظيف السياسي للمؤسسات، إلى جانب تبني مقاربة جديدة لإدارة الشأن العام تقوم على الحوار مع المواطنين واحترام حقهم في الاحتجاج، بدلاً من الاكتفاء بالحلول الأمنية”.
واعتبر الصغير أن الإصلاح الحقيقي يمر أيضاً عبر تعزيز الشفافية والمساءلة، وتمكين المجتمع المدني من أداء دوره الرقابي دون تضييق، إذ لا يمكن لأي ديمقراطية أن تستقيم في ظل إقصاء الفاعلين أو تهميشهم.
وعن إمكانية تحسن الأوضاع الحقوقية في تونس، أوضح الصغير: “نؤمن بأن تقييد الحريات ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج موازين قوى سياسية ومجتمعية قابلة للتغيير”، مؤكداً أن المؤشرات الراهنة تبعث على القلق، غير أن التجربة التونسية تثبت أن المجتمع يمتلك من الحيوية والوعي ما يمكنه من تصحيح المسار متى توفرت الشروط اللازمة.
واختتم حديثه: “تحسن الوضع الحقوقي يظل ممكناً، لكنه مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية تدرك أن احترام الحقوق والحريات ليس عبئاً على الدولة، بل أساس شرعيتها واستقرارها”، مشدداً على أن الضغط الذي تمارسه القوى المعارضة والمنظمات الوطنية والمجتمع المدني يظل عاملاً حاسماً في دفع مسار التغيير، خاصة إذا اقترن برؤية واضحة ومسؤولة.
وأضاف: “تونس تقف اليوم أمام مفترق طرق، إما مواصلة نهج الانغلاق والتضييق بما يحمله من مخاطر على الاستقرار والثقة في المؤسسات، أو العودة إلى مسار إصلاح ديمقراطي حقيقي يقوم على احترام الحقوق والحريات بوصفه ركيزة لأي مشروع وطني جامع (…) ونحن سنواصل من موقعنا -بوصفنا قوة ديمقراطية تقدمية- النضال السلمي لترجيح هذا الخيار دفاعاً عن كرامة التونسيين ومستقبل البلاد”.

