منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تونس في مواجهة التلوث.. حين تتحول البيئة إلى قضية حقوق إنسان

19 يونيو 2026
نساء الرويسات التونسية في وقفة احتجاجية ضد التلوث
نساء الرويسات التونسية في وقفة احتجاجية ضد التلوث

في ساعات الصباح الأولى، تغادر نساء من منطقة الرويسات التابعة لمحافظة القيروان منازلهن باتجاه العاصمة التونسية، حاملات صوراًً لأراضٍ زراعية تراجعت إنتاجيتها، وشكاوى من أمراض تنفسية قائلات إنها تفشت في محيطهن، ولافتات تطالب بحق يكفله الدستور التونسي والمواثيق الدولية، وهو الحق في العيش داخل بيئة سليمة.

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي نظمنها أمام وزارة البيئة حدثاً معزولاً، بل امتداد لتحركات استمرت أشهراً؛ احتجاجاً على ما يعده الأهالي آثاراً بيئية وصحية ناجمة عن النشاط الصناعي في منطقتهم.

وتعكس قضية الرويسات جانباً من أزمة بيئية أوسع تواجهها تونس منذ سنوات. فبحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تصاعدت الاحتجاجات البيئية في عدد من المحافظات التونسية خلال الأعوام الأخيرة، على خلفية تلوث الهواء والمياه وتراكم النفايات وتداعيات الأنشطة الصناعية الثقيلة.

وأصبح الحق في البيئة السليمة واحداً من أكثر الملفات حضوراً في النقاشات الحقوقية والاجتماعية داخل البلاد، في ظل تزايد المخاوف من انعكاسات التلوث على الصحة العامة والأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

الرويسات.. احتجاجات ضد التلوث الصناعي

يؤكد سكان الرويسات أن معاناتهم مع التلوث تعود إلى سنوات طويلة. وخلال الوقفة الاحتجاجية الأخيرة، تحدثت نساء من المنطقة عن تراجع الإنتاج الزراعي واصفرار الأشجار وتضرر المنازل وانتشار أمراض تنفسية بين الأطفال وكبار السن.

وقالت حياة العطار، عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بمحافظة القيروان في تصريحات ذكرتها وكالة أنباء المرأة، إن ممثلين عن وزارة البيئة أقروا خلال جلسات تفاوضية بوجود إشكالات بيئية ومخالفات تم رصدها من خلال معاينات ميدانية، مشيرة إلى أن الملف يتطلب معالجة مشتركة بين وزارتي البيئة والصناعة باعتبار ارتباطه بنشاط منشآت صناعية قائمة في المنطقة.

وتطرح هذه القضية تساؤلات أوسع بشأن مدى قدرة المجتمعات المحلية على حماية حقوقها البيئية، خاصة في المناطق التي تعتمد اقتصاديا على الأنشطة الصناعية وتجد نفسها في الوقت ذاته عرضة لآثارها السلبية.

أرقام أممية تكشف حجم التهديد

لا تقتصر أزمة التلوث في تونس على مناطق محددة. فوفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، يمثل تلوث الهواء أحد أبرز المخاطر البيئية على صحة الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومنها تونس. وتشير تقديرات الدراسة العالمية لعبء الأمراض التي يعتمدها البنك الدولي ومعهد القياسات الصحية والتقييم إلى أن التعرض المزمن لتلوث الهواء يتسبب في آلاف الوفيات المبكرة سنوياً في تونس نتيجة أمراض القلب والشرايين والسكتات الدماغية وسرطان الرئة والأمراض التنفسية المزمنة.

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مستويات الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء من فئة PM2.5 في تونس ظلت خلال السنوات الأخيرة أعلى من المستويات الإرشادية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، وهو ما يعني تعرض ملايين السكان لمخاطر صحية مستمرة ترتبط مباشرة بجودة الهواء.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء يعد اليوم ثاني أكبر عامل خطر بيئي مسبب للوفاة عالمياً بعد ارتفاع ضغط الدم، محذرة من أن الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين هم الفئات الأكثر عرضة لتداعياته.

قابس.. ثمن باهظ للتنمية الصناعية

يمثل ملف محافظة قابس أحد أكثر الملفات البيئية إثارة للجدل في تونس. فمنذ عقود، يثير نشاط المجمع الكيميائي التونسي ومصانع تحويل الفوسفات انتقادات متواصلة من منظمات المجتمع المدني والنقابات والحقوقيين بسبب الآثار البيئية المرتبطة بالانبعاثات الصناعية والتلوث البحري.

وأكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقارير ومواقف متكررة أن سكان قابس يواجهون تحديات بيئية وصحية متراكمة، تشمل تلوث الهواء وتدهور المنظومة البحرية وتراجع النشاط الزراعي في بعض المناطق.

وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن محافظة قابس تعد من أبرز الأقطاب الصناعية في البلاد، وهو ما جعلها نموذجاً للنقاش الدائر حول العلاقة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. وتطالب منظمات محلية منذ سنوات بإيجاد حلول تضمن استمرار النشاط الاقتصادي مع الحد من تأثيراته في السكان والموارد الطبيعية.

صفاقس وأزمة النفايات

في محافظة صفاقس، برزت أزمة النفايات باعتبارها أحد أكبر التحديات البيئية خلال السنوات الأخيرة. فقد أدت الخلافات المرتبطة بإدارة المصبات ومواقع التخلص من الفضلات إلى تراكم آلاف الأطنان من النفايات في الشوارع والأحياء السكنية خلال فترات مختلفة.

ووثقت منظمات محلية، بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، احتجاجات واسعة شهدتها المدينة بسبب المخاوف المرتبطة بالروائح الكريهة والتلوث وانتشار الحشرات وتأثير ذلك في الصحة العامة.

كما حذرت منظمات بيئية تونسية من أن استمرار أزمة النفايات دون حلول مستدامة قد يؤدي إلى تفاقم المخاطر الصحية والبيئية، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

أزمة المياه تضاعف المخاطر

لا تنفصل قضية التلوث عن أزمة المياه التي تواجهها تونس. ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، تحتل تونس المرتبة السابعة عشرة عالمياً بين الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي.

وأظهرت نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات الذي نشرته يونيسف أن 12.5 في المئة من السكان يحصلون على مياه تحتوي على تلوث بكتيري عند مصدر التزويد، في حين ترتفع النسبة إلى 21 في المئة في المناطق الريفية. كما أشارت المنظمة إلى أن أكثر من 12 في المئة من المؤسسات التعليمية تعاني انقطاعات في التزود بمياه الشرب.

وتحذر وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري من أن التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية وتزايد الضغوط البيئية تشكل تحديات متزايدة للأمن المائي والغذائي في البلاد.

الكلفة الاقتصادية للتلوث

لا تقتصر تداعيات التلوث على الجوانب الصحية والبيئية. فقد أكد البنك الدولي في تقاريره المتعلقة بتونس أن التدهور البيئي يفرض أعباءً اقتصادية كبيرة نتيجة ارتفاع النفقات الصحية وتراجع الإنتاجية وتضرر الموارد الطبيعية.

كما أشار البنك الدولي إلى أن القطاع الزراعي التونسي سجل تراجعاً بنحو 11 في المئة خلال عام 2023 نتيجة الجفاف والضغوط المناخية. ورغم أن هذا التراجع لا يرتبط بالتلوث وحده، فإن المنظمات البيئية التونسية تؤكد أن تدهور جودة التربة والمياه يزيد من هشاشة القطاع الزراعي ويضاعف خسائره.

وفي مناطق مثل الرويسات وقابس، يربط السكان بين التلوث وتراجع إنتاج الأراضي الزراعية، وهو ما يدفع منظمات المجتمع المدني للمطالبة بإجراء دراسات مستقلة لقياس الأثر الاقتصادي والبيئي الفعلي للأنشطة الصناعية.

العدالة البيئية وحقوق الإنسان

أصبحت العدالة البيئية أحد المفاهيم الأساسية في النقاش الحقوقي داخل تونس. ويقصد بها ضمان توزيع عادل للأعباء البيئية وعدم تحميل المناطق الفقيرة أو المهمشة وحدها كلفة التنمية الصناعية.

وأكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن عدداً من بؤر التلوث الكبرى في البلاد تقع في مناطق تعاني أصلاً تحديات تنموية واقتصادية، وهو ما يفاقم شعور السكان بالتهميش ويزيد من حدة الاحتجاجات الاجتماعية.

كما شدد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على أن التمتع ببيئة نظيفة وصحية ومستدامة يعد جزءاً من منظومة حقوق الإنسان الأساسية، وأن التدهور البيئي يؤثر بصورة مباشرة في الحقوق المتعلقة بالصحة والغذاء والمياه والسكن والحياة الكريمة.

الإطار القانوني والالتزامات الدولية

ينص الدستور التونسي على الحق في بيئة سليمة ومتوازنة وعلى التزام الدولة بالإسهام في سلامة المناخ وحماية البيئة. كما صادقت تونس على عدد من الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية البيئة ومواجهة التغير المناخي، منها اتفاقية باريس للمناخ واتفاقية برشلونة الخاصة بحماية البحر المتوسط من التلوث.

وفي عام 2022 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً تاريخياً يعترف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة باعتباره حقاً من حقوق الإنسان. ويعزز هذا القرار المطالب المتزايدة للمنظمات الحقوقية التونسية بضرورة مواءمة السياسات البيئية الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

بين الوعود الرسمية ومطالب السكان

تؤكد السلطات التونسية أنها تعمل على تطوير التشريعات البيئية وتعزيز الرقابة على المنشآت الصناعية وتحسين إدارة النفايات والموارد الطبيعية. كما أعلنت وزارة البيئة في مناسبات عدة عن برامج للتحول البيئي وتشجيع التقنيات النظيفة والاقتصاد الأخضر.

لكن منظمات المجتمع المدني تعد التحدي الحقيقي لا يكمن في سن القوانين فقط، بل في تنفيذها بصورة فعالة وضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات البيئية والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم اليومية.

وفي الوقت الذي تواصل فيه نساء الرويسات وسكان قابس وصفاقس وغيرهم رفع أصواتهم للمطالبة ببيئة آمنة، تبدو أزمة التلوث في تونس اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية وواجب حماية حقوق الإنسان. فبالنسبة إلى آلاف العائلات التي تعيش بالقرب من مصادر التلوث، لا يتعلق الأمر بمؤشرات بيئية مجردة أو أرقام تقنية، بل بمسألة ترتبط بالصحة والحياة والكرامة ومستقبل الأجيال القادمة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print