منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مرضى إيبولا يفرّون بحثاً عن الطعام.. الجوع يعرقل احتواء الفيروس في الكونغو

19 يونيو 2026
الجوع يعرقل احتواء إيبولا في الكونغو
الجوع يعرقل احتواء إيبولا في الكونغو

كشفت تقارير أممية وحكومية أن نقص الغذاء بات واحدا من أخطر العقبات أمام احتواء تفشي إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدما فرّ أكثر من 150 مريضاً ومشتبهاً بإصابتهم من مراكز العلاج والعزل منذ أواخر مايو، في منطقة تعاني أصلا النزوح والصراع وانعدام الأمن الغذائي.

لم تعد مواجهة إيبولا في شرق الكونغو معركة طبية فقط. فبينما تحاول فرق الصحة عزل المصابين وتتبع المخالطين، يفرض الجوع نفسه كعامل حاسم يدفع بعض المرضى إلى مغادرة مراكز العلاج بحثا عن الطعام، بما يهدد بتوسيع رقعة العدوى في واحدة من أكثر مناطق البلاد هشاشة.

وقال ديفيد ستيفنسن، مدير عمليات برنامج الأغذية العالمي في الكونغو، إن فرق الاستجابة للمرض باتت تطلب المساعدة الغذائية باعتبارها جزءا أساسيا من احتواء الفيروس، مضيفا أن العاملين في الاستجابة “يأتون ويقرعون أبوابنا” طلبا للغذاء حتى يتمكنوا من إنهاء التفشي، مؤكدا أنه لم يرَ وضعا مشابها من قبل.

ونقلت صحيفة ستريتس تايمز عن تقارير حكومية توثيق أكثر من 150 حالة هروب من مراكز علاج وعزل إيبولا منذ أواخر مايو.

الجوع داخل مراكز العزل

تكشف هذه الوقائع أن الخطر لا يرتبط فقط بسرعة انتشار الفيروس، بل بقدرة مراكز العلاج على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للمرضى والمشتبه بإصابتهم والمخالطين.

فالعزل الصحي يعني في كثير من الحالات أن تفقد الأسرة مصدر دخلها أو قدرتها على الوصول إلى الأسواق والعمل، خصوصا في مناطق تعتمد فيها الأسر على نشاط يومي هش لتأمين الطعام.

وفي حال غابت المساعدات الغذائية، تصبح مغادرة مركز العزل أو رفض البقاء تحت المراقبة خيارا قاسيا لكنه مفهوم إنسانيا.

وقال برنامج الأغذية العالمي إن احتواء إيبولا “يتطلب أكثر من العلاج وحده”، بل يحتاج إلى الغذاء والوصول والنقل والخدمات اللوجستية حتى تتمكن الفرق الصحية من التحرك بسرعة، وتستطيع الأسر المتضررة الالتزام بإجراءات الصحة العامة.

بؤرة في إيتوري

أعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مايو الماضي أن تفشي المرض تأكد في منطقة مونغوالو الصحية بإقليم إيتوري، بعد تلقيها إنذارا في 5 مايو بشأن مرض غير معروف مرتفع الوفيات، ثم تأكد لاحقا أنه مرض ناجم عن فيروس بونديبوغيو، وهو أحد أنواع فيروسات إيبولا.

وبحسب تحديث منظمة الصحة العالمية في 8 يونيو، بلغ عدد الحالات المؤكدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية 515 حالة بينها 91 وفاة حتى 6 يونيو، بعد زيادة كبيرة في الفحوصات وتراكم العينات التي جرى اختبارها لاحقا.

لكن الأرقام واصلت الارتفاع بسرعة، وذكرت رويترز، نقلا عن تقرير حكومي، أن الكونغو سجلت حتى 18 يونيو 896 حالة مؤكدة و232 وفاة، مع استمرار انتقال العدوى داخل المجتمع.

العاملون في دائرة الخطر

لم يسلم العاملون الصحيون من تفشي المرض؛ فقد قالت منظمة الصحة العالمية، بحسب رويترز، إن 75 عاملا صحيا أصيبوا بإيبولا منذ إعلان التفشي، توفي منهم 17، في مؤشر على الضغط الهائل الذي يواجهه النظام الصحي في شرق الكونغو.

ويزيد نقص معدات الوقاية الشخصية، مثل القفازات والكمامات، من المخاطر التي يتعرض لها العاملون في الخطوط الأمامية، خاصة في منطقة تعاني أصلا نقصا في الكوادر الطبية وضعف البنية الصحية بسبب سنوات النزاع وانعدام الأمن.

وتوضح أزمة هروب المرضى أن إجراءات الصحة العامة لا تنجح بالقوة الطبية وحدها. فالعزل، وتتبع المخالطين، والانتظار داخل مراكز العلاج، كلها إجراءات تفترض أن الأشخاص المعزولين قادرون على البقاء دون عمل أو سوق أو مصدر دخل.

لكن في شرق الكونغو، حيث يعتمد كثيرون على العمل اليومي، يصبح الجوع عائقا مباشرا أمام الالتزام بالحجر والعزل. ولذلك قال برنامج الأغذية العالمي إن الاستجابة لإيبولا تحتاج إلى توفير وجبات للمرضى داخل مراكز العلاج، ودعم غذائي للأسر التي تخضع للملاحظة أو تفقد دخلها بسبب إجراءات الاحتواء.

وأوضح البرنامج أنه يقدم خدمات لوجستية حيوية للمجتمع الإنساني الأوسع، تشمل نقل المستجيبين الأوائل والإمدادات الطبية والشحنات الأساسية إلى المناطق عالية الخطورة.

أزمة فوق أزمة

يأتي تفشي إيبولا في شرق الكونغو فوق أزمة إنسانية ممتدة، فالمنطقة تعاني منذ سنوات من النزوح الداخلي، والجماعات المسلحة، وانعدام الأمن، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

ولذلك، فإن أي تفشٍ وبائي يتحول بسرعة إلى أزمة مركبة، تتداخل فيها الصحة مع الغذاء والأمن والنقل والثقة المجتمعية.

وحذر برنامج الأغذية العالمي منذ مايو من أن تفشي إيبولا في شرق الكونغو يهدد بتعميق أزمة الجوع، وأن الاستجابة تحتاج إلى دعم عاجل حتى لا تتحول الأزمة الصحية إلى كارثة إنسانية أوسع.

وفي تقرير خارجي نشر عبر ريليف ويب، قال البرنامج إنه يحتاج إلى 46 مليون دولار لدعم المساعدات الغذائية وسلاسل الإمداد الحرجة لمدة ثلاثة أشهر في الكونغو وأوغندا وجنوب السودان وبوروندي، ضمن الاستجابة الإقليمية للتفشي.

خطر فقدان الثقة

تعاني الاستجابة لإيبولا أيضا من ضعف الثقة بين السكان والسلطات الصحية، وهي مشكلة تكررت في تفشيات سابقة داخل الكونغو، وعندما تترافق هذه المخاوف مع الجوع وسوء ظروف العزل، يصبح احتمال هروب المرضى أو رفض الحجر أعلى.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن العنف وانعدام الثقة ونقص الموارد كلها تعرقل الوصول إلى المصابين والمخالطين، في وقت يحذر فيه خبراء الصحة من أن كل مريض يغادر العزل قد يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة انتقال العدوى.

وتكشف أزمة شرق الكونغو أن مكافحة إيبولا لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة في المستشفيات والمختبرات، فالغذاء أصبح جزءا من العلاج، والدعم الاجتماعي أصبح شرطا للعزل، والثقة المجتمعية أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن الفحوص والفرق الطبية.

وحين يهرب مريض إيبولا لأنه جائع، فإن الرسالة واضحة، لا يمكن احتواء وباء قاتل داخل مجتمع يفتقد الطعام والأمان والدخل، ولذلك، فإن وقف انتشار الفيروس في الكونغو يتطلب استجابة صحية وإنسانية معا، تعالج المرض دون أن تتجاهل الجوع الذي يدفع الناس إلى كسر العزل والبحث عن النجاة بطريقتهم الخاصة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print