منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

من التنمية إلى المساءلة.. الشركات لم تعد خارج منظومة حقوق الإنسان

19 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقد في جنيف
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقد في جنيف

لم تعد العلاقة بين الاقتصاد وحقوق الإنسان تُقرأ فقط من زاوية دور الدولة في تنظيم الأسواق أو توفير فرص العمل، فالتقارير الأممية الحديثة المعروضة أمام مجلس حقوق الإنسان تُظهر أن الشركات، خصوصاً الكبرى والعابرة للحدود، أصبحت فاعلاً أساسياً في منظومة الحقوق: قد تخلق فرصاً وتنمية، لكنها قد تنتج أيضاً أضراراً تمس البيئة، العمال، المجتمعات المحلية، الخصوصية، الصحة، الأرض، والمياه.

لذلك، لم يعد السؤال اليوم: هل تحقق الشركات نمواً اقتصادياً؟ بل أصبح: هل يتحقق هذا النمو دون انتهاك حقوق الناس؟ وهل توجد آليات لمساءلة الشركات عندما تتسبب أنشطتها في ضرر؟

في كثير من الأحيان، تُقدَّم مشاريع التعدين والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا باعتبارها مشاريع تنموية بحتة، لكن تقارير مجلس حقوق الإنسان تذكّر بأن التنمية لا تكون حقوقية فقط لأنها تحمل اسم “استثمار” أو “نمو” أو “تحول أخضر”، فالمشروع الاقتصادي قد يتحول إلى مصدر ضرر إذا نُفذ دون مشاركة المجتمعات المحلية، أو دون تقييم أثر بيئي وحقوقي، أو دون رقابة على الشركات، أو دون إمكانية للضحايا للوصول إلى الانتصاف.

وهنا تظهر أهمية ملف الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، لأنه ينقل النقاش من فكرة أن الدولة وحدها مسؤولة عن الحقوق، إلى فهم أوسع يقول إن الشركات أيضاً مطالبة باحترام حقوق الإنسان، والدولة مطالبة بتنظيمها ومساءلتها.

صربيا.. هشاشة الرقابة

تقرير الفريق العامل المعني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان حول زيارته إلى صربيا يقدم مثالاً واضحاً على هذا التداخل بين التنمية والمساءلة، فقد تناول التقرير مشاريع في قطاعات التعدين، والتصنيع، والبنية التحتية، وأشار إلى تحديات مرتبطة بتنفيذ القوانين، ومكافحة الفساد، وضعف الرقابة، وغياب المشاركة المجتمعية، واستهداف المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وتظهر أهمية الحالة الصربية في أن بعض المشاريع، خصوصاً المرتبطة بالليثيوم والتعدين، تُقدَّم عالمياً كجزء من التحول الأخضر والطاقة النظيفة، لكن التقرير يوضح أن “التحول الأخضر” لا يكون عادلاً إذا جاء على حساب صحة المجتمعات المحلية، أو مياهها، أو أراضيها، أو حقها في المشاركة والوصول إلى المعلومات.

بمعنى آخر: لا يكفي أن يكون المشروع مرتبطاً بالطاقة النظيفة أو المعادن الضرورية للمستقبل، يجب أن يكون أيضاً قائماً على الشفافية، والمشاركة، والعناية الواجبة، وحماية المتضررين.

الفساد يضعف حماية الحقوق

من أبرز ما يطرحه تقرير صربيا أن الفساد، أو حتى الشعور العام بانتشاره، يقوض ثقة الناس بالمؤسسات ويضعف الرقابة على الشركات، فعندما لا يثق المواطنون بأن القرارات المتعلقة بالمشاريع الكبرى تُتخذ بشفافية، يصبح أي مشروع اقتصادي مصدراً للتوتر الاجتماعي، حتى لو رُوّج له باعتباره مشروعاً تنموياً.

وأشار التقرير إلى أن 84% من الشركات ترى أن الفساد منتشر، وأن 53% من الشركات تعتبر الفساد مشكلة عند ممارسة الأعمال، وهذه الأرقام لا تتعلق بالاقتصاد فقط، بل بحقوق الإنسان أيضاً، لأن الفساد يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الرقابة البيئية، تجاهل شكاوى المجتمعات، تعطيل العدالة، وحماية الشركات أو المسؤولين من المساءلة.

المجتمع المدني جزء من الرقابة

تُظهر تقارير الأعمال التجارية وحقوق الإنسان أن المجتمع المدني والصحافة والمدافعين عن حقوق الإنسان ليسوا أطرافاً خارجية في النقاش الاقتصادي، بل هم جزء أساسي من منظومة الرقابة، فعندما ينتقد صحفي مشروع تعدين، أو تطالب منظمة بحقوق مجتمع محلي، أو يوثق ناشط أثراً بيئياً، فإنهم لا يعرقلون التنمية؛ بل يمارسون دوراً رقابياً يحمي المجتمع من الأضرار المحتملة.

في صربيا، أشار التقرير إلى تقارير عن ترهيب ومراقبة واعتداءات ضد منظمات مجتمع مدني وصحفيين ومدافعين وطلاب وأكاديميين ونقابيين، خاصة من انتقدوا ممارسات تجارية ضارة أو كشفوا قضايا فساد أو طالبوا بالمساءلة، كما أشار إلى مخاوف من مشروع قانون “الوكلاء الأجانب”، ومن استخدام دعاوى قضائية ضد المشاركة العامة.

وهذا يكشف أن حماية الفضاء المدني ليست ملفاً سياسياً فقط، بل شرطاً أساسياً لمساءلة الشركات، فإذا خاف المجتمع المدني من الكلام، يصبح الضرر الاقتصادي والبيئي أقل ظهوراً وأكثر صعوبة في المعالجة.

الشركات تحت مساءلة أوسع

تقرير المنتدى الرابع عشر للأعمال التجارية وحقوق الإنسان يوسع النقاش من حالة صربيا إلى اتجاه عالمي، فقد شارك في المنتدى أكثر من 4,600 مشارك من 146 دولة، وناقش ملفات مثل العناية الواجبة، وسلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والعمال المهاجرين، والمناخ، وحقوق الشعوب الأصلية، والمدافعين عن حقوق الإنسان.

هذا الاتساع يعني أن ملف الشركات وحقوق الإنسان لم يعد هامشياً، فالعالم يتجه نحو سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن الشركات لا تستفيد من العمل الرخيص، أو ضعف القوانين، أو غياب الرقابة، أو صمت المجتمعات المحلية؟ وكيف نمنع أن تتحول سلاسل التوريد العالمية إلى مساحات خفية للاستغلال؟

واجب معرفة الضرر

من أهم المفاهيم في هذا المجال مفهوم العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، وهذا يعني أن الشركة يجب ألا تنتظر وقوع الضرر ثم تعتذر أو تعوض فقط، بل عليها أن تحدد مسبقاً المخاطر التي قد تنتج عن أنشطتها، وأن تمنعها أو تخففها، وأن تعالج آثارها إذا وقعت.

فالشركة التي تعمل في التعدين، مثلاً، يجب أن تسأل قبل بدء المشروع: ما أثره على المياه؟ من سيتضرر؟ هل شاركت المجتمعات المحلية؟ هل توجد مخاطر على الصحة؟ هل تم احترام حقوق الشعوب الأصلية أو السكان المحليين؟ هل يستطيع الناس الاعتراض؟ وهل توجد آلية شكاوى فعالة؟

العناية الواجبة تنقل الشركات من منطق “لم نكن نعلم” إلى منطق “كان يجب أن نعلم ونتصرف”.

الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد

لا يقتصر ملف الأعمال التجارية وحقوق الإنسان على التعدين أو الطاقة، تقرير المنتدى العالمي يربطه أيضاً بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، فالشركات التقنية قد تؤثر على الخصوصية، وحرية التعبير، والتمييز الخوارزمي، وفرص العمل، والوصول إلى الخدمات، وحتى أنماط المراقبة.

كما أن سلاسل التوريد تطرح تحدياً عالمياً: قد تكون الشركة الرئيسية في دولة، لكن العمل الفعلي أو المواد الخام أو العمالة في دولة أخرى، وهنا تصبح المسؤولية أكثر تعقيداً، لأن الانتهاكات قد تحدث بعيداً عن مقر الشركة، لكنها تبقى مرتبطة بنموذجها الاقتصادي وربحها.

العمال المهاجرون في خطر

يظهر العمال المهاجرون كواحدة من أكثر الفئات عرضة للاستغلال داخل سلاسل التوريد، فهم قد يواجهون رسوماً غير قانونية للتوظيف، وحجز وثائق، وأجوراً متدنية، وظروف عمل خطرة، ومساكن غير ملائمة، أو صعوبة في الوصول إلى القضاء.

وهنا لا تكفي قوانين العمل العامة إذا لم تترافق مع رقابة فعلية على أصحاب العمل، وشركات التوظيف، وسلاسل التعاقد، كما أن الشركات التي تستفيد من عمالة مهاجرة رخيصة أو هشة لا يمكنها التنصل من المسؤولية بحجة أن العمال يعملون لدى مقاول أو مورد فرعي.

ماذا يحدث بعد وقوع الضرر؟

أي منظومة مساءلة لا تكتمل دون حق المتضررين في الانتصاف، فإذا تسببت شركة أو مشروع اقتصادي في تلوث مياه، أو تدمير أراضٍ، أو انتهاك حقوق عمال، أو تهجير مجتمعات، يجب أن توجد طريق واضحة للشكوى والتحقيق والتعويض ووقف الضرر.

لكن الوصول إلى الانتصاف غالباً ما يكون صعباً، خاصة عندما تكون الشركات قوية اقتصادياً، أو عندما تكون المؤسسات الرقابية ضعيفة، أو عندما يخاف المتضررون من الانتقام، أو عندما تكون العقود وسلاسل الملكية معقدة.

لذلك، فإن الحديث عن مسؤولية الشركات يجب ألا يبقى في مستوى المبادئ، بل يجب أن يصل إلى آليات شكاوى فعالة، قضاء مستقل، حماية للضحايا والشهود، وشفافية في المعلومات.

قراءة تحليلية

تكشف تقارير مجلس حقوق الإنسان أن التنمية الاقتصادية لم تعد خارج المساءلة الحقوقية، فالمشروع الاستثماري لا يصبح مشروعاً جيداً فقط لأنه يخلق وظائف أو يرفع الناتج المحلي، يجب أن يُسأل أيضاً: من يدفع كلفته؟ من يستفيد؟ من تضرر؟ هل تمت المشاركة؟ هل وجدت شفافية؟ وهل يستطيع المتضررون الوصول إلى العدالة؟

والأهم أن الشركات لم تعد تُعامل كأطراف محايدة، فهي فاعل اقتصادي قوي، وقد تكون قادرة على التأثير في حياة الناس بقدر لا يقل عن بعض المؤسسات العامة، لذلك، فإن حماية حقوق الإنسان تتطلب دولة قادرة على التنظيم، وشركات ملتزمة بالعناية الواجبة، ومجتمعاً مدنياً قادراً على الرقابة، وضحايا قادرين على الوصول إلى الانتصاف.

وتؤكد التقارير الأممية أن الشركات لم تعد خارج منظومة حقوق الإنسان، فالاقتصاد، والتعدين، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد كلها أصبحت مساحات حقوقية بامتياز، والتنمية التي لا تراعي حقوق الناس قد تتحول من فرصة إلى مصدر ضرر.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نريد استثماراً وتنمية؟ بل: أي نوع من الاستثمار؟ وأي تنمية؟ ومن يضمن ألّا تكون كلفة النمو مدفوعة من صحة الناس وحقوقهم وأراضيهم وبيئتهم؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print