دعا وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، مجلس الأمن إلى إعادة غزة إلى صدارة الاهتمام الدولي، مؤكدا أن التحركات الدبلوماسية في ملفات إقليمية أخرى لا يجب أن تحجب استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع، حيث لا يزال السكان محرومين من الأمان والمأوى والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم.
قال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن التطورات الدبلوماسية المرتبطة بالاتفاق الأمريكي الإيراني والآمال في وقف عاجل لإطلاق النار في لبنان، يجب ألّا تصرف أنظار المجتمع الدولي عن غزة.
وخلال إحاطة أمام مجلس الأمن، أكد فليتشر أن غزة لم تعد مصنفة في وضع مجاعة، لكنها لا تزال تعيش أزمة إنسانية حادة بعد مرور نحو ستة أشهر على وقف إطلاق النار.
وقال إن الفلسطينيين في القطاع ما زالوا محرومين من أبسط المقومات التي يطالب بها أي إنسان لعائلته: الأمان، والمأوى، والمياه النظيفة، والرعاية الصحية، والتعليم.
كرامة لا مجرد بقاء
شدد فليتشر على أن المكاسب الإنسانية التي تحققت منذ وقف إطلاق النار لا تزال هشة وغير كافية، معتبرا أن غزة تُدار اليوم عبر “حلول إنسانية مؤقتة” وصمود فلسطيني قاسٍ، لا عبر منظومة مستقرة تضمن الحياة الكريمة.
وبحسب الإحاطة الأممية، لا يزال نحو 70% من سكان غزة بحاجة إلى مأوى مناسب، فيما لا يعمل أي مستشفى في القطاع بكامل طاقته، وتستمر الأوضاع الصحية في التدهور.
وأشار فليتشر إلى زيادة واضحة في حالات عضات الفئران، في مؤشر على تدهور النظافة العامة وانتشار القوارض داخل أماكن النزوح المكتظة.
قيود على مواد أساسية
قال فليتشر إن القيود الإسرائيلية لا تزال تعرقل دخول مواد أساسية للبقاء، بينها المعدات الطبية وأدوات التشخيص وقطع غيار المياه والصرف الصحي والوقود وزيوت المحركات ومعدات الاتصالات والحماية الخاصة بعمال الإغاثة.
ودعا مجلس الأمن إلى الضغط من أجل الإزالة الفورية للقيود المفروضة على هذه المواد، مؤكدا أن استمرار منعها يفرض على وكالات الإغاثة الاعتماد على بدائل مكلفة ومعقدة، مثل نقل المياه بالشاحنات لفترات طويلة وتنظيم إجلاءات طبية شاقة.
ووصف فليتشر غزة بأنها من أخطر الأماكن في العالم لتقديم المساعدات، في ظل استمرار المخاطر التي تواجه العاملين الإنسانيين داخل القطاع.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت في أبريل 2026 أن أكثر من 1000 عامل إغاثة قُتلوا عالميا خلال ثلاث سنوات، بينهم أكثر من 560 في غزة والضفة الغربية، ما يجعل الأراضي الفلسطينية من أكثر البيئات فتكا بالعاملين في المجال الإنساني.
ويعكس ذلك حجم الخطر الذي تواجهه المنظمات الإنسانية، ليس فقط بسبب نقص الموارد والقيود، بل أيضا بسبب انعدام الحماية الكافية للعاملين على الأرض.
مطالب عاجلة لمجلس الأمن
طالب فليتشر مجلس الأمن بضمان فتح جميع المعابر الحدودية إلى غزة، وإزالة القيود الإسرائيلية المفروضة على المواد الأساسية، وتوفير إعفاءات جمركية إنسانية، ومنح تأشيرات طويلة الأجل للعاملين في الإغاثة، واستئناف القوافل المشتركة عبر الأردن، وزيادة عمليات الإجلاء الطبي.
وشدد على أن تحسين الوضع الإنساني لا يتحقق بمجرد إدخال مساعدات محدودة، بل يحتاج إلى تدفق مستمر وواسع ومنظم للمواد الأساسية، مع ضمان حرية الحركة للمنظمات الأممية والإنسانية داخل القطاع.
وتؤكد الإحاطة الأممية أن وقف إطلاق النار لم يُنهِ معاناة سكان غزة، بل نقل الأزمة إلى مرحلة جديدة، حيث تتداخل آثار الحرب مع القيود اللوجستية وانهيار الخدمات الأساسية وانتشار الأمراض وضعف المأوى.
وتقول هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر في مايو 2026، إن البنية الإنسانية التي تبقي الحياة ممكنة في غزة لا تزال في خطر بعد أكثر من ستة أشهر على وقف إطلاق النار، معتبرة أن القيود الإسرائيلية على المساعدات واستمرار قتل المدنيين خلال الهدنة يقوضان الاحتياجات الأساسية للسكان.
التزام سياسي وإنساني
رسالة فليتشر أمام مجلس الأمن كانت واضحة؛ غزة لا تحتاج إلى اهتمام موسمي أو مؤقت، بل إلى التزام سياسي وإنساني مستمر، فغياب المجاعة بمعناها التصنيفي لا يعني نهاية الجوع، ووقف إطلاق النار لا يعني تلقائيا عودة الحياة.
وبين انشغال العالم بملفات إقليمية أخرى، تحذر الأمم المتحدة من أن غزة ما زالت عالقة بين الركام والنزوح ونقص الخدمات، وأن السكان لا يطلبون امتيازا، بل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية: مأوى آمن، ماء نظيف، مستشفى يعمل، ومدرسة تعيد للأطفال معنى الحياة.
