كشفت وقائع متفرقة في الولايات المتحدة وخارجها عن تحول الخدمات المصرفية إلى ساحة جديدة للصراع على الحقوق والحريات، بعدما أصبح إغلاق الحسابات أو حرمان الأفراد من الخدمات المالية وسيلة يمكن أن تطول معارضين وصحفيين وناشطين، وأحياناً أصحاب أنشطة تجارية مشروعة، مستفيدة من منظومة عالمية أُنشئت أساساً لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
وفقاً لتقرير موسع أعدته مجلة “فورين بوليسي”، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في 16 يوليو، خلال قمة شارك فيها ممثلون لأكثر من 60 دولة لمناقشة الإرهاب السياسي، أن مسلحي أنتيفا ورفاقهم يمثلون “تهديداً عابراً للحدود”، داعياً إلى استخدام الأدوات نفسها المستخدمة ضد تنظيم داعش والقاعدة، ومنها منع هذه الجماعات من استخدام النظام المالي العالمي.
وأدرجت إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر من عشرة مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، بينهم قضاة ومدعون عامون، إلى جانب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة، على قوائم العقوبات.
وقالت قاضية المحكمة الجنائية الدولية بيتي هولر إن العقوبات حرمتها من خدمات أمريكية حتى في أوروبا، بعدما حُظرت أو أُلغيت حساباتها على “آبل آي دي” و”آي كلاود” و”أمازون” و”إير بي إن بي” و”باي بال” وغيرها، من دون تحذير مسبق.
وكشفت هذه الممارسات، بحسب المجلة الأمريكية، نقطة ضعف في النظام المالي العالمي تستغلها حكومات استبدادية لاستهداف خصومها في الخارج، في حين تتبنى المؤسسات المالية أسلوباً شديد الحذر خشية مخالفة قواعد الامتثال، ما قد يؤدي إلى إقصاء أشخاص لم تثبت إدانتهم بأي جريمة.
منظومة مكافحة الإرهاب
عززت هجمات 11 سبتمبر عمليات التدقيق المصرفي، بعدما اكتشف المحققون أن منفذي الهجمات استخدموا تحويلات عادية لنقل مئات الآلاف من الدولارات بين حسابات في دول مختلفة.
وكشفت أبحاث الباحث المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة ستيفن رايمر عام 2024 عن 126 هدفاً منفصلاً لسلطات في 34 دولة وقعوا في هذه المنظومة لأنهم كانوا خصوماً سياسيين.
وارتبط جزء كبير من الاستهداف بقوانين دفعت إليها مجموعة العمل المالي التي طالبت الدول بمراقبة مدفوعات الأفراد والشركات والمنظمات غير الربحية.
وفرض قانون “باتريوت” الأمريكي على البنوك ممارسة “العناية الواجبة” والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، في حين قدمت البنوك عام 2024 نحو 4.7 مليون بلاغ إلى شبكة مكافحة الجرائم المالية، وأنشأت الدول وحدات استخبارات مالية، في حين ظهرت صناعة كاملة لقواعد بيانات الامتثال.
وتضم قاعدة “وورلد-تشيك” نحو 6 ملايين إدخال، وتستخدمها تقريباً جميع البنوك الكبرى ومئات الوكالات الحكومية.
وأظهرت دعوى في كاليفورنيا أن ثلاثة أمريكيين من أصول تركية أُدرجوا على قائمة إرهابيين تركية، ثم نُقلت بياناتهم إلى “وورلد-تشيك”، فظهرت أمام الشركات بتصنيف “مرتبط بالإرهاب، أصول مجمدة ومصادرة، هارب أو فار من العدالة”، وتسبب ذلك في تجميد حساباتهم لدى “إيباي” و”أمازون” و”ويلز فارغو” و”جيه بي مورغان” و”بنك أوف أمريكا” و”ماستركارد”.
وقال مؤسس “وورلد-تشيك، ديفيد ليبان إن صناعة الامتثال أصبحت تعاني “هوساً بالامتثال”، موضحاً أن فلسفة قاعدة البيانات في بدايتها كانت امتلاك “أكبر قاعدة بيانات، وليس أفضل قاعدة بيانات”.
ضحايا القوائم
واجه المواطن الأمريكي المولود في كازاخستان بارليك مينديغازييف الاستهداف بسبب عضويته في جماعات مؤيدة للديمقراطية، بعدما حاولت كازاخستان استخدام آليات مكافحة غسل الأموال للحصول على سجلات مالية تخصه وعائلته في الولايات المتحدة، وسعت إلى إغلاق حساباتهم لدى “بنك أوف أمريكا” و”ويلز فارغو”.
وقال مينديغازييف إن البنوك لا تتخذ قراراتها بناءً على الأدلة، مشيراً إلى أن مخالفة قواعد مكافحة غسل الأموال قد تؤدي إلى فقدان الترخيص وغرامات ضخمة، معتبراً أن النظام المالي يسمح للطغاة الأجانب بالوصول إلى الأراضي الأمريكية لمعاقبة منتقديهم.
وأوضحت الناشطة الأوكرانية في مجال حقوق الإنسان ليودميلا كوزلوفسكا أن الولايات المتحدة تفتقر إلى قانون مماثل للائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات التي تساعد من أُدرجوا ظلماً على القوائم السوداء في تبرئة أسمائهم.
وقضى الصحفي البيلاروسي ديمتري نافوشا ثلاث سنوات في محاولة إزالة اسمه من قواعد بيانات الامتثال، بعدما أغلقت بنوك ومزودو خدمات مالية حساباته ورفضوا تحويل الأموال، ما عطل دفع أجور صحفييه، وتمكن جزئياً من إزالة تصنيف “الإرهابي”، مستنداً إلى تقارير وزارة الخارجية الأمريكية، قائلاً إن المشكلة الأكثر تعقيداً تظهر عندما تُحظر المعاملات؛ لأن تحديد الجهة المسؤولة داخل سلسلة التحويلات يصبح معركة “كافكاوية”.
دراسة معهد كاتو
عرّف الباحث في مركز البدائل النقدية والمالية بمعهد كاتو نيكولاس أنتوني “الإقصاء المصرفي” بأنه الإغلاق المفاجئ أو غير المفسر للحسابات أو إنهاء الخدمات المالية، وقسمه إلى الإقصاء الحكومي والتشغيلي والسياسي والديني.
وركزت دراسة أنتوني على أن الضغط الحكومي هو العامل الأكثر أهمية في الحالات التي بحثها، داعية إلى إصلاح قانون السرية المصرفية، وزيادة الشفافية بشأن قرارات الإقصاء، وإنهاء استخدام “تنظيم مخاطر السمعة”.
وكشف مكتب مراقب العملة الأمريكي نتائج أولية لمراجعة تسعة من أكبر البنوك الوطنية، هي “جيه بي مورغان تشيس” و”بنك أوف أمريكا” و”سيتي بنك” و”ويلز فارغو” و”يو إس بنك” و”كابيتال وان” و”بي إن سي” و”تي دي” و”بي إم أو”.
وأظهرت المراجعة أن البنوك التسعة، بين 2020 و2023، طبقت سياسات قيدت الوصول إلى الخدمات أو فرضت مراجعات وموافقات معقدة على أنشطة تجارية مشروعة.
وشملت القطاعات المقيدة التنقيب عن النفط والغاز، وتعدين الفحم، والأسلحة النارية، والسجون الخاصة، ومصنعي التبغ والسجائر الإلكترونية، والترفيه للبالغين، والأصول الرقمية.
وقال مراقب العملة جوناثان في. غولد إن المكتب ملتزم بإنهاء أي جهود من الجهات التنظيمية أو البنوك تهدف إلى “استغلال التمويل بوصفه سلاحاً”، مع استمرار مراجعة آلاف الشكاوى المتعلقة بالإقصاء لأسباب سياسية أو دينية.
الإقصاء المصرفي بالولايات المتحدة
واجه الأكاديمي والسياسي النيكاراغوي فيليكس مارادياغا إغلاق حساباته لدى “بنك أوف أمريكا” و”ويلز فارغو” و”جيه بي مورغان” بعد إدراجه عام 2023 على قوائم المراقبة العالمية للإرهاب وغسل الأموال، ونقل عن ممثلي البنوك قولهم إنهم يعرفون أنه ليس إرهابياً، لكن حكومته تصنفه كذلك وإن تكلفة الامتثال مرتفعة.
وفرضت واشنطن في فبراير عقوبات على حكومة نيكاراغوا بسبب إساءة استخدام النظام التنظيمي العالمي لـ”اضطهاد المعارضين السياسيين”، في مفارقة أبرزتها “فورين بوليسي”؛ إذ تشبه أساليب أورتيغا في حرمان المعارضين من الخدمات المصرفية الأساليب التي تبنتها إدارة ترامب وروبيو.
ورفع الرئيس دونالد ترامب، وفق “يورو نيوز”، دعوى ضد “جيه بي مورغان تشيس” ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، مطالباً بـ5 مليارات دولار، متهماً البنك بإغلاق حساباته وحسابات شركاته في فبراير 2021 لأسباب سياسية.
نفى البنك الاتهام، مؤكداً أنه لا يغلق الحسابات لأسباب سياسية أو دينية، وإنما بسبب مخاطر قانونية أو تنظيمية.
وأعادت القضية تسليط الضوء على “الإقصاء المصرفي” الذي أصبح قضية سياسية حساسة، بعدما اتهم محافظون البنوك بممارسة التمييز ضدهم، في حين بدأت الجهات الرقابية التابعة لإدارة ترامب التحرك لمنع استخدام “مخاطر السمعة” ذريعة لرفض الخدمات.
وأظهر مكتب مراقب العملة أن القضية لا تقتصر على الأفراد المصنفين سياسياً، بل تمتد إلى شركات وقطاعات تجارية مشروعة، وبينما تواصل المؤسسات المالية تطبيق قواعد مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، تكشف الحالات التي أوردتها “فورين بوليسي” ودراسة معهد “كاتو” ومراجعة مكتب “مراقب العملة” و”يورو نيوز” عن معضلة تتعلق بحدود السلطة المالية.
