قطعت شيرين الغنمي خمسة كيلومترات مشياً كل صباح للوصول إلى مدرستها في المزونة بولاية سيدي بوزيد. تخرجت في الجامعة عام 2012، أملا في الحصول على وظيفة ترد بها بعض ما أنفقه والداها على تعليمها، وبعد نحو 14 عاما، لا تزال تنتظر العمل وتعتمد على أسرتها لتأمين احتياجاتها اليومية.
كانت شيرين بين الخريجين الذين يفترض أن يشملهم القانون عدد 18 لسنة 2025، الصادر في 22 ديسمبر/كانون الأول، والمتعلق بالانتداب الاستثنائي في القطاع العام لمن تجاوزت بطالتهم عشر سنوات. لكن معطلين يقولون إن القانون لم يتحول بعد إلى تعيينات فعلية، لتخرج مطالب التشغيل مجدداً من سيدي بوزيد، وتتقاطع في العاصمة مع احتجاجات أوسع دفاعاً عن الحريات والعيش الكريم.
مسيرة الكرامة.. من العمل إلى حرية التعبير
في 27 سبتمبر/أيلول، انطلق نحو 23 خريجاً عاطلاً من منزل بوزيان باتجاه العاصمة وقصر قرطاج، في «مسيرة الكرامة»، مطالبين بتفعيل القانون والإفراج عن كريم ترعة، رئيس الجمعية الوطنية لخريجي الجامعات المعطلين عن العمل، الذي أوقف في 19 سبتمبر/أيلول على خلفية تدوينة، وكان مقرراً مثوله أمام محكمة بنزرت في 6 أكتوبر/تشرين الأول.
التحق بالمسيرة محتجون وأفراد من عائلاتهم. وبعد تسعة أيام من السير، وصولاً إلى برج السدرية، منعت قوات الأمن تقدمهم جماعياً في 6 أكتوبر/تشرين الأول. ووفق مقاطع نشرها المشاركون، خُيّروا بين التفرق ودخول العاصمة فرادى، مع إبلاغهم بأن الرئيس استمع إلى مطالبهم.
وأوفد المحتجون ستة ممثلين للقاء رئاسة الجمهورية، لكن اللقاء، بحسب ما نقلته «الجزيرة نت» عن مصادر متطابقة، انتهى بتطمينات بشأن تطبيق القانون دون آجال محددة.
وقال شريف الخرايفي، الأمين العام لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل، لإذاعة «إكسبرس إف إم»، إن المسيرة انتهت دون إجابات عملية رغم قطع أكثر من 300 كيلومتر. ودعا إلى حلول تتجاوز المعالجة الأمنية، فيما طالبت جمعيات ومنظمات بالتحقيق في ظروف منع المسيرة.
شارع بورقيبة يجمع المطالب
في 17 أكتوبر/تشرين الأول، شارك آلاف التونسيين في احتجاج بشارع الحبيب بورقيبة، وصفته «رويترز» بأنه الأكبر ضد الرئيس قيس سعيّد منذ سنوات.
دعا إلى الاحتجاج إطار تنسيقي ضم تسع منظمات وطنية، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل وهيئة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة الصحفيين، وأعلنت ثمانية أحزاب دعمه. ورفع المشاركون شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية»، مطالبين بالإفراج عن منتقدي السلطة واحترام استقلال القضاء والحقوق النقابية وحرية الصحافة والتظاهر.
وقال رئيس الرابطة بسام الطريفي إن الشعار يستعيد مطالب ثورة 2011 التي يرى أنها لم تتحقق، داعياً إلى الحوار. ولاحظ المحلل صلاح الدين الجورشي انضباط المتظاهرين وتعامل السلطات بهدوء خلال المسيرة، خلافاً لإيقافات طالت مشاركين في تحرك تضامني يوم 19 سبتمبر/أيلول، انتقدتها منظمات حقوقية ومهنية.
وسبقت احتجاج أكتوبر تحركات في 25 يوليو/تموز و20 أغسطس/آب للمطالبة باستعادة المسار الديمقراطي، لكن مشاركة المنظمة النقابية الأكبر منحت التحرك الأخير اتساعا إضافيا.

أرقام تكشف عمق الاحتقان
يربط الباحث التونسي عائد عميرة، في حديث لـ«صفر»، اتساع الاحتجاجات بتراكم الأزمات المعيشية، من الغلاء ونقص بعض السلع والأدوية إلى انقطاعات المياه والكهرباء وضيق قنوات الحوار.
ووثّق المرصد الاجتماعي التونسي 2882 تحركاً خلال الربع الثالث من عام 2026، مقابل 1310 في الأول و1884 في الثاني. وتصدرت مطالب العيش الكريم بـ798 تحركاً، فيما بلغت حصة المطالب المدنية والسياسية في أغسطس/آب نحو 39% مقابل 42% للمطالب المعيشية.
ويرى رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيوب الغدامسي أن الملاحقات القضائية دفعت الحركات الاجتماعية إلى توسيع مطالبها لتشمل الحريات والحق في الاحتجاج.
وبحسب المعهد الوطني للإحصاء، بلغت البطالة في الربع الثاني 14.9%، وبطالة الشباب 35.4%، وحاملي الشهادات العليا 26.6%، مقابل 24.2% في الربع السابق. وتصل النسبة بين الخريجات إلى 35.6%، مقارنة بـ14.2% بين الخريجين الذكور؛ وهي فجوة تمنح انتظار شيرين بُعداً يتجاوز تجربتها الفردية.

السلطة والمعارضة.. قراءتان للأزمة
تعود جذور الخلاف السياسي إلى إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، حين جمّد سعيّد البرلمان وأقال الحكومة، قبل الحكم بالمراسيم وحل البرلمان وإقرار دستور 2022 الذي وسع صلاحيات الرئاسة.
ويتمسك الرئيس، الذي تمتد ولايته الثانية حتى 2029، بأن إجراءاته أنقذت الدولة من الانهيار وواجهت الفساد. وينفي استهداف الأشخاص بسبب آرائهم، مؤكداً ضمان حرية التعبير، فيما تقول السلطات إن الملاحقات القضائية تجري وفق القانون، ويتهم سعيّد خصومه بافتعال أزمات اقتصادية لتأجيج الشارع. في المقابل، يرى معارضوه أن الإجراءات انقلبت على مكتسبات الثورة.
وتقول الباحثة والناشطة الحقوقية مريم بن عزوز لـ«صفر» إن الفصل بين المطالب الاقتصادية والسياسية يحجب أصل الأزمة؛ إذ يرتبط تراجع الثقة، في تقديرها، بتركيز السلطة وإضعاف الرقابة واستقلال القضاء، ما يدفع المواطنين إلى اعتبار الشارع منفذهم المتبقي للتعبير.
وتحذر من تضييق مساحة المجتمع المدني عبر التحقيقات والملاحقات وتجميد الحسابات. ففي 24 أبريل/نيسان 2026، علقت السلطات نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان شهرا، بعد قيود على زياراتها للسجون، فيما تعرضت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات لإجراء مماثل في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وصفته بأنه سياسي ويمس حياة النساء. وتدعو بن عزوز إلى توثيق مستقل للانتهاكات ومساءلة المسؤولين وتعزيز التضامن مع المستهدفين.
ودولياً، دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في 7 مايو/أيار، إلى إنهاء القيود المتسعة على المجتمع المدني والصحفيين والمعارضين. وأثير القلق بشأن تونس في سياق الدورتين 62 و63 لمجلس حقوق الإنسان، كما رصدت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي 2025/ 2026 قيوداً على التعبير والتجمع وملاحقات للمنظمات والمعارضين.

حقوق مترابطة والتزامات قائمة
صادقت تونس عام 1969 على العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتكفل المادتان 6 و11 من العهد الثاني الحق في العمل ومستوى معيشي كافٍ، مع الالتزام بالتقدم التدريجي وفق الموارد المتاحة وضمان المساواة بين الجنسين.
وتحمي المواد 19 و21 و22 من العهد الأول حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات. ويؤكد التعليق العام الأممي رقم 37 أن القيود على المسيرات السلمية يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة، وأن الأصل هو تسهيل ممارستها.
وبذلك لا يقتصر السؤال على موعد تنفيذ قانون التشغيل، بل يمتد إلى ضمان قدرة المطالبين بحقوقهم على التعبير والتنظيم والاحتجاج دون قيود غير مبررة.
ويرى الجورشي أن تعامل السلطة مع الاحتجاجات سيحدد مسارها المقبل، محذرا من تجاهل دلالاتها. وفي المقابل، تؤكد المنظمات أن تحرك 17 أكتوبر لن يكون الأخير، ويتعهد المعطلون بمواصلة المطالبة بتفعيل القانون.
أما شيرين فما زالت في المزونة تنتظر أن يتحول القانون المنشور إلى فرصة عمل فعلية، وبعد أربعة عشر عاماً من التخرج، لم يعد انتظارها مجرد قضية تشغيل، بل سؤالاً عن حق جيل كامل في أن يجد طريقا إلى العيش الكريم، وأن يتمكن من المطالبة به بحرية.
