منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تونس.. الفقر والعنف يحرمان آلاف الأطفال من حقهم في التعليم

20 أكتوبر 2026
تونس.. الفقر والعنف يحرمان آلاف الأطفال من حقهم في التعليم
تونس.. الفقر والعنف يحرمان آلاف الأطفال من حقهم في التعليم

كانت سندس تحلم بأن تصبح أستاذة للغة العربية، لكن وفاة والدها ومرض والدتها بددا حلم الفتاة البالغة 17 عاما، من حي التضامن غرب العاصمة تونس، بعدما فقدت الدعم الذي تحتاج إليه لمواصلة دراستها، فوجدت نفسها تعمل في مصنع نسيج بدلا من الجلوس في قاعة الدرس.

تختصر سندس ما جرى معها بعبارة موجعة: “لم أعد قادرة على الاستمرار”. إلا أن وراء قصتها أزمة تطول عشرات الآلاف من الأطفال في تونس. فوفق تقديرات منسوبة إلى اليونيسف، يتراوح عدد المنقطعين عن التعليم سنويا بين 63 ألفا و100 ألف طفل، بينهم نحو 30 ألفا لا يلتحقون بمسار تعليمي أو تكويني بديل.

ويكشف مسح المؤشرات المتعددة لعام 2023 حجم الفجوة الاجتماعية؛ إذ يبلغ معدل إتمام المرحلة الإعدادية 72.8%، لكنه ينخفض إلى 46.6% لدى الأسر الأشد فقرا، مقابل 93.5% لدى الأسر الأغنى، أما إتمام المرحلة الثانوية فتراجع من 48.7% عام 2018 إلى 35.4% عام 2023.

طريق محفوف بالمخاطر

في قرية قرب بوعرادة بولاية سليانة يخشى عزيز -البالغ عشر سنوات- طريقه إلى المدرسة، حيث المسالك الموحلة ومجاري المياه والمنحدرات وأصوات الذئاب. وتقول والدته حدّة إن الإرهاق يحرم أبناءها القدرة على إنجاز واجباتهم.

وفي تحقيق نشرته منصة «إنكفاضة» عام 2019، روت والدة الطفل وائل أن مستواه الدراسي تراجع بعدما كاد واد فائض أن يجرفه خلال رحلته إلى مدرسة تبعد نحو ساعتين.

وأوضحت دلال المحرزي، الكاتبة العامة لجمعية «المدنية» المعنية بتوفير النقل الريفي، أن الأمطار كانت تتسبب في انقطاع بعض الأطفال قرابة شهرين شتاء.

وبحسب دراسة ميدانية للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نقلتها صحيفة «لو تان»، يتنقل 78.3% من الأطفال المستجوبين إلى مدارسهم مشيا، ويقضي 12.6% منهم ما بين 30 و60 دقيقة في السير يوميا.

الفقر والعنف يدفعان إلى المغادرة

دفعت الظروف الاقتصادية سندس إلى المصنع، فيما يروي أحمد بن سالم، الطالب الجامعي السابق من صفاقس والعامل حاليا بورشة حدادة في الهوارية، أن محدودية دخل أسرته اضطرته إلى العمل قبل أن يعجز عن التوفيق بينه وبين الدراسة.

ويشير مسح 2023 إلى انخراط 4% من الأطفال بين الخامسة والسابعة عشرة في عمل اقتصادي أو منزلي، ترتفع نسبتهم إلى 6.4% لدى الأسر الأشد فقرا.

وفي مسح وطني مختلف عام 2017، قُدر عدد الأطفال الناشطين اقتصاديا بنحو 215,700 طفل، يعمل قرابة 78% منهم في أنشطة مصنفة خطرة.

وفي أكتوبر/ تشرين أول 2025، قال رامي بن علي، الناشط بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن 20% من الأطفال المنقطعين مبكرا يعملون في التجارة.

ويرى رضا الزهروني، رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ، أن بعض الأسر تضطر إلى إخراج أبنائها للعمل في المصانع والزراعة.

ولا يقتصر الانقطاع على الفقر، فقد أظهرت دراسة للمنتدى عام 2014، شملت 601 تلميذ منقطع في القصرين والقيروان والمنستير، تعرض 81% من المستجوبين لعنف مادي أو معنوي من الإطار التربوي أو الزملاء، ورسوب 90% مرة أو مرتين، فيما غادر 58% وهم يدركون حاجة أسرهم إلى المال. وهذه نتائج تخص عينة الدراسة وسنتها، وليست مؤشرات وطنية راهنة.

حق دستوري ومسؤولية تتجاوز توفير المدارس

يكفل الفصل 44 من دستور تونس لعام 2022 التعليم العمومي المجاني، ويقر إلزاميته حتى سن السادسة عشرة، كما ينص قانون التربية والتعليم المدرسي لعام 2002 على إلزامية التعليم بين السادسة والسادسة عشرة، ويفرض الفصل 21 منه غرامة تتراوح بين 20 و200 دينار على الولي الذي يمتنع عن تسجيل طفله أو يسحبه مبكرا، وترتفع إلى 400 دينار عند العود.

لكن معاقبة الأسرة لا تزيل بالضرورة الفقر أو خطر الطريق أو العنف المدرسي. ويؤكد المحامي والخبير الدستوري حازم القصوري لـ«صفر» أن التعليم حق دستوري وليس امتيازاً إدارياً، وأن حالات الانقطاع المرتبطة بالفقر والنقل والإعاقة والظروف العائلية تستلزم تدخل المؤسسات لإزالة العوائق وإعادة الأطفال إلى الدراسة، مشيرا إلى إمكان التظلم والطعن قانونيا عند وقوع حرمان ناتج عن قرار إداري غير مشروع.

ويضيف الباحث القانوني أحمد أبو هزيم لـ«صفر» أن التزام الدولة يشمل الوصول الآمن وتكافؤ الفرص و حماية الأطفال من العنف والاستغلال والعمل المبكر، مع تفعيل الرقابة والمساءلة عند ثبوت تقصير الجهات المختصة.

الفرصة الثانية.. نجاحات وحدود

تظهر تجربة محمد فرج، البالغ 16 عاما من سليانة، أثر التدخل المبكر؛ فقد فكر في ترك المدرسة قبل أن تساعده أخصائية اجتماعية على مواصلة مساره التعليمي. ويصف يوسف العياري، البالغ 17 عاما من جبل الأحمر، مركز «الفرصة الثانية» في باب الخضراء بأنه مكان يهتم بمستقبله بعد انقطاعه.

أطلقت تونس برنامج «الفرصة الثانية» عام 2020 للفئة العمرية بين 12 و18 عاما. وأضيف مركز في قابس عام 2025، وأعلنت وزارة التربية افتتاح مدرستين في باجة ونابل مع بداية العام الدراسي 2026–2027، فيما أشارت قراءة صحفية في أكتوبر 2026 إلى أن عدد المراكز العاملة لا يتجاوز خمسة وطنيا.

ووفق تقرير اليونيسف لعام 2025، أعيد 1,096 مراهقاً إلى التعليم أو التكوين المهني، واستفاد نحو 12 ألف طفل من خدمات متعددة الاختصاصات للوقاية من الانقطاع.

كما سجل تقييم خارجي لمنحة الطفل ضمن برنامج «أمان الاجتماعي» نسبة بقاء مدرسي بلغت 98% بين الأطفال المستفيدين. وموّل برنامج دعم أمهات التلاميذ المهددين بالانقطاع 912 مشروعاً نسائياً استفاد منها أكثر من 3,500 تلميذ عام 2023.

وعود حكومية وانتقادات برلمانية

أكد وزير التربية نور الدين النوري، خلال زيارة للقصرين في مايو/ أيار 2025، أهمية النقل المدرسي الآمن والوجبات المتوازنة.

وفي مايو/أيار 2026، تحدث خلال افتتاح فرع «الفرصة الثانية» في باجة عن دور البرنامج في الحد من الانقطاع، بينما أفاد مدير المدرسة بأن مركز باب الخضراء أعاد تأهيل أربعة آلاف منتفع خلال خمس سنوات، عاد 20% منهم إلى الدراسة.

وفي سبتمبر/ أيلول 2026، أشرف الوزير على ورشة لإعداد برنامج لمواجهة السلوكيات المحفوفة بالمخاطر في المدارس، تقرر بدء تنفيذه مطلع أكتوبر.

في المقابل، حذّر نواب خلال مناقشة ميزانية التربية لعام 2026 من الانقطاع وتردي البنية المدرسية ونقص المياه والمرافق الصحية والاكتظاظ. ووصف النائب علي زغدود السياسات بأنها تقوم على الترقيع لا الإصلاح العميق. وركز رد الوزير -وفق التغطيات المنشورة- على المعلمين والمطاعم والإصلاح التربوي، دون إجراءات محددة معلنة بشأن الانقطاع في تلك التغطيات.

الحق في فرصة جديدة

تبلغ نسبة إتمام الثانوية في المناطق الريفية 22.8% مقابل 41.3% في المدن، وفق مسح 2023. لكن الفجوة الأخطر قد تبدأ بعد مغادرة الطفل المدرسة، حين تضيق فرص عودته كلما طال انقطاعه.

وتطرح هذه الوقائع استحقاقا حقوقيا يتجاوز منع التسرب إلى الاعتراف بحق كل طفل انقطع عن التعليم في مسار فعلي للعودة، مهما كان سبب مغادرته أو عدد سنوات غيابه، فلا ينبغي أن يتحول الفقر أو الرسوب أو اضطرار الطفل إلى العمل إلى حكم دائم بإقصائه من التعليم، أو أن تصبح الفرصة الثانية امتيازاً تحدده المنطقة التي ولد فيها.