يُمثّل الحق في تداول المعلومات وحرية التعبير ركيزتين أساسيتين من ركائز الديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أنهما يتقاطعان في كثير من الأحيان مع مقتضيات سير العدالة وحماية حرمة الحياة الخاصة للأفراد، لا سيما في القضايا ذات الرأي العام الحساسة التي تشغل الشارع وتستحوذ على اهتمامات الرأي العام.
وتبرز قرارات حظر النشر كإجراء استثنائي تفرضه سلطات التحقيق أو القضاء بهدف منع التأثير على مجريات التحقيقات، وضمان عدم تشكيل رأي عام مسبق قد يمس بنزاهة القضاء أو يضغط على قضاة الموضوع.
وفي قلب هذا المشهد المحتدم، تشير تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2025 إلى أن التوسع المفرط في إصدار قرارات حظر النشر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد سجّل ارتفاعاً بنسبة تسعة عشر بالمئة مقارنة بالأعوام السابقة، مما يُلقي بظلال ثقيلة على البيئة الصحفية.
ويثير هذا التوسع إشكالية عميقة تتلخص في الصراع الدائم بين مصلحة المجتمع الأصيل في الإحاطة بالأحداث التي تمس أمنه واستقراره، وبين ضرورة الحفاظ على سرية التحقيقات وصون قرينة البراءة للمتهمين.
ويرى حقوقيون ومنظمات منها “شبكة الصحفيين الدوليين“، وفقاً لتقديراتهم لعام 2026، أن غياب الشفافية المطلقة يفتح الباب واسعاً أمام انتشار الشائعات والأخبار الزائفة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي غالباً ما تكون أشد فتكاً وضرراً من التغطية الصحفية المهنية المنضبطة.
حق المجتمع في المعرفة ليس ترفاً فكرياً، بل هو حق أصيل كفلته المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وخصوصاً المادة تسعة عشر من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تُشدّد على أن حرية البحث وتلقي المعلومات ونقلها تشكل عماداً لا غنى عنه للمساءلة والشفافية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تقييد لهذا الحق يجب أن يُفسّر في أطاره الضيق، وأن يخضع لمعايير الضرورة والتناسب والشرعية القانونية، لضمان ألا يتحول الإجراء الاحترازي إلى أداة ممنهجة لتفريغ المبدأ الدستوري في علانية الجلسات وضمان حق الرقابة الشعبية من محتواها الحقيقي، ولحماية دور الصحافة الحرة كمرآة أمينة للمجتمع وسلطة رابعة تعزز سيادة القانون.
معضلة حظر النشر
تتجسد إشكاليات التوازن الدقيق بين سرية التحقيقات وحرية الصحافة بأعلى درجات الوضوح في القضايا التي تمس الرأي العام بشكل مباشر، وتبرز حالة المحامية سالي الجباس كنموذج حي يعكس تعقيدات هذا المشهد وتداخلات الدفاع عن الحقوق المهنية وحماية سير العدالة.
وفي خضم التغطيات المكثفة والجدل الدائر حول تفاصيل القضية، طالبت هيئة الدفاع عن المحامية سالي الجباس بحظر النشر في القضية المتداولة إعلاميًا مؤكدة رفضها تداول أو نشر أي تفاصيل تتعلق بالتحقيقات الجارية لحين انتهاء الجهات المختصة من إجراءاتها القانونية وخدمات قانونية.
وشدد فريق الدفاع على ضرورة احترام سرية التحقيقات وعدم استباق نتائجها أو تداول معلومات غير مؤكدة قد تؤثر على سير القضية أو تضر بحقوق أطرافها، مؤكدًا أن الكلمة الفصل ستكون لما تسفر عنه التحقيقات الرسمية، فيما تواصل الجهات المختصة استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
وبحسب مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن معهد الصحافة الدولي لعام 2026، فإن القضايا التي تُفرض عليها قيود نشر صارمة دون سند موضوعي واضح تواجه غالباً أزمة ثقة متنامية بين الجمهور والمؤسسات القضائية، حيث يُعزز التكتم الرسمي من حالة التكهن والاعتماد على مصادر غير معلومة ومضللة.
المعايير الدولية لتنظيم حظر النشر
تضع المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان أطرًا صارمة وضوابط دقيقة تحكم أي قيود تفرض على تداول المعلومات وحرية الصحافة، محذرة من مغبة إساءة استخدام الإجراءات الاستثنائية.
ووفقاً للتقارير الصادرة عن مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير لعام 2025، فإن قرارات حظر النشر يجب أن تُتخذ بناءً على شروط ثلاثة رئيسية لا غنى عنها، أن تكون مقررة بقانون واضح وصريح، وأن تستهدف حماية مصلحة مشروعة معترف بها دولياً مثل الأمن القومي أو النظام العام أو حقوق الآخرين وسمعتهم، وأن تكون ضرورية ومتناسبة تماماً في المجتمع الديمقراطي لتحقيق هذا الغرض.
غير أن الواقع العملي في العديد من الدول يشهد انحرافاً مقلقاً عن هذه المعايير، حيث تتحول قرارات الحظر تدريجياً من تدابير استثنائية مؤقتة لحماية مجريات العدالة إلى أدوات واسعة النطاق للتكتم وإخفاء المعلومات ذات الطابع العام، بل وتكميم الصحافة المستقلة ومنعها من أداء دورها الرقابي والمجتمعي.
وتشير إحصاءات مرصد الحريات الصحفية لعام 2026 إلى أن أكثر من خمسين بالمئة من قرارات حظر النشر الصادرة في قضايا الفساد والانتهاكات الحقوقية تُصاغ بعبارات فضفاضة وغير محدودة زمنياً، مما ينتهك معيار “الضرورة القانونية” ويخلق مناخاً من الرقابة الذاتية القسرية لدى الصحفيين.
هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى شل حركة غرف النيوزروم وتراجع جودة العمل الصحفي الاستقصائي، بل يقوض أيضاً ركن المساءلة الشعبية ويضعف الثقة العامة في المؤسسات الرسمية، كما أن تكميم الصحافة تحت ستار حماية التحقيقات يخلق بيئة خصبة لنمو الشائعات والأخبار الزائفة وتناقل الروايات غير الموثوقة عبر الوسائط الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، وهي منصات خارجة عن نطاق التنظيم المهني والمسؤولية القانونية.
وتشدد المنظمات الدولية على أن الحل الأمثل لا يكمن في فرض جدران عازلة من الصمت المطبق، بل في إرساء شراكة قائمة على الشفافية المشروطة، حيث تقوم الجهات القضائية والأمنية بإحاطة الرأي العام بالحقائق الأساسية بشكل دوري وممنهج، بما يقطع الطريق على الشائعات ويحمي في نفس الوقت سرية الأدلة وسلامة التحقيقات من العبث أو التأثير غير المشروع، مؤكدة أن حرية الإعلام وسلامة العدالة هما وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما في أي مجتمع يسعى نحو ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
دليل مهني للصحفيين والنشطاء
في ظل التحديات الجسيمة التي فرضتها اتجاهات التوسع في حظر النشر والتعقيدات المتزايدة للقضايا ذات الرأي العام، باتت الحاجة ملحة لصياغة دليل توجيهي مهني وقانوني متكامل يضبط وجهة الصحفيين والنشطاء على حد سواء.
ووفقاً للتوصيات الصادرة عن اتحاد الصحفيين العرب لعام 2026، يجب أن يستند العمل الصحفي في هذه البيئات المعقدة إلى حزمة من القواعد والضوابط الصارمة التي تحمي النزاهة القضائية وتصون في الوقت ذاته الحق الأصيل للمجتمع في المعرفة أولها يتعين على المؤسسات الصحفية والصحفيين الالتزام التام بالنصوص القانونية المرعية وقرارات حظر النشر الرسمية الصادرة عن الجهات القضائية المخولة، مع الاحتفاظ بحق الطعن فيها بالطرق القانونية المتاحة، شريطة عدم القفز فوق الحظر أو الالتفاف عليه.
وتشير دراسات معهد أبحاث الإعلام والسياسات لعام 2025 إلى أن الالتزام بالمعايير المهنية الدقيقة يقلل بنسبة تزيد على أربعين بالمئة من حجم النزاعات القضائية المرفوعة ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
ويلعب النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً يتطلب منهم قدراً عالياً من المسؤولية القانونية والأخلاقية، إذ لم تعد النشر عبر الحسابات الشخصية بمنأى عن المساءلة القانونية الجنائية والمدنية، وينبغي على الصحفيين الاستناد إلى البيانات الرسمية الصادرة حصراً عن الجهات القضائية أو فرق الدفاع المعتمدة، وتجنب الاعتماد على المصادر المجهولة التي تروج لمعلومات مغلوطة تخدم أجندات ضيقة على حساب الحقيقة المجردة.
ويتطلب بناء جسور الثقة بين الصحافة والأجهزة القضائية وعياً مشتركاً بأن الإعلام المهني ليس خصماً للعدالة بل هو حليفها الطبيعي في كشف الحقيقة وضمان شفافية الإجراءات. وباعتماد هذا الدليل التوجيهي، يمكن للصحفيين والنشطاء الموازنة بدقة متناهية بين احترام كرامة أطراف القضايا وحماية الخصوصية، وبين تأدية دورهم التنويري والرقابي المقدس في مجتمع يسعى لإرساء دعائم العدالة وحرية تداول المعلومات.
تقييد النشر وحق المعرفة
قال مصطفى سعداوي، أستاذ القانون الجنائي بجامعة المنيا، إن تقييد النشر في القضايا المتعلقة بالرأي العام لا يؤثر بأي حال من الأحوال على ثقة المجتمع في منظومة العدالة وسيادة القانون، مؤكداً أن الدعوة الجنائية وإجراءاتها لا تعد بحال من الأحوال وسيلة للنشر أو التداول العلني في بداياتها.
وأوضح سعداوي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن هذه المرحلة الدقيقة والحساسة للغاية تمثل مخاضاً ونشأة للدعوة الجنائية، وهو ما يستوجب حتمية إحاطتها بسرية تامة لضمان مصالح كافة أطراف النزاع، بما في ذلك المصلحة العامة العليا التي تخص المجتمع بأسره.
ونبه إلى أن المشرع أخذ في الاعتبار وقوع بعض الجرائم التي قد تثير بلبلة واسعة في الرأي العام وتتطلب تدابير لتهدئة الأجواء بناءً على ما تتخذه النيابة من إجراءات، مستدركاً بأنه في مثل هذه الظروف يجوز للنائب العام وحده إصدار بيانات رسمية توضح ما يخص مجريات التحقيقات للرأي العام.
وأشار إلى أن المعايير القانونية والحقوقية الدولية والمحلية توجب إدراك أن حظر النشر مفروض بقوة القانون في أي دعوى طالما كانت في مرحلة التحقيق أمام النيابة العامة، أيا كان نوع القضية أو موضوعها أو شخص المتهم فيها، ومع ذلك يبقى الاستثناء الوارد هو إمكانية إصدار النائب العام لبيان رسمي عندما تقتضي الضرورة تحقيق التهدئة المجتمعية المنشودة دون الإخلال بسلامة التحقيقات.
وأكد أستاذ القانون الجنائي أن حق الرأي العام في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالقضايا التي تحاط بالسرية يتحقق في بوابته الصحيحة بعد انتهاء التحقيقات بالكامل وإحالة الدعوى إلى المحكمة، نظراً لأن الإجراءات حينئذ تصبح علنية وليست سرية.
ولفت إلى أن البعض قد يتصور خطأً أن سرية التحقيقات تعد إجراءً استثنائياً تتخذه النيابة العامة، في حين أنها القاعدة العامة الراسخة في كافة التشريعات والنظم القانونية في شتى أنحاء العالم، سواء في فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو إنجلترا أو دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من التشريعات المقارنة التي تحيط مرحلة تحقيق الدعوى الجنائية بمبدأ السرية الصارمة.
ونبّه سعداوي إلى أن أي إفشال أو إفشاء لتلك السرية من قبل المحقق أو القائم على التحقيق أو سلطة التحقيق نفسها أو معاونيه من الكتبة أو المحامين، يضع مرتكبها طواعية في مرمى طائلة قانون العقوبات نظراً لأن مثل هذا الفعل يشكل جريمة جنائية يعاقب عليها القانون بصرامة.
وأضاف أن إجراءات الدعوى الجنائية تبدأ فور اتصال النيابة العامة بموضوعها وما تتخذه من خطوات منذ اللحظة الأولى، حيث يفرض ستار سرية التحقيق نفسه كمبدأ حاكم ومهيمن على كافة ما تمارسه النيابة من إجراءات باعتباره المبدأ الوثيق الصلة بالمصلحة العامة.
واختتم بالتأكيد على أنه على الرغم من وجود بعض القضايا المرتبطة بالرأي العام والتي قد تحدث بلبلة مجتمعية، فإن المشرع الإجرائي في مصر وفر فرنسا ومختلف التشريعات قد أجاز للنائب العام وحده متى قدرت رئاسته جدارة فض هذه السرية جزئياً أن يصدر بيانات تتضمن نقاطاً مهمة خاصة بالتحقيقات بهدف تهدئة الرأي العام وضبط بوصلة المعلومات.
حماية الضحايا وحق المعرفة
من جانبه، أكد أحمد القرشي، رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة، أن حق الجمهور في المعرفة يمثل أحد الأعمدة الأساسية لضمان الشفافية وتعزيز الثقة في منظومة العدالة، مشدداً على ضرورة أن يُمارس هذا الحق في إطار يحفظ خصوصية الضحايا ويصون كرامتهم، ولا يتعارض مع القوانين والإجراءات القضائية النافذة في مصر.
وأوضح القرشي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن قرارات حظر النشر في القضايا الحساسة تُعد إجراءً استثنائياً يهدف إلى حماية سير التحقيقات ومنع التأثير على الشهود أو مجريات العدالة، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن الإفراط في استخدام هذا الإجراء قد يفتح الباب أمام انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة، ويحد من الدور التنويري للإعلام في القضايا التي تمس الأمن المجتمعي.
وفي السياق، نبه إلى أهمية الالتزام بالمعايير المهنية عند تناول القضايا محل الاهتمام العام، خصوصاً تلك التي تتعلق بالعنف أو التمييز ضد النساء والفتيات، مع تجنب نشر أي تفاصيل قد تؤدي إلى كشف هوية الضحايا أو تعريضهم للوصمة الاجتماعية.
وأشار إلى أهمية توفير بيانات رسمية دورية من الجهات المختصة لضمان الحد الأدنى من الإحاطة العامة ومنع الفراغ المعلوماتي الذي يغذّي تداول الأخبار المضللة.
وأكد رئيس منظمة سياج أن تمكين منظمات المجتمع المدني من أداء دورها الرقابي في ظل قرارات حظر النشر يسهم في تعزيز الثقة العامة في العدالة وسيادة القانون، مشيراً إلى أن الشفافية المنضبطة هي السبيل الأمثل لتحقيق التوازن بين حماية الضحايا وحق المجتمع في الاطلاع على الحقائق دون التأثير على سير القضايا المنظورة أمام القضاء.

