منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نقص التمويل يغلق أبواب الحماية أمام ناجيات العنف في الصومال

18 سبتمبر 2026
نقص التمويل يغلق أبواب الحماية أمام ناجيات العنف في الصومال
نقص التمويل يغلق أبواب الحماية أمام ناجيات العنف في الصومال

لم تكن حليمة الصحفية الصومالية البالغة من العمر 30 عاماً تتوقع أن ينتهي يوم عمل عادي بخسارة وظيفتها والخوف أيضا من تقديم شكوى، فبعد عودتها إلى مقر الإذاعة جلست إلى مكتبها لاستكمال تقريرها، قبل أن يجلس مديرها إلى جوارها ويضع يده على ساقها، قاومته ودفعته ثم غادرت المكان.

تقول حليمة إن الرجل سبق أن وجه إليها عبارات ذات إيحاءات جنسية، لكن تلك كانت المرة الأولى التي يتحول فيها التحرش اللفظي إلى محاولة اعتداء جسدي، تركت الإذاعة نهائيا، ثم تلقت تهديدا بالقتل، لم تتقدم ببلاغ واختارت الصمت خوفا على حياتها.

لم ينتهِ ما تعرضت له حليمة بانتهاء الاعتداء، خسرت عملها وأصبح طلب الحماية نفسه -في نظرها- مصدرا لخطر جديد. التجربة قاسية ولا ترتبط بإغلاق أحد مراكز الحماية، لكنها تكشف أحد الأسباب التي تجعل العنف أوسع مما يظهر في السجلات، فليست كل ناجية قادرة على الوصول إلى الجهة التي تستطيع أن تخبرها بما حدث.

وفي الصومال، حيث يقدر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن نحو 2.5 مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتراجع في الوقت نفسه شبكة الخدمات التي يفترض أن تستقبل الناجيات وتقدم لهن العلاج والدعم النفسي والمساعدة القانونية.

120 مركزا أغلق أبوابه

تكشف بيانات الأمم المتحدة حجم التراجع، فبحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026 بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، أدى نقص التمويل إلى إغلاق 120 مركزا شاملا لخدمات الناجيات ومساحة آمنة للنساء والفتيات في الصومال، فيما بقي 80 مركزا عاملا.

أي أن ثلاثة من كل خمسة مراكز ومساحات آمنة ضمن الشبكة التي تشير إليها هذه البيانات خرجت من الخدمة، ولا يعني إغلاق المركز فقدان مبنى فقط، فالناجية قد تفقد معه نقطةً تستطيع الوصول إليها للحصول على الرعاية الصحية أو الدعم النفسي أو المشورة القانونية أو الإحالة إلى خدمة أخرى، وربما مكاناً آمناً تستطيع فيه الحديث عمّا تعرضت له.

وتصبح المسافة أكثر أهمية في المناطق الريفية ومواقع النزوح والمناطق المتأثرة بالنزاع، إذ قد لا توجد خدمة بديلة قريبة، وقد تكون كلفة الانتقال أو المخاطر الأمنية أو الظروف الاجتماعية عائقا كافيا أمام طلب المساعدة.

19 % فقط من التمويل المطلوب

ففي الربع الأول من عام 2026، احتاج صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى 27 مليون دولار لتمويل برامج الصحة الجنسية والإنجابية والوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له، لكنه حصل على 5.2 مليون دولار فقط، أي نحو 19% من احتياجاته التمويلية.

ولا تثبت فجوة التمويل وحدها أن النساء توقفن عن الإبلاغ، كما أن إغلاق المراكز لا يكفي للقول إن العنف ازداد، لكنه يكشف تقلص الموارد ونقاط الخدمة المتاحة في بلد لا تزال فيه الاحتياجات مرتفعة.

وهنا يصبح السؤال الحقوقي مختلفاً: هل بقيت الناجيات قادرات على الوصول إلى العلاج والدعم والحماية والإبلاغ بعد تقلص شبكة الخدمات، أم أصبح جزء من العنف أبعد عن منظومة الحماية والرصد؟

ما لا تقوله أرقام الحالات

في عام 2025، وثّقت الأمم المتحدة في الصومال حوادث عنف جنسي مرتبطة بالنزاع أثرت في 201 فتاة و21 امرأة وشملت الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاعتداء الجنسي والزواج القسري والحمل القسري.

ونسبت بعض الحالات إلى مسلحين مجهولين وإلى حركة الشباب وميليشيات عشائرية، فيما وقعت انتهاكات عقب اختطاف الضحايا، لكن هذه الأرقام لا تمثل تقديرا لجميع حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي في الصومال، فهي تتعلق بفئة محددة من الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، كما أن الحالة التي لا تبلغ عنها الناجية أو لا تصل إلى جهة قادرة على تسجيلها قد تبقى خارج البيانات.

ولهذا لا يعني انخفاض الحالات المسجلة، إن حدث، بالضرورة انخفاض العنف نفسه، فالرصد يعتمد أيضا على وجود طريق تستطيع الناجية من خلاله الوصول إلى الخدمة أو جهة التوثيق.

وهنا تكمن خطورة تقلص شبكة الحماية، إذ قد يستمر العنف بينما تصبح بعض ضحاياه أقل ظهورا.

النزوح يطيل الطريق إلى الحماية

تزداد المشكلة تعقيدا بالنسبة إلى النازحات، فقد ظل نحو 3.3 مليون شخص نازحين داخليا في الصومال خلال الربع الأول من 2026، وتشكل النساء والأطفال نسبة كبيرة منهم، وفي مواقع النزوح والمناطق الريفية، لا تقاس أهمية مركز الحماية بعدد الخدمات التي يقدمها فقط، بل بموقعه أيضا، فكلما ابتعدت الخدمة ازدادت كلفة الوصول إليها، خصوصا بالنسبة إلى امرأة تفتقر إلى المال أو وسيلة النقل أو تخشى الانتقال خارج محيطها.

ولهذا لا تتساوى آثار إغلاق المراكز في جميع المناطق، فقد يعني فقدان نقطة خدمة في موقع بعيد غياب البديل القريب أصلا.

الخوف يسبق البلاغ ولا تقتصر العوائق على المسافة

يرى اللواء عيسى آلاسو، عضو اللجنة الاستراتيجية بالجيش الصومالي، أن مواجهة العنف الجنسي ترتبط بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون.
ويقول في تصريحات خاصة لـ”صفر” إن عقود الصراع وضعف مؤسسات الدولة أوجدا تحديات أمنية واجتماعية معقدة، وإن مواجهة العنف الجنسي لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني أو العقابي، بل تحتاج إلى منظومة تجمع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقيادات المجتمعية والدينية.

ويشير آلاسو إلى أن الوصمة الاجتماعية والخوف من الانتقام والتداعيات الأسرية تمثل عوائق أمام الإبلاغ، مؤكدا أهمية توفير بيئة آمنة وسرية للناجيات إلى جانب الدعم الصحي والنفسي والقانوني.

كما يشير إلى أن مشروع القانون المتعلق بالجرائم الجنسية ما يزال محل نقاش داخل البرلمان الصومالي وأن بعض مواده أثارت جدلا بين النواب، لكن التشريع، مهما بلغت أهميته، لا يلغي الحاجة إلى الخدمة، فالمرأة تحتاج قبل الوصول إلى المحكمة إلى مكان تستطيع طلب المساعدة منه، ورعاية طبية عند الحاجة، ودعم نفسي وقانوني وبيئة لا تجعل الإبلاغ سببا لخطر جديد.

ما يغيب عن السجل

يقول الباحث في التاريخ الإفريقي الدكتور إسلام فكري نجم الدين إن محدودية الإبلاغ تجعل قياس الحجم الحقيقي للعنف في الصومال صعبا، خصوصا في المناطق التي تضعف فيها الخدمات أو تسيطر عليها جماعات مسلحة.

ويرى نجم الدين أن تعدد مراكز النفوذ والفاعلين المسلحين يعقد تحديد المسؤولية والمساءلة، بينما تزيد ظروف النزوح والفقر والجفاف من هشاشة النساء.

لكن الأرقام المتاحة تكشف بالفعل مفارقة أكثر مباشرة، وهي أن ملايين النساء والفتيات معرضات لخطر العنف في الوقت الذي أغلقت فيه 120 نقطة كانت جزءا من شبكة الاستجابة والحماية، ولا تسمح البيانات المتاحة بالجزم بأن إغلاق تلك المراكز أدى مباشرة إلى انخفاض البلاغات، لكنها تطرح سؤالا لا تستطيع أرقام الحالات المسجلة الإجابة عنه وحدها، حول كم امرأة لم تصل أصلا إلى المكان الذي يمكن أن تسجل فيه قصتها؟

حليمة وجدت أن الصمت أكثر أمناً من الشكوى بعدما تلقت تهديداً بالقتل، وبالنسبة إلى امرأة أخرى قد يبدأ الطريق إلى الصمت من عائق مختلف؛ مركز أغلق خدمة بعيدة، كلفة انتقال لا تستطيع دفعها أو خوف من الوصمة والانتقام؛ لذلك لا تقاس حماية النساء في الصومال بعدد الحالات التي تصل إلى السجلات فقط، بل أيضا بقدرة المرأة على الوصول إلى العلاج والدعم والإبلاغ عندما تحتاج إليها، وإغلاق أبواب الحماية لا يجعل العنف يختفي، وقد يجعل بعض الناجيات فقط أبعد عن المكان الذي يستطيع رؤيته وتسجيله.