كشفت معطيات تقرير حقوقي جديد عن واقع معقد داخل المنظومة الصحية في إسرائيل حيث تتداخل الاعتبارات المهنية مع سياقات سياسية واجتماعية أوسع لتنتج بيئة توصف بأنها مشبعة بالتمييز والعنصرية، ويسلط التقرير الضوء على ممارسات يواجهها العاملون الفلسطينيون في القطاع الطبي ويطرح تساؤلات عميقة حول صورة هذا القطاع الذي طالما قُدّم مساحةً للتعايش الإنساني.
ويأتي هذا التقرير الصادر عن منظمة أطباء لحقوق الإنسان في إسرائيل تحت عنوان هذا هو التعايش صمت وإسكات للعاملين الفلسطينيين في المنظومات الصحية الإسرائيلية ليقدم قراءة نقدية حادة لما يجري داخل المستشفيات والعيادات منذ 7 أكتوبر 2023 حيث يتعرض الأطباء والممرضون والتقنيون من فلسطينيي الداخل لملاحقات ذات طابع سياسي وفق ما أورده التقرير.
واقع خلف صورة التعايش
يعتمد التقرير على دراسة ميدانية استمرت عاما كاملا وشملت مقابلات وشهادات مباشرة من داخل مؤسسات القطاع الطبي، ويكشف عن فجوة واضحة بين الصورة النمطية التي تروج للقطاع الطبي بوصفه نموذجاً للتعاون بين اليهود والعرب وبين التجارب اليومية التي يرويها العاملون الفلسطينيون الذين يتحدثون عن بيئة يسودها الخوف والرقابة.
وتنقل إحدى الشهادات عن طبيبة عربية – فضلت عدم الكشف عن هويتها – قولها إنها شعرت بأنها مطالبة بالعمل كآلة بلا مشاعر في ظل قيود تحد من قدرتها على التعبير الإنساني والمهني، وتضيف أنها اضطرت في نهاية المطاف إلى ترك عملها بعدما وجدت نفسها عاجزة عن أداء واجبها الطبي بالشكل الذي يتوافق مع قناعاتها.
عندما تتحول التفاعلات الرقمية إلى تهم
يرصد التقرير ما يصفه بتدهور غير مسبوق في أوضاع العاملين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023 حيث تعرض عشرات منهم لإجراءات تأديبية وتحقيقات داخلية بسبب مواقف أو تعبيرات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتشمل هذه الحالات نشر محتوى ينتقد الحرب أو حتى التفاعل مع منشورات عبر الإعجاب أو مشاركة صور توثق آثارها.
ويشير التقرير إلى أن بعض هؤلاء العاملين طُلب منهم تقديم اعتذارات رسمية والتعبير عن الندم على مواقفهم الإنسانية فيما تعرض آخرون لعقوبات مهنية متفاوتة، ويصف هذه الممارسات بأنها جزء من مناخ تنظيمي أوسع يفرض قيوداً غير معلنة على حرية التعبير ويشمل أيضاً ضغوطاً تتعلق باستخدام اللغة العربية داخل أماكن العمل.
بيئة تنظيمية مضطربة
يتحدث التقرير عن مؤشرات على تصاعد النزعات القومية والعسكرة داخل المؤسسات الصحية في إسرائيل وهو ما ينعكس بحسبه على طبيعة العلاقات المهنية، ويشير إلى وجود ما يشبه اختبارات ولاء غير رسمية يتعرض لها العاملون الفلسطينيون الأمر الذي يعمق شعورهم بالعزلة ويقوض ثقتهم في بيئة العمل.
كما يلفت إلى أن هذه الظواهر لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع في إسرائيل حيث تتزايد حدة الخطابات القومية وتنعكس بدورها على مختلف القطاعات، ومنها القطاع الصحي.
فجوة بين الصورة والواقع
من أبرز ما يطرحه التقرير هو التناقض بين الصورة العامة للمنظومة الصحية كونها مساحة تعزز المساواة والتعاون وبين الواقع الذي يصفه العاملون الفلسطينيون، ويؤكد أن الخطوة الأولى نحو معالجة هذا الوضع تكمن في الاعتراف بوجود هذه الفجوة والعمل على معالجتها من خلال إصلاحات حقيقية في السياسات والثقافة التنظيمية.
ويدعو التقرير إلى تمكين العاملين العرب من التعبير عن آرائهم دون خوف وإلى إعادة النظر في الإجراءات التي تقيد حرياتهم داخل أماكن العمل.
انتقادات إعلامية وتحذيرات داخلية
تزامناً مع صدور التقرير خصصت صحيفة “هآرتس” افتتاحيتها اليوم الخميس لانتقاد ما وصفته بالملاحقة السياسية للعاملين العرب داخل المنظومة الطبية معتبرة أن هذه الممارسات تمثل تراجعاً خطراً عن القيم التي يفترض أن يقوم عليها العمل الطبي.
وتشير الصحيفة إلى أن نحو ثلث الأطباء في إسرائيل هم من الفلسطينيين إلا أنهم نادراً ما يصلون إلى مواقع إدارية عليا التي تبقى في الغالب حكراً على اليهود. كما تسلط الضوء على ظاهرة بطالة الأطباء العرب رغم تخرجهم من مؤسسات تعليمية مرموقة ما يعكس وجود تمييز بنيوي في فرص العمل.
وتذهب الصحيفة إلى حد القول إن السياسات الحالية تعكس تفضيلاً للاعتبارات القومية على حساب الكفاءة المهنية وحاجة المجتمع إلى الكوادر الطبية.
أصوات من داخل المجتمع الإسرائيلي
لا تقتصر الانتقادات على التقارير الحقوقية ووسائل الإعلام بل تمتد إلى بعض الشخصيات الإسرائيلية التي حذرت من تصاعد مظاهر العنصرية والكراهية، لافتين إلى أن ما يحدث في القطاع الصحي هو جزء من ظاهرة أوسع تشمل المجتمع بأكمله.
كما عبر مسؤولون سابقون عن قلقهم من تداعيات هذه السياسات على النسيج الاجتماعي، محذرين من أن استمرارها قد يؤدي إلى مزيد من التوتر والانقسام.
توصيات وإشارات للمستقبل
يقدم التقرير مجموعة من التوصيات التي تركز على ضرورة مراجعة السياسات الداخلية للمؤسسات الصحية وتعزيز مبادئ المساواة والشفافية، كما يدعو إلى إنشاء آليات مستقلة لمراقبة الانتهاكات وضمان حماية العاملين من أي ممارسات تمييزية.
وتبقى الرسالة الأبرز في التقرير هي الدعوة إلى الاستماع لأصوات العاملين الفلسطينيين وإشراكهم في صياغة مستقبل بيئة العمل بما يضمن احترام حقوقهم المهنية والإنسانية.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي طويل من التوترات السياسية والاجتماعية في إسرائيل حيث يشكل الفلسطينيون داخل الخط الأخضر نحو 20 بالمئة من السكان ويواجهون تحديات متعددة في مجالات العمل والتعليم والخدمات، ويعد القطاع الصحي من أبرز المجالات التي شهدت مشاركة واسعة للعرب حيث لعبوا دوراً محورياً في تقديم الخدمات الطبية خاصة في أوقات الأزمات.
غير أن هذه المشاركة لم تترجم دائماً إلى مساواة في الفرص أو تمثيل عادل في مواقع صنع القرار، وتشير دراسات متعددة إلى وجود فجوات مستمرة في التوظيف والترقيات تعكس أنماطاً أعمق من التمييز البنيوي. وفي ظل التصعيد السياسي والعسكري الأخير ازدادت هذه الفجوات وضوحاً ما دفع منظمات حقوقية إلى دق ناقوس الخطر بشأن مستقبل التعايش داخل المؤسسات الحيوية.
ويعكس التقرير الأخير هذا القلق المتصاعد ويضعه في إطار نقاش أوسع حول طبيعة الدولة والمجتمع والعلاقات بين مكوناته المختلفة في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة المعاصر.
