تعيش عدة دول في أوروبا والولايات المتحدة أياماً صعبة مع اتساع رقعة حرائق الغابات التي تواصل التهام المساحات الزراعية والغابات وتهدد المناطق السكنية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة واستمرار موجات الجفاف والرياح القوية التي تعرقل جهود الإطفاء.
وتعكس حرائق الغابات المتزامنة في اليونان وإسبانيا والبرتغال وفرنسا والولايات المتحدة تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغير المناخي، بينما تسعى الحكومات إلى توظيف تقنيات حديثة، تشمل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لتعزيز سرعة الاستجابة والحد من الخسائر البشرية والبيئية.
وذكرت وكالة رويترز، إلى جانب بيانات هيئات الحماية المدنية الأوروبية والسلطات المحلية، أن فرق الإطفاء تواجه تحديات متزايدة بسبب الظروف المناخية القاسية، في وقت دفعت فيه الحكومات بآلاف رجال الإطفاء ومئات المركبات والطائرات لمحاصرة النيران ومنع امتدادها إلى التجمعات السكنية والمنشآت الحيوية.
اليونان ترفع حالة التأهب
شهدت اليونان تصاعداً جديداً في حرائق الغابات، حيث اندلع حريق واسع في منطقة زراعية شمال البلاد، بينما كثفت السلطات جهودها لرصد بؤر الاشتعال عبر منظومة تعتمد على الأقمار الصناعية قبل تحولها إلى حرائق واسعة النطاق.
وأطلقت السلطات أوامر إخلاء عاجلة لسكان منطقتي أنثوبولي وسانتا فيلوثيا، كما طلبت من سكان عدد من أحياء مدينة سالونيكا، ثاني أكبر المدن اليونانية، البقاء داخل منازلهم وإغلاق النوافذ والأبواب بسبب الدخان الكثيف والغازات السامة المتصاعدة من مصنع لإعادة التدوير امتدت إليه النيران على أطراف المدينة.
وأكدت أجهزة الدفاع المدني أن حماية السكان تبقى الأولوية، بينما تواصل فرق الإطفاء العمل في ظروف صعبة لمنع وصول الحرائق إلى مناطق جديدة.
إسبانيا تواجه رياحاً تعقد المهمة
في شمال شرقي إسبانيا، واصلت فرق الإطفاء عملياتها للسيطرة على حريق غابات يهدد بالامتداد نحو مدينة جيرونا وسلسلة جبال غافاريس، في وقت ساهمت فيه الرياح القوية في تسريع حركة ألسنة اللهب.
وأظهرت صور التقطتها وسائل الإعلام المحلية تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان فوق شواطئ كوستا برافا، بينما كثفت السلطات عمليات المراقبة الجوية وأغلقت عدداً من الطرق المؤدية إلى المناطق المهددة، تحسباً لأي توسع إضافي للحريق.
وأكدت أجهزة الطوارئ الإسبانية أن سرعة الرياح وارتفاع درجات الحرارة يفرضان تحديات كبيرة أمام فرق الإطفاء التي تعمل على إنشاء خطوط عازلة لمنع انتقال النيران إلى الغابات المجاورة.
البرتغال تكثف عمليات الاحتواء
شهدت البرتغال واحدة من أكبر عمليات مكافحة الحرائق خلال الأيام الأخيرة، بعدما امتدت النيران بسرعة في منطقة تويرله شمال البلاد، مهددة مناطق مأهولة بالسكان.
وفي منطقة فيوزيلا بوسط البرتغال، دفعت هيئة الحماية المدنية بأكثر من 1200 رجل إطفاء، مدعومين بنحو 400 مركبة و15 طائرة، لإخماد حريق اندلع منذ الخميس الماضي.
وأظهرت بيانات وكالة كوبرنيكوس الأوروبية لرصد الأرض عبر الأقمار الصناعية أن الحريق دمر نحو 12 ألف هكتار من الأراضي، أي ما يعادل 120 كيلومتراً مربعاً، الأمر الذي يجعله من أكبر الحرائق المسجلة هذا الموسم في البرتغال.
وأكدت السلطات أن الرياح ودرجات الحرارة المرتفعة لا تزال تعوق جهود السيطرة الكاملة على النيران، رغم إحراز تقدم في بعض الجبهات.
فرنسا تعتمد التكنولوجيا
في جنوب فرنسا، واصلت فرق الإطفاء عمليات احتواء الحرائق، مع السماح لعدد من السكان بالعودة تدريجياً إلى منازلهم بعد تحسن نسبي في الأوضاع.
وفي الوقت نفسه، بدأت مدينة ليون اختبار منظومة جديدة تعتمد على طائرات مسيرة ذاتية التشغيل مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بهدف تسريع اكتشاف الحرائق وتقييم المخاطر وتوجيه فرق الإنقاذ بكفاءة أعلى.
وترى السلطات الفرنسية أن التقنيات الحديثة ستؤدي دوراً محورياً في التعامل مع حرائق الغابات التي أصبحت أكثر شدة وتكراراً خلال السنوات الأخيرة.
الولايات المتحدة تواجه عشرات الحرائق
امتدت موجة الحرائق أيضاً إلى الولايات المتحدة، حيث اشتدت حرائق الغابات في ولاية كولورادو وسط ارتفاع درجات الحرارة والرياح القوية وانخفاض مستويات الرطوبة.
وأكدت السلطات الأمريكية أن أكثر من 9000 رجل إطفاء يشاركون في مكافحة أكثر من 50 حريقاً كبيراً في ولايات مختلفة، بينما دفعت عمليات الإخلاء آلاف السكان إلى مغادرة منازلهم مع استمرار التحذيرات من تغير اتجاه النيران بصورة مفاجئة.
كما سجلت السلطات عدداً من الوفيات بين رجال الإطفاء أثناء أداء مهامهم، في مؤشر على خطورة الظروف التي تواجهها فرق الطوارئ خلال موسم الحرائق الحالي.
التغير المناخي يضاعف المخاطر
يربط علماء المناخ تصاعد حرائق الغابات بارتفاع درجات الحرارة العالمية وتزايد موجات الجفاف وطول مواسم الحرائق، وهي عوامل تؤدي إلى جفاف الغطاء النباتي وتحوله إلى وقود سريع الاشتعال.
وأكدت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية أن البحر الأبيض المتوسط سجل خلال السنوات العشر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في درجات حرارة مياهه، تجاوز في بعض الفترات المعدلات الطبيعية بنحو خمس درجات مئوية، وهو ما يسهم في زيادة الظواهر الجوية المتطرفة وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لاندلاع الحرائق وانتشارها.
تحذيرات أممية من اتساع الظاهرة
حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن حرائق الغابات أصبحت أكثر تكراراً وحدة نتيجة تغير المناخ وتغير استخدامات الأراضي، وأكدت المنظمتان أن العالم قد يشهد زيادة كبيرة في عدد الحرائق الشديدة خلال العقود المقبلة إذا لم تتسارع جهود خفض الانبعاثات وتعزيز إجراءات الوقاية.
كما أوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن آثار حرائق الغابات لا تقتصر على تدمير الأشجار، بل تمتد إلى تلوث الهواء، وارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة، وفقدان التنوع البيولوجي، وتهديد الأمن الغذائي والمائي، فضلاً عن تأثيرها المباشر في صحة ملايين السكان.
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن حرائق الغابات أصبحت من أسرع الكوارث الطبيعية نمواً على مستوى العالم بفعل تغير المناخ، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع عدد الحرائق الشديدة بنسبة تصل إلى 14 في المئة بحلول عام 2030، ثم إلى 30 في المئة بحلول عام 2050، وصولاً إلى نحو 50 في المئة مع نهاية القرن إذا استمرت الاتجاهات المناخية الحالية.
وتؤكد وكالة كوبرنيكوس الأوروبية أن الأقمار الصناعية أصبحت أداة رئيسية لرصد الحرائق وقياس المساحات المتضررة بصورة لحظية، بينما تعتمد دول أوروبية على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والأنظمة الرقمية لتعزيز سرعة الاستجابة وتقليل الخسائر البشرية والبيئية في مواجهة موسم حرائق بات أكثر شدة وتعقيداً عاماً بعد آخر.
