كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في تقريرها العالمي الجديد “مخاطر المناخ على الأطفال 2026” عن صورة مقلقة لمستقبل الطفولة في العالم، بعدما أكدت أن نحو 1.1 مليار طفل، أي ما يقارب نصف أطفال العالم، يواجهون ثلاثة أخطار مناخية متداخلة على الأقل في الوقت نفسه، ويعكس هذا الرقم حجم التحول الذي شهدته الأزمة المناخية خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد قضية بيئية أو تنموية فحسب، بل أصبحت أزمة إنسانية وحقوقية تمس بصورة مباشرة حق الأطفال في الحياة والصحة والتعليم والحماية.
ووفق تقرير يونيسف الصادر في يونيو الجاري، فإن جميع أطفال العالم تقريباً يتعرضون لخطر مناخي واحد على الأقل، في حين يعيش مئات الملايين في مناطق تتقاطع فيها موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف وحرائق الغابات، ما يضاعف من آثارها الإنسانية ويجعل الأطفال الفئة الأكثر هشاشة أمام التداعيات المتسارعة للتغير المناخي.
أخطار متعددة تضرب الأطفال في آن واحد
اعتمدت يونيسف في تقريرها على قاعدة بيانات عالمية جديدة لرصد تعرض الأطفال لثمانية أخطار مناخية رئيسة تشمل الجفاف والحرارة الشديدة وموجات الحر والفيضانات النهرية والفيضانات الساحلية والعواصف المدارية وحرائق الغابات والعواصف الرملية والترابية.
وأظهرت البيانات أن أكثر من ثلاثة أرباع أطفال العالم، أي نحو 1.8 مليار طفل، يتعرضون للجفاف الزراعي أو المناخي بدرجات متفاوتة. كما يعيش نحو 1.5 مليار طفل في مناطق تشهد موجات حر متكررة أو طويلة الأمد أو شديدة التأثير، في حين يواجه 1.2 مليار طفل ظروفاً من الحرارة الشديدة.
وأشارت يونيسف إلى أن 662 مليون طفل يعيشون في مناطق معرضة للعواصف المدارية، و337 مليون طفل في مناطق مهددة بالفيضانات النهرية، و33 مليون طفل في مناطق معرضة للفيضانات الساحلية، إضافة إلى تعرض 206 ملايين طفل لحرائق الغابات و123 مليون طفل للعواصف الرملية والترابية.
وأكدت المنظمة أن الأخطار المناخية لم تعد تحدث بصورة منفصلة، بل تتداخل وتتراكم آثارها في المجتمعات والأطفال. ويعيش نحو 300 مليون طفل في مناطق تتعرض في الوقت نفسه للجفاف والحرارة الشديدة وموجات الحر، في حين يواجه أكثر من 115 مليون طفل مزيجاً من الجفاف والحرارة الشديدة والعواصف المدارية.
عام 2025 بين الأكثر حرارة في التاريخ
تأتي تحذيرات يونيسف في وقت تؤكد فيه المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة أن عام 2025 كان من بين الأعوام الثلاثة الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة عالمياً قبل 176 عاماً.
وأعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير “حالة المناخ العالمي 2025” الصادر في مارس 2026 أن السنوات الممتدة من 2015 إلى 2025 كانت السنوات الإحدى عشرة الأكثر حرارة على الإطلاق، وأن متوسط درجة حرارة سطح الأرض خلال عام 2025 بلغ نحو 1.43 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وأوضحت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ارتفاع درجات الحرارة ترافق مع موجات حر شديدة وأمطار غزيرة وأعاصير وعواصف أكثر تطرفاً، ما أدى إلى اضطرابات واسعة النطاق في حياة ملايين البشر وألحق خسائر كبيرة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، ومنها المدارس والمراكز الصحية وأنظمة المياه التي يعتمد عليها الأطفال.
الأطفال يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها
تشدد يونيسف على أن الأطفال يتحملون العبء الأكبر لأزمة لم يكونوا مسؤولين عن صنعها، فالأطفال أكثر عرضة من البالغين لتأثيرات الحرارة المرتفعة والجفاف وسوء التغذية والأمراض المرتبطة بالمناخ بسبب طبيعة أجسامهم واحتياجاتهم الغذائية والصحية.
وتوضح المنظمة أن أجسام الأطفال ترتفع حرارتها بصورة أسرع، كما أنهم يتعرقون بكفاءة أقل ويحتاجون إلى كميات كبرى من المياه والغذاء مقارنة بوزن أجسامهم، ويؤدي تعطل الخدمات الصحية أو تلوث مصادر المياه أو نقص الغذاء إلى مضاعفة المخاطر التي يتعرضون لها أثناء الكوارث المناخية.
وتشير بيانات يونيسف إلى أن أكثر من مليار طفل يعيشون في مناطق يتأثر فيها انتشار الملاريا بالمتغيرات المناخية المرتبطة بدرجات الحرارة وأنماط الأمطار، في حين يتعرض نحو 2.3 مليار طفل لتلوث الهواء، وهو ما يجعل الأزمة المناخية والصحية متداخلتين بصورة متزايدة.
من البيئة إلى حقوق الإنسان
لم تعد المؤسسات الدولية تتعامل مع التغير المناخي باعتباره قضية بيئية فقط. ففي عام 2022 اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة باعتباره حقاً من حقوق الإنسان.
كما أصدرت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة في عام 2023 التعليق العام رقم 26 بشأن حقوق الطفل والبيئة مع التركيز على تغير المناخ، مؤكدة أن الدول تتحمل التزامات قانونية بحماية الأطفال من الأضرار البيئية والمناخية التي تهدد حقوقهم الأساسية.
ويؤكد هذا التفسير الأممي أن الحق في الحياة والصحة والتعليم والمياه والغذاء والسكن الآمن لا يمكن فصله عن الحق في الحماية من التداعيات المناخية المتفاقمة، ما يجعل التقاعس عن مواجهة الأزمة المناخية قضية حقوقية بقدر ما هي قضية بيئية.
الساحل الإفريقي وجنوب آسيا في دائرة الخطر
حدد تقرير يونيسف منطقة الساحل الإفريقي باعتبارها من أكثر المناطق تعرضاً للمخاطر المناخية المركبة، ويواجه أكثر من أربعة ملايين طفل في المنطقة مزيجاً من الحرارة الشديدة وموجات الحر والعواصف الرملية والترابية في الوقت نفسه.
وتتفاقم خطورة الوضع بسبب تداخل الأزمة المناخية مع النزاعات المسلحة والفقر وانعدام الأمن الغذائي وضعف الخدمات العامة، وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة معدلات سوء التغذية والنزوح وتعطل التعليم بين الأطفال.
وفي آسيا، تبرز بنغلاديش وميانمار وباكستان بين أكثر الدول تعرضاً للأخطار المناخية المتعددة، نتيجة تكرار الفيضانات والأعاصير المدارية وارتفاع درجات الحرارة والكثافة السكانية العالية، وترى يونيسف أن الأطفال في هذه المناطق يواجهون مستويات استثنائية من المخاطر المتزامنة التي تهدد صحتهم ومستقبلهم التعليمي والاجتماعي.
تداعيات تمتد إلى الغذاء والصحة والتعليم
لا تقتصر آثار التغير المناخي على الكوارث المباشرة، بل تمتد إلى منظومات الحياة الأساسية. فالجفاف المتكرر يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، ما يزيد من مخاطر سوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في الدول منخفضة الدخل.
كما تؤدي الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات إلى تدمير المدارس والمرافق الصحية وشبكات المياه، ما يحرم ملايين الأطفال من الخدمات الأساسية لفترات طويلة، وتؤكد يونيسف أن اضطراب التعليم الناتج عن الكوارث المناخية أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه الأطفال في العديد من مناطق العالم.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن تغير المناخ يسهم في زيادة الأمراض المرتبطة بالحرارة وسوء التغذية والأمراض المنقولة عبر المياه والحشرات، وهي مخاطر تصيب الأطفال بصورة أكبر من غيرهم بسبب هشاشة أوضاعهم الصحية.
النزوح المناخي.. وجه آخر للأزمة
تمثل الهجرة والنزوح القسري أحد أخطر أبعاد الأزمة المناخية على الأطفال. فمع تزايد الفيضانات والعواصف والجفاف، تضطر أعداد متزايدة من الأسر إلى مغادرة منازلها والبحث عن مناطق أكثر أمناً.
وتشير منظمات الأمم المتحدة المعنية بالشؤون الإنسانية إلى أن الكوارث المرتبطة بالمناخ أصبحت من أبرز أسباب النزوح الداخلي في العالم، ما يضع الأطفال أمام مخاطر إضافية تشمل فقدان التعليم والرعاية الصحية وارتفاع احتمالات التعرض للاستغلال والعنف وعمالة الأطفال.
ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن الأطفال النازحين بسبب الكوارث المناخية غالباً ما يواجهون صعوبات طويلة الأمد في استعادة حياتهم الطبيعية، خصوصاً عندما تتكرر الكوارث أو تتزامن مع أزمات اقتصادية وأمنية.
مطالب أممية وتحذيرات حقوقية
دعت المديرة التنفيذية لمنظمة يونيسف كاثرين راسل الحكومات إلى استخدام البيانات الجديدة الواردة في أطلس مخاطر المناخ على الأطفال لتوجيه الاستثمارات نحو بناء أنظمة صحية وتعليمية وخدمية أكثر قدرة على الصمود.
وأكدت أن الأطفال يحتاجون إلى بنية تحتية مقاومة للمناخ، وأنظمة إنذار مبكر فعالة، وخدمات مياه وصرف صحي وصحة وتعليم قادرة على الاستمرار أثناء الكوارث.
كما شددت منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، خلال السنوات الأخيرة على أن التغير المناخي أصبح تحدياً مباشراً لحقوق الإنسان، وأن الأطفال والفئات الأشد فقراً يتحملون العبء الأكبر من تداعياته رغم أنهم الأقل إسهاماً في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
مستقبل الطفولة على المحك
تكشف بيانات يونيسف لعام 2026 أن العالم دخل مرحلة جديدة من الأزمة المناخية، لم تعد فيها المخاطر البيئية أحداثاً استثنائية، بل واقع يومي يهدد حياة مئات الملايين من الأطفال. ومع تعرض 1.1 مليار طفل لثلاثة أخطار مناخية متزامنة على الأقل، وتعرض 1.8 مليار للجفاف، و1.5 مليار لموجات الحر، و1.2 مليار للحرارة الشديدة، تتزايد التحذيرات من أن مستقبل الطفولة العالمية بات مرتبطاً بصورة وثيقة بقدرة المجتمع الدولي على مواجهة التغير المناخي.
وبينما تؤكد الأمم المتحدة أن السنوات الإحدى عشرة الأخيرة كانت الأكثر حرارة في التاريخ الحديث، تتفق يونيسف والهيئات الحقوقية الدولية على أن حماية الأطفال من تداعيات المناخ لم تعد خياراً سياسياً أو تنموياً، بل أصبحت التزاماً قانونياً وأخلاقياً يرتبط مباشرة بضمان الحقوق الأساسية لأجيال الحاضر والمستقبل.

