لم تعد موجات الحر في أوروبا حدثاً موسمياً عابراً، ولا مجرد اختبار لقدرة البنية التحتية على الصمود أمام ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى سؤال حقوقي مباشر حول الحق في الحياة، والصحة، والسكن الآمن، والخدمات العامة، والحماية من آثار تغير المناخ، ففي وقت أعلنت فيه فرنسا ارتفاع الوفيات المرتبطة بموجة الحر، وتسجيل وفيات أطفال داخل سيارات مغلقة.
تحدثت خدمات الطوارئ عن ضغط غير مسبوق على المستشفيات، كانت الأنهار الجليدية في سويسرا تخسر ما راكمته الطبيعة خلال الشتاء خلال أسابيع قليلة فقط، لتكشف الأزمة عن كلفة إنسانية ومناخية تتجاوز الأرقام، وتعيد طرح مسؤولية الدول عن حماية الإنسان في عصر الاحترار العالمي.
دفعت موجة الحر غير المسبوقة التي اجتاحت أوروبا إلى تصاعد المؤشرات المرتبطة بالخطر الإنساني، بعدما ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة في فرنسا، إلى جانب أكثر من 55 حالة غرق في أنحاء البلاد، وسط توقعات بامتداد الحرارة شرق القارة ووصول آثارها إلى نحو 150 مليون شخص مع درجات حرارة تصل إلى 35 درجة مئوية.
وأظهرت المعطيات التي نقلتها الغارديان أن العلماء وصفوا هذه الموجة بأنها الأشد والأوسع انتشاراً على الإطلاق، إذ واجه ما يقرب من نصف كبريات مدن أوروبا، وعددها 850 مدينة، مستويات غير مسبوقة من الإجهاد الحراري، في حين أكدوا أن هذا التصاعد أصبح ممكناً بفعل أزمة المناخ المرتبطة بحرق الوقود الأحفوري.
وفي أكثر المشاهد قسوة، سجلت فرنسا سلسلة من الوفيات المرتبطة بالحرارة، إذ أعلن مستشفى في مرسيليا وفاة طفل يبلغ 18 شهراً بعد العثور عليه داخل سيارة في حالة فرط حرارة، في حين عثر في حادثة أخرى على طفل عمره 3 سنوات متوفياً داخل سيارة في ضاحية باريس بعد أن علق بسبب نظام الأمان، كما عثر على طفلين آخرين يبلغان عامين و4 أعوام داخل سيارة عائلتهما في موقف سكني.
ومع اتساع آثار الأزمة، كشفت وزيرة الرياضة الفرنسية مارينا فيراري عن وصول عدد الغرقى إلى 55 شخصاً، مع تحذيرات من استمرار الارتفاع، وهو ما أضاف بعداً آخر للأزمة يتجاوز الحرارة المباشرة إلى المخاطر غير المباشرة المرتبطة بمحاولات السكان البحث عن وسائل تبريد في ظروف استثنائية.
ضغط على الحق في الصحة
وانتقلت آثار موجة الحر إلى مستوى الضغط على الحق في الرعاية الصحية، بعدما أعلنت مستشفيات عدة في المملكة المتحدة حالة الطوارئ، وسط تحذيرات من عجز خدمات الطوارئ عن مواكبة الطلب المتزايد.
وسجلت العاصمة البريطانية مؤشراً غير مسبوق عندما أعلنت خدمة الإسعاف في لندن أنها تعاملت مع أعلى عدد من الحالات المهددة للحياة في تاريخها خلال يوم واحد، في حين توقع رئيسها التنفيذي كريغ هارمان استمرار الارتفاع يوماً بعد يوم.
وفي السياق، أطلقت السلطات البريطانية تحذيرات واسعة بعدما دخل الإنذار الأحمر للحرارة حيز التنفيذ في لندن وجنوب شرق إنجلترا، وهو مستوى يعني وجود خطر مرتفع على الحياة حتى بالنسبة للأشخاص الأصحاء.
وامتدت التداعيات إلى قطاع التعليم، حيث أغلق أكثر من 1000 مدرسة في المملكة المتحدة كلياً أو جزئياً نتيجة ارتفاع درجات الحرارة داخل المباني، وضعف العزل، وغياب أنظمة التكييف في عدد كبير منها، وهو ما وضع الحق في التعليم أمام اختبار جديد فرضته الظروف المناخية.
وفي محاولة لإدارة الضغوط المتزايدة، فرضت السلطات المحلية قيوداً إضافية شملت حظر استخدام خراطيم المياه في كينت نتيجة ارتفاع الطلب، في حين حذرت شركات الطاقة من نقص الإمدادات اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على التبريد.
وبالتوازي مع ذلك، بلغت باريس مستوى جديداً من الضغط عندما سجلت 40.9 درجة مئوية، وهو أعلى مستوى في يونيو بحسب البيانات المنشورة، في حين قال قائد شرطة باريس باتريس فور إن المدينة باتت تقترب من نقطة التشبع في مرافق المستشفيات.
وفي مؤشر أكثر إثارة للقلق، أعلن رئيس جمعية أطباء الطوارئ الفرنسيين باتريك بيلو تسجيل 55 حالة وفاة خلال 24 ساعة أثناء تلقي خدمات الطوارئ الصحية الرعاية، مؤكداً أن هذا الرقم يتجاوز بكثير المعدلات المعتادة التي تتراوح بين 3 و4 حالات يومياً.
مناخ يغير أنماط الحياة
ولم تتوقف آثار الحرارة عند حدود الصحة العامة، بل امتدت إلى الحياة اليومية وأنماط السكن، بعدما دفعت الظروف الجوية عائلات بريطانية، بينها أسر لديها أطفال حديثو الولادة، إلى حجز غرف فندقية مكيفة هرباً من حرارة المنازل.
وأظهرت بيانات موقع Booking.com تضاعف عمليات البحث عن أماكن إقامة مزودة بتكييف 3 مرات منذ بداية يونيو، بالتزامن مع موجة الحر.
كما كشفت بيانات شركة Adyen عن ارتفاع إيرادات قطاع الفنادق في المملكة المتحدة بنسبة 34% خلال الفترة بين 22 و25 يونيو مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وانعكس ذلك على نسب الإشغال، إذ أعلنت سلسلة هارتوود إنز وصول الإشغال إلى 86%، مع تركيز عدد كبير من الاستفسارات على وجود تكييف داخل الغرف.
وأوضحت إدارات الفنادق أن جزءاً كبيراً من الحجوزات جاء من أسر تبحث عن بيئة مناسبة لنوم الأطفال الرضع بعدما أصبحت المنازل غير قادرة على توفير درجات حرارة مقبولة.
الأنهار الجليدية تدفع الثمن
وفي الوقت الذي كانت فيه المدن تواجه الضغط البشري، أطلقت سويسرا إنذاراً من نوع مختلف، بعدما حذر خبراء من ذوبان كامل الثلوج المتراكمة على الأنهار الجليدية خلال الشتاء الماضي بحلول مطلع الأسبوع نتيجة موجة الحر.
وأكد رئيس هيئة مراقبة الأنهار الجليدية السويسرية غلاموس ماتياس هوس أن البلاد تشهد معدلات ذوبان هائلة في جبال الألب، موضحاً أن الوضع الحالي يسبق المعدلات الطبيعية بنحو 3 أشهر.
وأشار هوس إلى أن نهر الرون الجليدي فقد متراً كاملاً من الجليد عمودياً خلال 10 أيام فقط، واصفاً ما يحدث بأنه تطور مذهل يعكس أثر موجة الحر وحدها.
وأظهرت البيانات أن حجم الأنهار الجليدية السويسرية انخفض بنسبة 38% بين عامي 2000 و2024، وأن سويسرا فقدت بالفعل 1200 نهر جليدي خلال 50 عاماً، ولم يتبق سوى 1300 نهر.
وربط الخبراء هذا التراجع بتراكم عوامل عدة، بينها ضعف تساقط الثلوج، وارتفاع درجات الحرارة، ووصول الغبار من الصحراء الكبرى خلال الربيع.
وفي قراءة أوسع للمشهد، حذر رئيس قسم معلومات المناخ في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية جون كينيدي من أن أوروبا ارتفعت حرارتها بنحو درجتين مئويتين خلال آخر 50 عاماً مقارنة بفترة ما بعد موجة حر 1976، مؤكداً أن موجات الحر الشديدة ستصبح أكثر تكراراً، وأطول مدة، وأكثر حدة مع استمرار الاحترار العالمي.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن أزمة المناخ لم تعد ملفاً بيئياً منفصلاً، بل أصبحت قضية حقوقية ترتبط مباشرة بقدرة الإنسان على البقاء والوصول إلى الرعاية والتعليم والمسكن والخدمات الأساسية، وأن الأرقام التي بدأت بوفيات وحالات طوارئ وحرائق وذوبان جليد تطرح سؤالاً يتجاوز إدارة الكوارث إلى مدى استعداد الدول لحماية الحقوق الأساسية في عالم ترتفع حرارته بوتيرة متسارعة.
