منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تحذيرات من انتهاك الحقوق.. الهجرة تثير انقساماً دولياً في مجلس حقوق الإنسان

22 يونيو 2026
انقسام في مجلس حقوق الإنسان حول الهجرة الدولية
انقسام في مجلس حقوق الإنسان حول الهجرة الدولية

تشهد قضية الهجرة الدولية تحولات متسارعة في السنوات الأخيرة، مع تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين حول العالم نتيجة النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية واتساع فجوات التنمية بين الدول.

وبرز اتجاه متنامٍ لدى عدد من الحكومات نحو اعتماد سياسات جديدة تقوم على نقل بعض مسؤوليات إدارة الهجرة واللجوء إلى خارج حدودها الوطنية، سواء عبر إبرام اتفاقات مع دول ثالثة أو إنشاء مراكز استقبال ومعالجة خارج الإقليم أو تكليف دول العبور بمهام مرتبطة بضبط الحدود ومنع تدفقات الهجرة.

هذه السياسات التي تعرف في الأدبيات الأممية بـ”إخراج إدارة الهجرة خارج الحدود” أو “تدويل إدارة الهجرة” أصبحت إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل داخل أروقة الأمم المتحدة، إذ ترى فيها بعض الحكومات وسيلة عملية لمواجهة الضغوط المتزايدة على أنظمة اللجوء والحد من نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر، في حين تعدها منظمات حقوقية وخبراء أمميون تهديداً لمنظومة الحماية الدولية التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، وخطوة قد تؤدي إلى تقويض حقوق اللاجئين والمهاجرين وإضعاف المساءلة القانونية.

وفي هذا السياق، احتلت القضية مساحة واسعة من النقاش خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة حالياً في جنيف، وذلك خلال الحوار التفاعلي مع المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين جهاد ماضي الذي عقد اليوم وقدم تقريراً موسعاً تناول فيه الاتجاه المتزايد نحو نقل مسؤوليات إدارة الهجرة واللجوء إلى دول أخرى، محذراً من التداعيات الحقوقية والإنسانية لهذه السياسات.

وشهدت الجلسة مداخلات مطولة من عشرات الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، عكست حجم الانقسام الدولي بشأن هذه القضية، بين دول تعد التعاون مع دول العبور جزءاً من الإدارة الحديثة للهجرة، وأخرى ترى أن هذه الترتيبات لا تعدو كونها محاولة لنقل المسؤوليات القانونية والإنسانية إلى دول أقل قدرة على توفير الحماية.

الظاهرة تتوسع عالمياً

استهل المقرر الخاص جهاد ماضي عرضه بتأكيد أن نقل إدارة الهجرة واللجوء إلى خارج الحدود لم يعد ظاهرة محدودة أو استثناءً سياسياً، بل أصبح توجهاً عالمياً متسارعاً يشمل مناطق مختلفة من العالم.

وأوضح أن الأشهر الأخيرة شهدت توسعاً ملحوظاً في هذه السياسات، سواء من خلال الاتفاقات الثنائية أو التشريعات الوطنية أو الترتيبات الإقليمية، مشيراً إلى أن التطورات شملت دولاً في أوروبا والأمريكتين وإفريقيا ومناطق أخرى.

وأكد أن تقريره رصد ثلاثة أشكال رئيسة لهذه السياسات، أولها التدابير الهادفة إلى منع وصول المهاجرين إلى أراضي الدول المقصودة، ومنها عمليات الاعتراض في البحر ومنع المغادرة من دول ثالثة. أما الشكل الثاني فيتمثل في نقل إجراءات اللجوء إلى دول أخرى لا تربط طالبي الحماية بها أي علاقة فعلية، في حين يتعلق الشكل الثالث بعمليات الإعادة والترحيل وإنشاء مراكز استقبال أو احتجاز خارج الحدود الوطنية.

وحذر المقرر الخاص من أن هذه السياسات تضع عدداً كبيراً من الحقوق الأساسية في دائرة الخطر، منها الحق في الحياة، والحماية من التعذيب، وحظر الاحتجاز التعسفي والطرد الجماعي، والحق في الانتصاف القانوني، والحق في مغادرة أي بلد وإن كان بلد الشخص نفسه.

وأشار إلى مخاطر إضافية بدأت تظهر مع التوسع في استخدام التكنولوجيا الرقمية والمراقبة عن بعد وتبادل البيانات الشخصية للمهاجرين، معتبراً أن غياب الضمانات القانونية الكافية قد يحول هذه الأدوات إلى وسائل لانتهاك الحقوق الأساسية.

وشدد ماضي على أن الدول لا تستطيع التهرب من مسؤولياتها الدولية عبر تفويض إدارة الهجرة إلى أطراف أخرى، مؤكداً أن الالتزامات الناشئة عن القانون الدولي لحقوق الإنسان تظل قائمة حتى عندما تمارس الدولة سلطتها أو سيطرتها خارج حدودها الإقليمية.

دفاع عن التعاون الدولي

كان الاتحاد الأوروبي من أبرز الأطراف التي قدمت رؤية مغايرة لبعض استنتاجات التقرير، حيث أكد أن الاتحاد لا يزال ملتزماً التزاماً عميقاً بحماية اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين واحترام القانون الدولي.

وأشار ممثل الاتحاد إلى أن الدول الأوروبية تستضيف نحو 20% من لاجئي العالم، وتوفر الحماية لما يقرب من 400 ألف لاجئ سنوياً، الأمر الذي يعكس حجم المسؤولية التي تتحملها الدول الأوروبية في مجال الحماية الدولية.

وأكد أن إدارة الهجرة تتطلب تعاوناً فعّالاً بين دول المنشأ والعبور والمقصد، معتبراً أن الشراكات التي يقيمها الاتحاد الأوروبي مع الدول الأخرى لا تهدف إلى نقل المسؤوليات أو التهرب منها، وإنما إلى تعزيز التعاون على امتداد مسارات الهجرة.

وشدد على أن ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء يتضمن ضمانات مهمة تتعلق بحقوق الإنسان، ومنها إنشاء آليات وطنية مستقلة لمراقبة الامتثال للحقوق الأساسية.

موريتانيا.. نهج إنساني

من جانبها، استعرضت موريتانيا التحديات التي تواجهها باعتبارها إحدى دول العبور الرئيسة للهجرة باتجاه أوروبا.

وأشارت إلى أن البلاد شهدت خلال عام 2025 تسجيل نحو 4500 ضحية لعمليات تهريب البشر، في حين بلغ عدد الحالات المسجلة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 1800 حالة.

وأكد الوفد الموريتاني أن السلطات تتعامل مع هذه الحالات وفق نهج إنساني يهدف إلى إنقاذ الأرواح وتقديم المساعدة والإيواء المؤقت، مع إيلاء أولوية خاصة للفئات الأكثر هشاشة.

واستعرضت موريتانيا الإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي الخاص بالهجرة واللجوء ومكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، ومنها إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والمرصد الوطني لحقوق النساء والفتيات.

وفي الوقت ذاته أبدت نواكشوط تحفظات على بعض الاستنتاجات الواردة في التقرير، معتبرة أن بعضها استند إلى معلومات وشهادات غير موثقة بشكل كامل، داعية إلى الاعتماد على البيانات الرسمية والوقائع الموثقة عند تقييم أوضاع الهجرة.

مصر.. التوازن بين الحقوق والسيادة

أكدت مصر خلال الحوار أن التعاون الدولي والثنائي في مجال الهجرة أصبح ضرورة ملحة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.

وشدد الوفد المصري على أن أي ترتيبات أو شراكات دولية في مجال الهجرة يجب أن تكون متوافقة مع القانون الدولي والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان، وألا تستخدم وسيلة تسمح للدول بالتهرب من مسؤولياتها القانونية.

وأكدت مصر أن تقييم أي اتفاق أو آلية تعاون يجب أن يتم على أساس مدى توافقها مع القانون الدولي، مع ضرورة تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق المهاجرين وبين جهود إدارة الحدود وتطبيق التشريعات الوطنية.

ولفتت إلى أن الإدارة الفعالة للهجرة لا تقتصر على ضبط تدفقات المهاجرين أو تأمين الحدود، بل تتطلب أيضاً معالجة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المرتبطة بالهجرة.

المغرب.. تقاسم المسؤولية

المغرب بدوره قدم نموذجاً مختلفاً في مقاربة قضايا الهجرة، مستعرضاً الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي أطلقت عام 2014.

وأكد الوفد المغربي أن المملكة نفذت حملات واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين استفاد منها أكثر من 50 ألف شخص، كما وفرت للمهاجرين إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية.

وأشار إلى أن المغرب يتعامل مع ملف الهجرة باعتباره دولة منشأ وعبور ومقصد في الوقت نفسه، وهو ما دفعه إلى تبني نهج إنساني وقائم على الحقوق.

وسلط الضوء على دور المرصد الإفريقي للهجرة في الرباط، باعتباره منصة قارية لدعم السياسات القائمة على البيانات والأدلة العلمية.

وأكد المغرب أن الشراكات الإقليمية يجب أن تقوم على تقاسم فعلي للمسؤولية، لا على نقل الأعباء إلى دول العبور.

رفض لنقل المسؤوليات

برزت مواقف قوية من دول أمريكا اللاتينية الرافضة لسياسات نقل إدارة الهجرة خارج الحدود.

واعتبرت المكسيك أن هذه السياسات تتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان ومع نظام اللجوء الدولي؛ لأنها تنقل المسؤولية من دولة إلى أخرى وتزيد مخاطر الإعادة القسرية.

أما كولومبيا التي تستضيف نحو ثلاثة ملايين مهاجر، فأكدت أن الدول التي يتقدم إليها الأشخاص بطلبات الحماية الدولية يجب أن تتحمل مسؤوليتها المباشرة في النظر فيها، وأن نقل هذه المسؤولية إلى دول أخرى يقوض الالتزامات الدولية.

وفي الاتجاه نفسه، أعربت البرازيل عن قلقها من تنامي هذه السياسات في أمريكا اللاتينية، معتبرة أنها قد تؤدي إلى تحميل دول الجنوب العالمي أعباءً إضافية في وقت تواجه فيه تحديات اقتصادية وتنموية متزايدة.

حماية الحقوق أولوية

المجموعة الإفريقية التي تحدثت باسمها كينيا أكدت أن الاتجاه المتزايد نحو نقل إجراءات اللجوء والهجرة إلى خارج الحدود يثير مخاطر جدية تتعلق بحقوق الإنسان.

وشددت على ضرورة التزام جميع الدول بالصكوك الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها الاتفاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، واتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

وأكدت دول إفريقية أخرى مثل غانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا وملاوي أن إدارة الهجرة يجب أن تقوم على احترام الكرامة الإنسانية ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة، وليس فقط على تدابير الردع والرقابة الحدودية.

تركيا وإيطاليا.. رؤيتان مختلفتان

شهدت الجلسة أيضاً مداخلات لتركيا وإيطاليا، وهما من أكثر الدول انخراطاً في إدارة تدفقات الهجرة.

تركيا أكدت أنها استضافت أكبر عدد من اللاجئين في العالم خلال السنوات الماضية، وأن أكثر من مليوني سوري لا يزالون يستفيدون من الحماية المؤقتة على أراضيها.

واعتبرت أن سياساتها تهدف إلى الحد من الهجرة غير النظامية وتعزيز المسارات الآمنة والمنظمة، رافضة تصويرها بوصفها جزءاً من سياسات نقل إدارة الهجرة إلى الخارج.

أما إيطاليا فدافعت عن الاتفاقات التي أبرمتها مع دول العبور، وخاصة تونس وليبيا، مؤكدة أنها أسهمت في الحد من الوفيات ومكافحة شبكات التهريب، وأنها تتضمن ضمانات قانونية وإشرافاً قضائياً وآليات للمساءلة.

قلق من تصاعد خطاب الكراهية

منظمة التعاون الإسلامي أكدت أن المهاجرين يتمتعون بحقوق أصيلة وغير قابلة للتصرف، معربة عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والتمييز ضد المهاجرين في العديد من مناطق العالم.

ودعت المنظمة إلى تعزيز التعاون الدولي لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة القسرية، ومنها النزاعات والفقر وعدم المساواة والكوارث المرتبطة بالمناخ.

أما الصين فأعربت عن قلقها من الممارسات المرتبطة بمنع الوصول إلى الأراضي أو نقل المهاجرين إلى دول ثالثة، معتبرة أنها قد تقوض الحقوق الأساسية للمهاجرين.

وشددت الهند على ضرورة توسيع المسارات القانونية للهجرة بدلاً من الاقتصار على سياسات الرقابة الحدودية، مؤكدة أهمية الشفافية وإمكانية الوصول القنصلي للمهاجرين.

دعوة إلى إعادة التفكير

في ختام الحوار، أكد المقرر الخاص أنه لم يتمكن حتى الآن من رصد أمثلة إيجابية واضحة لسياسات إخراج إدارة الهجرة خارج الحدود، بل لاحظ وجود انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان في العديد من الحالات التي شملها بحثه.

ودعا الدول إلى عدم إبرام أي اتفاقات مع دول ثالثة قبل إجراء تقييم دقيق لأوضاع حقوق الإنسان فيها، وإلى تعزيز آليات تقاسم المسؤولية القائمة على التضامن الدولي بدلاً من نقل الأعباء.

وشدد على ضرورة حظر احتجاز الأطفال في جميع سياقات الهجرة، مؤكداً أن هذه الممارسة لا تخدم مطلقاً المصلحة الفضلى للطفل.

وتعكس المناقشات التي شهدها مجلس حقوق الإنسان حجم التعقيد الذي يحيط بقضية الهجرة في العالم المعاصر، فبينما تسعى الدول إلى حماية حدودها وإدارة تدفقات المهاجرين بصورة أكثر فعالية، تتزايد المخاوف من أن تؤدي بعض السياسات الجديدة إلى إضعاف منظومة الحماية الدولية وإلى تحويل المهاجرين واللاجئين إلى ضحايا لتجاذبات سياسية وقانونية تتجاوز أوضاعهم الإنسانية.

ويبقى التحدي الرئيس أمام المجتمع الدولي هو إيجاد صيغة توازن بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن من جهة، والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة أخرى، ما يضمن أن تظل كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية في صميم أي سياسة أو اتفاق يتعلق بإدارة الهجرة واللجوء.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print