تشير بيانات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا إلى استمرار تسجيل مئات آلاف طلبات اللجوء سنوياً خلال عامي 2025 و2026، في سياق أوروبي أوسع يتسم بارتفاع معدلات إعادة الترحيل وتسريع إجراءات البت في الطلبات. وتوضح بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” أن دول الاتحاد الأوروبي سجلت خلال عام 2025 زيادة ملحوظة في قرارات الإبعاد والترحيل تجاوزت خمسين في المئة مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس تحولاً بنيوياً في سياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي ستنعكس آثاره بشكل واضح خاصة مع بدء تنفيذ الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء في يونيو الجاري.
تحذيرات حقوقية ألمانية مباشرة
أصدر المعهد الألماني لحقوق الإنسان في برلين بياناً رسمياً في 20 يونيو 2026 بمناسبة اليوم الدولي للاجئين، حذر فيه الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس من تزايد مخاطر انتهاك التزامات ألمانيا بموجب اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. وأكد المعهد أن تسريع إجراءات الترحيل ورفض عدد متزايد من طلبات الحماية يثير مخاوف من المساس بمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
وبحسب البيان الرسمي ذاته، ربط المعهد هذه المخاطر بتطبيقات أولية للميثاق الأوروبي الجديد للهجرة الذي يهدف إلى توحيد إجراءات اللجوء وتسريع البت في الطلبات داخل دول الاتحاد الأوروبي، لكنه في المقابل يوسع نطاق قرارات الإبعاد السريع في حالات رفض الطلبات.
بيانات أوروبية حول الترحيل وإعادة القبول
أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” أن عام 2025 شهد ارتفاعاً يتجاوز 50 في المئة في قرارات الترحيل الصادرة داخل الاتحاد الأوروبي مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل زيادة في عمليات الإعادة إلى دول خارج الاتحاد، منها دول في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وتشير البيانات إلى أن هذا الاتجاه يرتبط مباشرة بتفعيل آليات الميثاق الأوروبي للهجرة الذي ينص على تسريع إعادة الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم إلى بلدانهم الأصلية أو إلى دول ثالثة.
وتوضح وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء EUAA في تقاريرها الخاصة لعام 2025 أن دول الاتحاد، وفي مقدمتها ألمانيا، تواجه ضغطاً متزايداً على أنظمة اللجوء نتيجة ارتفاع الطلبات وتزايد التعقيدات المرتبطة بفرز الحالات الفردية.
انتقادات من منظمات حقوق الإنسان الدولية
نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش خلال عام 2025 تقريراً حول سياسات الهجرة الأوروبية أشارت فيه إلى أن تسريع إجراءات الترحيل في عدد من الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، يثير مخاوف من عدم كفاية التقييم الفردي لبعض طلبات اللجوء، خصوصاً تلك القادمة من مناطق نزاع مثل سوريا وأفغانستان. وأكد التقرير أن أي تقليص في إجراءات الفحص الفردي قد يؤدي إلى انتهاك مبدأ الحماية المنصوص عليه في اتفاقية جنيف.
كما أصدرت منظمة العفو الدولية فرع أوروبا تقريراً موازياً في 2025 حذرت فيه من توسع استخدام مفهوم الدول الآمنة في قرارات الترحيل، معتبرة أن هذا التصنيف لا يعكس دائماً الواقع الأمني الفعلي في الدول المعنية.
القضاء الألماني بوصفه آلية مراجعة للترحيل
تُظهر بيانات وزارة العدل الألمانية أن المحاكم الإدارية في عدة ولايات ألمانية استقبلت خلال عام 2025 آلاف الطعون المقدمة من طالبي لجوء ضد قرارات رفض أو ترحيل صادرة عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين. وتوضح هذه البيانات أن النظام القضائي الألماني يشكل آلية رقابة مركزية على قرارات الإدارة التنفيذية في ملف اللجوء، حيث أوقفت المحاكم في عدد من الحالات قرارات ترحيل استناداً إلى وجود مخاطر محتملة على حياة أو سلامة الأفراد في بلدان العودة.
وتؤكد المحكمة الدستورية الاتحادية في ألمانيا في اجتهاداتها القضائية أن المادة 16 من القانون الأساسي الألماني، إلى جانب الالتزامات الدولية، تفرض حماية جوهرية لحق اللجوء في الحالات التي يثبت فيها وجود تهديد فعلي.
الميثاق الأوروبي للهجرة وإعادة تشكيل السياسات
دخل الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء مرحلة التطبيق التدريجي وصولاً إلى التطبيق الكامل في يونيو 2026، وفق ما أعلنته المفوضية الأوروبية، بهدف توحيد إجراءات اللجوء بين الدول الأعضاء وتسريع عمليات الترحيل للأشخاص الذين ترفض طلباتهم. وتشير وثائق المفوضية الأوروبية إلى أن الميثاق يسعى إلى تقليل التفاوت بين الدول في معالجة طلبات اللجوء، لكنه يثير في المقابل نقاشاً واسعاً حول تأثيره في مستوى الحماية القانونية الممنوحة للاجئين.
وتوضح وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن تطبيق الميثاق أدى إلى زيادة التنسيق بين الدول الأعضاء في تنفيذ قرارات الإبعاد، وهو ما انعكس في ارتفاع عدد عمليات الترحيل خلال عام 2025.
تداعيات إنسانية على طالبي الحماية
تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها الخاص بألمانيا لعام 2025 أن اللاجئين وطالبي اللجوء يواجهون تحديات متزايدة تتعلق بسرعة الإجراءات الإدارية وتعقيد الوصول إلى بعض أشكال الحماية القانونية. وتشير المفوضية إلى أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يجب أن يبقى ملزماً في جميع مراحل إجراءات اللجوء، ومنها حالات رفض الطلبات أو تسريع الترحيل.
كما تحذر المفوضية من أن أي تقليص في فرص الطعن القضائي الفعال قد يحد من قدرة الأفراد على حماية أنفسهم من الترحيل إلى مناطق خطرة.
ملفات في صلب الجدل
تشير تقارير هيومن رايتس ووتش والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى استمرار الجدل حول تقييم الوضع الأمني في بعض الدول التي يتم ترحيل لاجئين إليها، خصوصاً سوريا وأفغانستان. وتؤكد هذه التقارير أن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق لا تزال غير مستقرة، ما يثير مخاوف من عدم توافق بعض قرارات الترحيل مع معايير الحماية الدولية.
وفي هذا السياق، تسجل محاكم ألمانية عدة طعون مرتبطة بأفراد من هذه الدول، حيث تطلب المحاكم تقييماً دقيقاً لكل حالة على حدة قبل اتخاذ قرار الترحيل.
البعد السياسي الأوروبي
تشير دراسات صادرة عن البرلمان الأوروبي إلى أن صعود التيارات السياسية الشعبوية في عدد من الدول الأعضاء أسهم في دفع سياسات الهجرة نحو مزيد من التشدد، خصوصاً فيما يتعلق بتقليل أعداد القادمين الجدد وتسريع عمليات الإبعاد. ويؤكد البرلمان الأوروبي في تقاريره أن هذا الاتجاه يترافق مع نقاش متزايد حول التوازن بين الأمن الداخلي والالتزامات الإنسانية للدول الأعضاء.
الاقتصاد والهجرة في ألمانيا
توضح تقارير اقتصادية ألمانية صادرة عن معاهد بحثية مرتبطة بوزارة الاقتصاد أن سوق العمل الألماني يواجه نقصاً في اليد العاملة في قطاعات متعددة مثل الرعاية الصحية والبناء والخدمات. وتشير هذه التقارير إلى أن الهجرة المنظمة تمثل أحد الحلول المحتملة لهذا النقص، ما يخلق توازناً معقداً بين الحاجة الاقتصادية وسياسات التشدد في اللجوء.
تعود سياسات اللجوء الحديثة في ألمانيا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث نص القانون الأساسي الألماني على حق اللجوء بوصفه حقاً دستورياً. وشهد عام 2015 تحولاً كبيراً مع استقبال مئات آلاف اللاجئين، قبل أن تبدأ السياسات الأوروبية تدريجياً في التحول نحو مزيد من التنظيم والتقييد. ومع دخول الميثاق الأوروبي للهجرة حيز التنفيذ في 2025، تعود هذه الإشكالية إلى الواجهة بين التزامات الحماية الدولية ومتطلبات إدارة الهجرة في سياق أوروبي متغير.
تظهر المعطيات الصادرة عن المؤسسات الأوروبية والألمانية والأممية أن ملف اللجوء في ألمانيا لم يعد قضية إدارية داخلية فقط، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل شاملة لسياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي. وبينما تؤكد الحكومات الأوروبية حقها في تنظيم الدخول والإقامة، تشدد المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة على أن أي إصلاحات يجب أن تحافظ على جوهر اتفاقية جنيف، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان الحماية الفردية لكل حالة لجوء.

